السبت  24 آب 2019
LOGO

هل يتشكل ناتو عربي لمواجهة إيران؟

للعمل كقوة عازلة

2019-05-28 08:07:33 AM
هل يتشكل ناتو عربي لمواجهة إيران؟

الحدث فكر ونقد- محمد بدر

تمهيد

في العام الماضي، نشرت وسائل إعلام أمريكية تقارير تفيد بأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعمل على وضع خطة لإنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة، "تحالف استراتيجي في الشرق الأوسط"، والذي أشارت إليه هذه التقارير بمصطلح "الناتو العربي". بالنسبة للولايات المتحدة، يمكن للتحالف العربي الإقليمي منع أو تقليل الحاجة إلى نشر القوات الأمريكية على الأرض، حيث يمكن لهذا التحالف من حيث المبدأ أن يتعامل مع ما يسمى بالتهديد الإيراني، وكانت إسرائيل من أكثر المهتمين بهذه التقارير وأفردت مواقعها ومراكز أبحاثها الكثير من المساحات للحديث عن هذه القوة.

 ونقلت التقارير عن مصادر أمريكية وعربية رسمية، القول، إن الغرض من هذه القوة هو العمل كقوة عازلة ضد "النزعات التوسعية" لدى إيران وضد الإسلام السياسي وتحديدا داعش، على أن يعلن عن المشروع في 2019 بمشاركة الدول الخليجية ما عدا عمان والبحرين، وانضمام مراقبين من لبنان والمغرب ومصر.

إن محاولة إقامة تحالف عسكري عربي ليست جديدة، ولا يبشر تاريخ هذه المحاولات بنجاح القوة الجديدة في تحقيق أهدافها. في الخمسينيات، فشلت الولايات المتحدة في إنشاء مثل هذا الإطار، لتعزيز التعاون العسكري بين الدول العربية. وفي عام 2015 ، قررت جامعة الدول العربية إنشاء قوة عسكرية مشتركة من 40000 جندي، بهدف معالجة كل من "النفوذ الإيراني" "والتطرف الإسلامي"، على أن تمول القوة من قبل السعودية بشكل رئيسي، وفي 2016 أعلنت المملكة العربية السعودية عن تأسيس تحالف عسكري، يتكون من 34 دولة إسلامية، لمحاربة داعش، ومع ذلك لم يشارك هذا التحالف الأخير بأي مواجهة مع داعش ولم يتم تنفيذ أي من هذه الخطط الطموحة.

وفي الحرب على اليمن، نجحت المملكة العربية السعودية في إنشاء تحالف عسكري مع دول عربية أخرى، لكن الإمارات العربية المتحدة هي الوحيدة التي تشارك بشكل فعلي في القتال، وتتسم الحرب هناك بعدم وجود استراتيجية قتالية مشتركة وذلك لعدم وجود إطار نظري ينظم العلاقة بين هذه الدول والحرب في اليمن. بالإضافة لذلك، فإن هذه الحرب ورطت صورة السعودية أكثر في قضايا حقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. يعيد هذا الفشل إلى وعي العالم العربي، وربما بشكل رئيسي في مصر، تفاصيل ومعطيات فشل التدخل المصري في الحرب الأهلية في اليمن في أوائل الستينيات، ويمنع معظم الدول العربية من القيام بدور كبير في هذه الحرب (حرب اليمن).

 في الواقع، فشلت المملكة العربية السعودية في جهودها لتجنيد الجيش المصري للقتال في صفها في اليمن، ولم تحصل منه سوى على الدعم الرمزي، على الرغم من المساعدات المالية الهائلة التي تقدمها لمصر. وفشلت في تجنيد الجيش الباكستاني للقتال، رغم كل الدعم الذي تقدمه السعودية لباكستان، لأن باكستان حاولت الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات مع إيران، وبالتالي فإنه يمكن الاستنتاج أن الجيوش في المنطقة العربية تؤدي أدوارا محددة في معادلات الصراع خارج إطار دولها.

تجربة الاتحاد في الخليج: عسكريا واقتصاديا

مجلس التعاون الخليجي من أنجح الأمثلة للتعاون بين الدول العربية بتأسيس قوة عسكرية موحدة، والتي أطلق عليها "درع الجزيرة"، حيث أنها تدخلت بشكل مباشر في قمع ثورة شيعة البحرين عام 2011، وشاركت قوات سعودية وإماراتية بشكل أساسي في قمع المتظاهرين. وهذه التجربة العسكرية قد توحي للقارئ أو المتلقي أنها تأتي في سياق عملية اتحاد مستمرة تجاوزت كل العقبات وحققت كل الأهداف وصولا للتدخل العسكري المباشر في شؤون دولة من دول الاتحاد، لكن الحقيقة لا تبدو كذلك.

تعد دول مجلس التعاون الخليجي نموذجًا من نماذج التعاون بين الدول العربية فيما يتعلق بالمنظمات الإقليمية، وبدأت مبادرات مجلس التعاون الخليجي في مجالي الاقتصاد والطاقة، مما أدى تدريجياً إلى إزالة الحواجز التجارية، فضلاً عن التعاون في مراقبة الحدود والجريمة ومكافحة الإرهاب. ومع ذلك، لم تنجح المنظمة الإقليمية (دول مجلس التعاون) في تحقيق أهدافها كما كان مخططا لها، ومن أبرز الأمثلة على ذلك فشلها في إصدار عملة موحدة وتأجيل المشروع. وبالنظر للأزمة مع قطر، نجد أن المجلس لم يكن أكثر من تصور عن الاتحاد ولم يكن اتحادا حقيقيا، حيث إن الأزمة حتى اللحظة (25.5.2019) لم تنته ولم تنجح كل الوساطات في حلها، ما يعني أن الخلافات السياسية والأيديولوجية والقبلية ظلت أكبر من منطق الاتحاد والتكامل.

الصعوبات العملية والعقبات السياسية لتشكيل قوة عسكرية عربية

بالنسبة للولايات المتحدة، يمكن للتحالف إقليمي عربي أن يقلل من الحاجة لوجود القوات الأمريكية على الأرض، لأن هذا التحالف يمكن من حيث المبدأ يشمل أيضا القتال ضد المنظمات الإسلامية ومواجهة إيران ومكافحة تهريب الأسلحة من إيران إلى التنظيمات المعادية لإسرائيل في الشرق الأوسط. وبالتالي، ستكون الولايات المتحدة قادرة على تقليص التكاليف السياسية للتدخل المباشر للولايات المتحدة في الساحات العربية وفي الساحة الإقليمية وانعكاسات ذلك على العلاقات الدولية.

لكن وجود عدو مشترك ليس أساسا متينا بما يكفي لتشكيل قوة عسكرية موحدة، لأن تجربة الوحدة في أي شيء لدى العرب، ظلت تجربة معقدة وشائكة، وقد أدت المنافسات القبلية والعائلية القديمة والنزاعات الإقليمية والمواقف المختلفة بشأن إيران والإخوان المسلمين إلى توتر العلاقات بين بعض البلدان. فمن المفترض والواقعي كذلك، أن أولئك الذين سيشاركون في القوة العسكرية لديهم مصالح مختلفة، وكذلك تصور تهديد مختلف. على سبيل المثال، تعتبر مصر أن شبه جزيرة سيناء مركزا مهما لمحاربة الإرهاب، في حين أن الساحة اليمنية هي محور اهتمام المملكة العربية السعودية، وهو ما يبرر الدور الرمزي الشكلي المصري في حرب اليمن، كمثال.

كما أن فرصة إنشاء قوة عسكرية عربية لا يمكن أن يتحقق ليس فقط بسبب الاختلاف في التصورات حول التهديد وأولويات العمل، فضلا عن الخلافات السياسية الأساسية، ولكن أيضا بسبب القدرات العسكرية المتواضعة لمعظم المشاركين. علاوة على ذلك، كل تحالف عسكري أو قوة عسكرية مشتركة، يجب أن يكون لديه قوة رائدة، لمواجهة تفوق الخصم العسكري والتكنولوجي، ما يعني أن هذه القوة ستحتاج إلى دعم جوي ودعم أمريكي لوجستي واستخباراتي لكي تكون فعالة وقادرة على صد التهديد.

إن الصعوبات السياسية والتنفيذية من المرجح أن تجعل من الصعب على القوة العربية أن تصبح مكونا مهما في أمن دولها الأعضاء، وبالتالي فإن أهميتها الرئيسية ستكون رمزية إذا تم تأسيسها، وهذا الإنجاز لن يكون مهمًا في ضوء النزاعات العربية التي يجب حلها قبل أن يتم الترويج لهكذا مبادرات أو الإعلان عنها، وقد تكون الولايات المتحدة تريد بناء هذا الشعار وهذه الرمزية، من أجل التخلص من التزاماتها العسكرية المباشرة والمكلفة في المنطقة العربية.

القوة العسكرية المفترضة في الميزان الإسرائيلي

لدى إسرائيل مصلحة ، بالتأكيد على المدى القصير والمتوسط​​، في أن يتشكل تحالف بين الدول العربية من المفترض أن يركز على "نفوذ" إيران في الشرق الأوسط وتأثيرها المتزايد في المنطقة، ويؤكد أن التهديد الإيراني لا يرتبط فقط بمحاولة الحصول على أسلحة نووية. من المفترض أن يحارب التحالف أيضًا تهديدات السلفية العالمية والإسلام السياسي. ومن الممكن أن يساعد هذا التحالف أيضًا في تعميق العلاقات بين إسرائيل ومختلف دول المنطقة، وحتى قد تجد نفسها جزءا مهما منه ومشاركة في دعمه استخباراتيا وتكنولوجيا. لكن على المدى البعيد، قد يكون لهذا التحالف معانٍ إضافية بالنسبة للإسرائيليين ، والتي لن تكون كلها إيجابية لإسرائيل. ومرجع ذلك، إمكانية تغير النظام في دوله الأعضاء، مما سيؤدي إلى تغيير في الأولويات وتجديد العداء تجاه إسرائيل في مساحة عربية أكثر تماسكًا مع إمكانات عسكرية أفضل مما هي عليه اليوم، وعليه فإن إسرائيل قد تضغط على الولايات المتحدة من أجل إفشال هكذا مشاريع.

قراءة في الأهداف الأمريكية من تشكيل القوة

التقارير الأمريكية روجت إلى أن القوة ضرورية لتحقيق الاستقرار الإقليمي، لكن بعض التفسيرات ذهبت إلى الإشارة أن الولايات المتحدة تحتاج إلى هذه القوة لتعزيز مصالح لها تتعلق بالصناعة العسكرية الأمريكية، والتي يمكنها الاستفادة من صفقات الأسلحة الجديدة التي سيتم توقيعها مع هذه القوة العسكرية الموحدة، بالإضافة إلى أن الأمريكيين يسعون إلى كبح جماح "النفوذ الإيراني" بأقل التكاليف المباشرة وبدون الحاجة للدخول في أزمة مع روسيا باعتبارها أحد الحلفاء المركزيين لإيران في المنطقة.

إن مكمن الأهداف الأمريكية في تشكيل هذه القوة يتجلى في تصريح وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس في 28 يوليو 2018، بأنه لا يوجد قرار من قبل الإدارة الأمريكية لاتخاذ إجراءات لإسقاط النظام الإيراني، وأن الهدف هو التعامل مع سياسة التهديد الإيرانية في الشرق الأوسط، وأن إيران بحاجة إلى تغيير سياستها العسكرية، وأنشطة أجهزتها السرية، ما يعني أن إيران تبقي على النظام الإيراني لاستخدامه كبعبع من أجل ابتزاز العرب وتحاول بناء قوة عسكرية من أجل تسويق أسلحتها وفتح أسواق قوية للسلاح الأمريكي.