الأربعاء  26 حزيران 2019
LOGO

إسرائيل الباحثة عن النصر في الملابس الداخلية للمقاتلين تزعجها صورة الكورنيت

2019-06-12 06:58:06 AM
إسرائيل الباحثة عن النصر في الملابس الداخلية للمقاتلين تزعجها صورة الكورنيت
صاروخ كورنيت

 

الحدث ــ محمد بدر

مقدمة

يعرف الفيلسوف الأمريكي جون روجرز سورل، الوعي "بأنه أداة تخدم الإنسان في التعرف على الواقع والاعتراف به، ويرى أن الوعي هو الشرط الذي يسمح للشخص أن يكون على بينة من البيئة، للعمل والشعور وفق المواقف التي تحدث فيها؛ وهو القوة الدافعة للإنسان، لإنتاج سلوك وتفكير معين، ومن خلاله يتم تعريف الظواهر والعلاقات والتفاعلات الخارجية مع البيئة والمجتمع الذي يعيش فيه. إن تعريف سورل للوعي، هو التعريف النظري الأكثر قربا على مفهوم "الوعي" في السياق العسكري والأمني، وهذا لا يعني بأي حال أن تعريف "الوعي" في السياق العسكري والأمني متفق عليه، وهناك التباس واضح في تعريفه، وهذا يتضح أكثر من خلال المصطلحات المستخدمة من قبل الهيئات العسكرية والأبحاث العسكرية لعدة جيوش حول العالم، ولكن الثابت أن المعلومات والاتصال وإدارة استخدام المعلومات لتحقيق التأثير، هي المعالم الأهم في "معركة إنتاج الوعي". ورغم التباين في تعريف "الوعي" وكذلك "معركة الوعي" في السياق الأمني والعسكري؛ إلا أنه من السهل اكتشاف القاسم المشترك للمفاهيم المختلفة، من خلال التركيز على السياق العسكري والأمني للخطاب. ولعلّ أهم الأسباب وراء هذا الاختلاف في المفاهيم، هي زيادة الاهتمام  بـ"معركة الوعي" وتوسع النقاش والبحث في هذا الإطار، وهو ما قد يكون قد خلق تفسيرات مختلفة للمعركة من أجل صناعة الوعي أو "معركة الوعي"، في ظل الفهم المختلف والمتباين المنسجم مع الاختلافات الثقافية بين البيئات، وكذلك اختلاف الأهداف للمعركة والجماهير المستهدفة المختلفة.

في السنوات الأخيرة، تطور الاهتمام بـ"معركة الوعي" في منحيين أساسيين، الأول: تطوير مفاهيم جديدة في إطار معركة الوعي وتكثيف الخطاب الأمني العسكري الثقافي، والثاني: إنشاء هيئات متخصصة لقيادة "معركة الوعي". ويعكس الاهتمام المتزايد بالوعي؛ التغير في جوهر القتال والتغيرات في العوامل التكنولوجية والاجتماعية والثقافية، والتي أعادت تشكيل القدرة على التأثير على العقل بطريقة مختلفة عن الماضي. وتضافرت عدة عوامل أساسية في زيادة الاهتمام العملي بـ"معركة الوعي"، أهمها هو التغيير المستمر على طبيعة الحرب وطبيعة الانتصار، وكذلك وجود فجوة كبيرة بين ما هو كائن في ساحة المعركة وتقييم النتائج والمجريات، وأخيرا الفجوة بين أطراف القتال (دول وجماعات)، ولأن الجماعات لا تستطيع تحقيق النصر بالمفهوم العسكري التقليدي، تسعى لإقناع الرأي العام في بيئتها والبيئة العدو أنها الطرف الأكثر تأثيرا في المعادلة، لتكريس معادلة جديدة مختلفة عن تلك الموجودة في الحروب التقليدية فيما يتعلق بالقوة والنصر، ليصبح التأثير هو العامل الأهم في الحرب، في اتجاه أساسي مهم: التأثير في الوعي كهدف ووسيلة من خلال استعارة مدى التأثير في السلوك كتشخيص فيزيائي وعملية إحصائية للمعطيات في جوهر المعركة.

مكّن ظهور الإنترنت والتطور في مجالات استخدامه، في تحقيق قفزة هائلة في "معركة الوعي"، خاصة في ضوء التوسع في استخدام الشبكات الاجتماعية، والسبب في ذلك القدرة على مشاركة النصوص والصور ومقاطع الفيديو، ووصولها لأعداد كبيرة من الأفراد سواء في بيئة العدو أو في البيئة المحلية، وهذه المتغيرات الجديدة قادت إلى فهم جديد للمعركة بكافة جوانبها في بيئة تشغيلية جديدة آخذة في التطور، وهو ما جعلها ساحة معركة حقيقية. إن الثورة المعلوماتية هي العامل الرئيسي في زيادة الانشغال بـ"معركة الوعي" من قبل الدول والجيوش والمنظمات المدنية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك "إسرائيل"، وأعقب ذلك الاهتمام والانشغال؛ إدراك بأن التلاعب بالمعلومات، أو حتى الاستخدام المجرد لها، من أهم الأدوات لخلق النفوذ في "معركة الوعي"، مع الإشارة إلى أن التغييرات التكنولوجية والإعلامية سمحت لأي فرد بالتأثير، وبالتالي المشاركة في "معركة الوعي".

الاهتمام الإسرائيلي بـ"معركة الوعي"

اهتمت "إسرائيل" بشكل مكثف بـ"معركة الوعي" منذ الخمسينيات في الجوانب المفاهيمية والتنظيمية، من خلال الهيئات المعنية التي أنشئت في جيش الاحتلال الإسرائيلي وغيرها من الأذرع الاستخباراتية التي تعاملت مع "معركة الوعي"من خلال استراتيجية المواجهة المحدودة، وفي التعريف الأساسي الإسرائيلي لمعركة الوعي، يتضح أنه يُنظر إليها على أنها معركة من أجل تحقيق مساندة من قبل الرأي العام للفعل العسكري، وتستند على معطيات الأرض، وتتشكل من خلال شرح وتوضيح أهداف الفعل العسكري ونتائجه (الشكل هو الطبيعة الأخرى للسلوك).

إن المفهوم الإسرائيلي الأساسي الأولي لمعركة الوعي، يصطدم مع التعريف الإسرائيلي الأساسي للدولة، كدولة "ديمقراطية"، لأنه ومن ناحية نظرية على الأقل، لا يجب أن تقوم الدولة الديمقراطية بمحاولات للتأثير على وعي "مجتمعها"، من خلال تكتيكات إعلامية ومحاولات إقناعية تحمل في طياتها الخداع والاستغلال والتلاعب وإدارة المعلومات بشكل يحجب المعلومة عن المجتمع أو يتلاعب بها، وما ينتج عن ذلك من تكريس للرواية الرسمية الأحادية. لذلك، قام الباحثون الاستراتيجيون الإسرائيليون بإعادة تعريف "معركة الوعي" وجمهورها المستهدف والذي يتمثل بالأساس ببيئة العدو، ومع ذلك ظلّ السلوك والتعريف الإسرائيلي لمعركة الوعي يعاني من ثغرات عدة، أهمها: اعترافه النظري بممارسة الخداع في بيئة غير بيئته، وكذلك إصراره العملي على ممارسة الخداع في بيئته من خلال ما يعرف بالرقابة العسكرية.

ولتجاوز الثغرات التي يعتريها التعريف الإسرائيلي الجديد لمعركة الوعي، ظهرت أفكار جديدة تؤكد على ضرورة استثمار الجهود في إقناع البيئة المحلية بدعم الفعل العسكري، بروافع أخلاقية، أهمها: تعزيز الروح المعنوية للمجتمع وروح القتال بين الجنود، وخلق شعور مشترك بوحدة المصير وضرورة القتال، بما يتجاوز المعاني الاقتصادية والشخصية والإنسانية. ومع ذلك، تجد هذه الأفكار نفسها أمام مهمة صعبة، لكثرة اللاعبين في مجال الوعي في البيئة المحلية واختلاف تصوراتهم وأهدافهم، ووجود توترات وتناقضات بين اللاعبين، وبكل الأحوال فإن فشل البيئة المحلية في صياغة شعور مشترك يؤثر على الشعور المقابل في بيئة العدو، فمثلا استقالة أفيجدور ليبرمان من وزارة جيش الاحتلال بعد إحدى جولات التصعيد، خلق شعورا لدى المقاومة الفلسطينية، بأن الإسرائيلي مهزوم وأن المقاومة استطاعت تفكيك شعوره وأهدافه. لذلك، فإن الانخراط في "معركة الوعي" بفعالية، يستوجب أن نفهم كل البيئات بكافة معطياتها، بما يشمل ثقافة المجتمع وتاريخه ورموزه وأساطيره والأيديولوجيات القائمة فيه والخلافات الاجتماعية والاقتصادية والقيم.

أدركت "إسرائيل" في السنوات الأخيرة، أن "معركة الوعي" مع الجماعات الأيديولوجية معقدة ومركبة، لأن هذه الجماعات ترى في "معركة الوعي" ساحة مهمة من ساحات القتال ضد العدو ووعيه، وبالتالي فإن حجم الاستثمار في هذه الساحة كبير، ويمكّن هذه الجماعات من تطوير مفاهيمها النظرية وسلوكها العملي في إطار "معركة الوعي"، والأهم أن هذه الجماعات لا تضع حدودا زمنية لمعركة الوعي، وهو ما دفع "إسرائيل" عمليا، إلى التعامل مع "معركة الوعي" على أنها معركة ملازمة للفعل العسكري ومنفصلة عنه، وهذا ما يحتم استمراريتها، ولعلّ أكبر الأدلة على ذلك، النشر المستمر والمكثف من قبل الهيئات والمنصات الإسرائيلية المخصصة لقيادة "معركة الوعي"، من الأمثلة على ذلك؛ صفحات الناطقين العسكريين الإسرائيليين.

"إسرائيل" و"إشكاليات النصر" في "معركة الوعي"

في الأول من يونيو من العام 2019، كشف الصحفي الإسرائيلي روني بن يشاي، المتخصص في الشؤون العسكرية والحائز على جائزة هيئة الأركان وجائزة إسرائيل للإعلام عام 2018؛ أن رئيس هيئة الأركان أفيف كوخافي، عقد بعد أيام قليلة من توليه منصبه، جلسة عصف ذهني استمرت عدة أيام بمشاركة كبار ضباط جيش الاحتلال الإسرائيلي، بهدف توضيح وتعريف المعنى العملي لمصطلح "النصر". بعبارة أخرى، تعريف ومعرفة ما يحتاجه جيش الاحتلال الإسرائيلي في الحرب القادمة، لإنقاذ صورته كمنتصر. ولكن بن يشاي، يؤكد بأنه يستطيع التنبؤ بأن "إسرائيل" لن تنتصر في الحرب القادمة، معتمدا في تحليله على مفهوم "النصر" على المتغيرات الجديدة في ساحة المعركة، خاصة تلك المتعلقة بـ"معركة الوعي"، وفي هذا الإطار يستدرك قائلا: "أستطيع أن أقدر، أن الجيش الإسرائيلي اليوم قوي وعلى مستوى عال من الاستعداد للحرب غير المتكافئة أو التقليدية على جبهتين أو ثلاث في وقت واحد، ولكن ما يمنع إنتاج "النصر" هو الظواهر الاجتماعية والعقلية والسياسية التي نشأت في المجتمع المدني وفي علاقات المجتمع العسكري في إسرائيل".

أدرك القادة الإسرائيليون أن الوعي الجمعي الإسرائيلي بدأ يهتز ويشتبك داخليا فيما يتعلق بتعريفه للنصر على "العدو"، خاصة وأن السردية الإسرائيلية الرسمية ساهمت في تكريس مفهوم مثالي للنصر، أحد أبرز معاييره "قلة الخسائر" و"شدة الإنجاز"، ويرى هؤلاء، أن هذه السردية المثالية أثرت بشكل كبير على عقيدة الجيش الإسرائيلي، وكذلك في تقييم المعارك التي يخوضها الجيش، وبالتالي فإنه وضمن معايير المفهوم التقليدي المترسخ لدى الإسرائيليين حول "النصر"، فإنه مما لا شك فيه أن الجيش الإسرائيلي هُزم أمام حزب الله، وهذا هو الاعتقاد السائد والأبرز حول المعركة مع حزب الله عام 2006.

وتحاول "إسرائيل" أن تفسر ظاهرة "الحساسية من الخسائر" بعيدا عن السردية المثالية التي صاغتها حول معاركها وقدراتها العسكرية، لأن أي تفسير في الإطار العملي، يؤدي إلى أزمة في الرواية بأبعاد عميقة واستراتيجية. ولذلك، فهي تسعى لتفسير الظاهرة فلسفيا ونظريا، من خلال التأكيد على أن الظاهرة سمة اجتماعية وثقافية ثابتة في "المجتمعات الديمقراطية" منذ نهاية الحرب الباردة، إلا أن هذا التفسير يصطدم بتفسير آخر من قلب "المجتمعات الديمقراطية"، يرى أن تكريس ظاهرة "الحساسية من الخسائر"، كانت نتيجة للخطاب الذي تقدمه الجيوش لمجتمعاتها، من أجل الحد من نفور الأفراد من الاشتراك بالفعل العسكري في إطار الجيش، وكذلك نفور المجتمعات من الفعل العسكري في إطار حسابات لا تراعي مسائل الأمن القومي. ورغم التباين في التفسيرات، إلا أن الحقيقة الكبيرة هي أن "الحساسية من الخسائر" تجعل تشكيل مفهوم "النصر" أكثر تعقيدا وتركيبا وإشكالا.

إن حساسية الإسرائيلي من الخسائر، دفعت القادة الإسرائيليين لممارسة عملية خداع وحجب للمعلومات، خلال الحروب والمعارك، ويظهر في كل المعارك و جولات القتال التي تقع بين "إسرائيل" وأعدائها، أنها تحاول الترويج لـ"حتمية النصر" خلال المعركة، من خلال نشر معلومات تتعلق بأهداف العدو التي استهدفت وعددها وأهميتها ومدى تأثيرها على بنيته العسكرية وقدرته على القتال، بالإضافة إلى إخفائها لأعداد الجنود أو المستوطنين القتلى والمصابين، استنادا إلى نظرية "بول كورنيش" التي صاغها في كتابه "الحقيقة والأسطورة"، ويرى فيها أن إخفاء أعداد القتلى يمنع الإحباط والشعور بالهزيمة، ولكنه من جهة أخرى يفقد الجيش والمؤسسة العسكرية المصداقية على المدى البعيد، وهو ما قد تحقق بالفعل ويمكن الكشف عنه من خلال التصريحات التي أطلقها القادة السياسيون والعسكريون الإسرائيليون بعد عدوان 2014 على غزة، عن تدمير البنية التحتية لفصائل المقاومة في غزة وقدرتها على القتال وتطوير ذاتها، وبين ما اكتشفه الإسرائيليون في جولات التصعيد التي جرت في عام 2019، وما أظهرت من تزايد القدرات العسكرية لفصائل المقاومة وتطورها.

ولكن الأهم (في هذه المرحلة) في محاولات "إسرائيل" لمعالجة شعور الإحباط والهزيمة وتبدد مفهوم "النصر"، هو موضوع "الصورة"؛ "صورة اليوم التالي" و"صورة المعركة"، فصورة اليوم التالي؛ يقصد بها التصورات التي تتولد لدى الجمهور المحلي والعدو عن المعركة، والتي تنعكس بالضرورة على شكل احتفالات (كما جرى في غزة بعد أكثر من جولة تصعيد) أو احتجاجات (كما جرى في مستوطنات غلاف غزة)، أما "صورة المعركة" فهي الصورة التي تخرج من قلب المعركة وتنشر خلال سير العمليات العسكرية (تصوير استهداف المقاومين الفلسطينيين، وكذلك تصوير المقاومة لعمليات القصف واستهداف المواقع والأهداف الإسرائيلية)، والصورة الأخيرة هدفها خلق شعور باليأس والإحباط لدى جمهور العدو وبيئته، وشعور بالقوة والتحكم لدى الجمهور والبيئة المحلية.

"نريد صورا بالملابس الداخلية".. الصورة و"معركة والوعي"

في المعركة بين "إسرائيل" وحزب الله عام 2006، شكل جيش الاحتلال الإسرائيلي وحدة مهمتها معالجة "الوثائق التشغيلية" أي الصور والفيديوهات التي تخرج من أرض المعركة، وضمت الوحدة 200 من الجنود المدربين على التصوير والإنتاج. في قاعدة "الكرياة" في تل أبيب كان يجلس ضابط برتبة عميد، مهمته إدارة إنتاج ونشر "الوثائق التشغيلية"، ولكن الوحدة المخصصة لإنتاج الصور وتوثيق المشاهد، فشلت في مهمتها بسبب شدة القتال مع حزب الله، وكذلك إدراك مقاتلي الحزب لخطورة الصورة، ولذلك اعتمد جيش الاحتلال على الصور التي تأتي من الجو، ولم يتمكن من رصد مشاهد قوية على الأرض.  ويكشف "إيلان كفير" في كتابه "اهتزت الأرض" أن قيادة هيئة الأركان الإسرائيلية ضغطت على القوات الإسرائيلية في الميدان من أجل الحصول على صور لجثث مقاتلي حزب الله. ويكشف أيضا، عن رسالة لرئيس هيئة الأركان دان حالوتس، قال فيها للقوات العاملة في الميدان "أريد صورا لجثث مقاتلي حزب الله، أريد عشرة أسرى من حزب الله بملابسهم الداخلية، أريد صورا لجثث مقاتلي حزب الله بملابسهم الداخلية".

إن الصورة التي تخرج سريعا من المعركة واحدة من أهم القضايا التي يجري البحث فيها إسرائيليا، وبالتالي تحاول "إسرائيل" الاستفادة منها بما يحقق مصالحها، وكان الأمريكيون أول من اكتشف أهميتها، في إطار ما عاد يعرف بالعلوم العسكرية الأمريكية "معركة البث المباشر"، في إشارة إلى توثيق المقاومة العراقية لضرباتها وعملياتها ضد الجيش الأمريكي ما بعد عام 2003، وأصبحت هذه المعركة محل جدل كبير في المؤسسة العسكرية الأمريكية بسبب تأثير هذا السلوك من طرف المقاومة على معنويات الجنود وأهاليهم والأمريكيين بشكل عام، وأدرك الأمريكيون أن المعركة من أجل الوعي متعددة الأبعاد، وأن ساحتها الرئيسية هي بيئة العدو (جنود وسكان) وهي معركة نفسية بالأساس وليست قيمية، فكانت عملية تصوير تفجير المركبات العسكرية وصور المقاتلين المقاومين أكبر تجاوز لحواجز اللغة بين العدوين وجعلت من المركبة المتفحمة اللغة الرسمية للحرب بعيدا عن بيانات العلاقات العامة ووسائل الإعلام الأمريكية، وحافظت هذه الفيديوهات على اتصال مباشر مع الأمريكيين بعيدا عن الرئيس ووزير الدفاع والبنتاغون، واستطاعت أن تكون عاملا مهما في تراجع الوجود الأمريكي في العراق.

الهروب من صور الكورنيت في الجولة الأخيرة

حملت جولة التصعيد الأخيرة التي وقعت في قطاع غزة، بين "إسرائيل" والمقاومة الفلسطينية، صورا مهمة، حاول كل طرف من الأطراف الاستفادة منها للتأكيد على أنه خرج منتصرا من الجولة، وركزت "إسرائيل" على عملية اغتيال الشهيد حامد الخضري، ونشرت فيديوهات توثق عملية الاغتيال، كما أنها عادت ونشرت فيديوهات أخرى بعد انتهاء الجولة بأشهر، نقلتها عن مصادر فلسطينية ومن كاميرا فلسطينية (فشل في فهم معركة الوعي من طرف الفلسطيني في نشر الفيديوهات)، وفي مقابل ذلك، نشرت الفصائل المقاومة في غزة فيديوهات لاستهداف آلية عسكرية إسرائيلية وسيارة تتبع لضابط أمن على حدود قطاع غزة. كان من اللافت، أنه بعد ساعات قليلة من نشر الفيديوهات من طرف المقاومة الفلسطينية، خروج الناطق باسم جيش الاحتلال رونين منليس وتأكيده أن الفيديوهات مفبركة. لكن ما يدعو للتنبه أكثر؛ التقرير الذي نشرته القناة العبرية 11 بتاريخ 10.6.2019، والذي تحدث منليس فيه مؤكدا أن الفيديوهات مفبركة وأنه احتاج لكثير من الجهد لإقناع المراسلين العسكريين بهذه "الحقيقة". إنه في ضوء ما تقدم من طرح نظري في موضوع "معركة الوعي" وأهمية الصورة في إطار هذه المعركة، يمكننا تفسير حديث منليس واستماتته في نفي حقيقة بعض تفاصيل هذه الفيديوهات، ولكنه نسي في نفس الوقت التقارير التي تحدث بنفسه فيها، عن إقامة جدار لحماية القطار الذي يمرّ من غلاف غزة بعد عملية الاستهداف التي وقعت بقربه من خلال صاروخ كورنيت، وإذا كان ذكيا في مناقشة تفاصيل الفيديوهات معتمدا على ابتسامته الساخرة؛ إلا أنه لم يستطع أن ينسجم مع روايته وسرديته بالنظر إلى تصريحات سابقة له في موضوع القطار والجدار الآمن.

ما تقدم يضعنا أمام عدة استخلاصات:

  1. "معركة الوعي" هي العامل الأبرز في تحديد المنتصر، وبالتالي فإن الاستثمار فيها يعني الاستثمار في تشكيل وعي بيئة العدو.

  2. "إسرائيل" عاجزة عن إنتاج مفهوم جديد لـ"النصر"، وقد تسعى لضرب المفهوم الفلسطيني لـ"النصر"، كخطوة تكتيكية.

  3. الصورة التي تخرج خلال المعركة هي واحدة من أهم أدوات "معركة الوعي"، ويجب على النشطاء والصحفيين إدراك أن تصوير مشاهد اغتيال المقاومين أو تدمير البيوت وجثث الشهداء، يعزز الروح المعنوية لدى البيئة المعادية.

  4. المشاهد الإنسانية التي يراد منها كشف بشاعة الاحتلال، يجب أن لا تشمل صور المقاتلين، ويجب التركيز على صور المدنيين في هذا الإطار.

  5. عدم تصوير ونشر أي أضرار تلحق بمرافق المقاومة، لأن ذلك يعزز الروح المعنوية لدى البيئة العدو.

  6. تداول فيديوهات المقاومة بشكل كبير وتوسيع انتشارها.

  7. مواجهة الرواية الإسرائيلية في موضوع الصور والفيديوهات التي توثقها المقاومة.

  8.  

المصادر والمراجع:

ميري أيزن، "الكفاح من أجل الوعي في حرب ما بعد الحداثة: الخلفيات والإشكاليات".

ساعر رفييه، "الوعي والوجود: عنصرين من الكل التشغيلي".

ستيوارت أ. كوهين، "العلاقة المتغيرة بين المجتمع والجيش الإسرائيلي: التداعيات التشغيلية"

ياجيل ليفي، "البعد الاجتماعي للإشراف المدني على الجيش: سياسة منع الإصابات"