الثلاثاء  19 تشرين الثاني 2019
LOGO

جوليا كريستيفا / فيليب سولرز: زاوج الفكر والجسد

(حوارات صامويل دوك)

2019-07-31 08:20:03 AM
جوليا كريستيفا / فيليب سولرز: زاوج الفكر والجسد
جوليا كريستيفا وفيليب سولرز

ترجمها لـ"الحدث": سعيد بوخليط

"عشق مختلف عن العشق، يُزْهِرُ في ظل العشق ذاته'' (سيدوني كوليت).

"أنظرُ إلى استحالة أن يكتفي العشق بالبقاء ثابتا'' (تيريز الأفيليَّة).

 صامويل دوك: نصل إلى فيليب سولرز، الثنائي الذي شكلتموه برفقته منذ عشرات السنين، أبهر الإعلام، لكنكما أدركتما كيفية الحفاظ على خصوصيتكما، وإن أجّجتما، بالرغم منكما، لدى الجمهور فضول حيوي، كان حاضرا جدا بين صفحات رواياتكما، وانعطف من خلال شخصيات عديدة، هل بوسعكما أن تصفا لنا لقاءكما الأول؟ وكيف تأسست هذه العلاقة؟

*جوليا كريستيفا: درب الحياة هذا، مثلما دفعتموني إلى إعادة بنائه، عزيزي صامويل، منذ قدومي إلى فرنسا، لم يكن في وسعه قط التبلور ثم يصير واقعا ملموسا، لو لم ألتقي فيليب ويرافقني، باعتباري مناصرة مقتنعة للقضية النسائية، وقد أكدتم على مجهوداتي بهذا الخصوص، دون الوقوف عند دوره البارز، كما أخبرتكم سابقا، حدثني جيرار جينيت ورولان بارت، عن هذا الكاتب الشاب الذي أبدع الرواية الجديدة، لكني انتظرتُ بضعة أشهر، مدة زمنية طويلة كفاية، قبل المبادرة إلى الاتصال بـ"الشخصية الشهيرة"،لأن منحتي الدراسية لا تسمح لي سوى بسبعة أشهر من البحث في فرنسا! بالتالي، لم يكن اسمه يعني شيئا بالنسبة لمخطط برنامجي، مادمتُ ملتزمة بإنجاز العديد من الأشياء وكذا اكتشاف باريس! كنت أعيش بين مقهى ''لوبول ميش''وغرفتي المتواجدة في مدرسة الصورة بجوار منطقتي "شباتي" و"نيللي" الباريسيتين، كما كنت اعمل في المكتبة الوطنية، شارع ريشوليو، وأنا أحذو حذو: حكاية "الصغير جيهان دو سانتري" التي دلَّني عليها أراغون، هل تذكرون إشارتي السابقة إلى ذلكّ… إذن، قرأت، في مجلة: كلارتي، حوارا مع فيليب سوليرز، تزينه صورة. مظهر شخص يحيل على أسرة آل بوربون على طريقة ماركيز دوساد، وسيم جدا، جذاب، بحيث يستحيل اليوم العثور ثانية على صورة شبيهة، فضلا عن ذلك، يطرح سوليرز أفكارا تعيدني إلى تلك المتبناة من طرف المستقبليين الروس والسورياليين الفرنسيين، لكن وفق توازن عمودي فلسفي جديد وساحر. يؤكد في الجوهر باستحالة تغيير أي شيئ، إذا لم نبادر إلى إحداث تحول يهم اللغة، وطبعا الرواية.

راسلتُه كي يحدد معي موعدا، فجاء جوابه سريعا جدا، مقترحا تاريخا بعد انقضاء عطل عيد الفصح. وصلتُ في اليوم المحدد لفضاء دار النشر "سوي"، صعدتُ الأدراج الحلزونية، كان ينتظر داخل مكتبه الصغير. شرحتُ له طبيعة ما أقوم به، واستحضرتُ باختين، تناقشنا طويلا ثم ذهبنا لتناول وجبة عشاء. بعد الانتهاء، رافقني إلى محطة قطار الميترو، توخى الجميل الفاتن تقبيلي! "لكن سيدي !" وامتنعت. لم يكن حقا يتوقع ردّة الفعل تلك!.

*صامويل دوك: ثم، تخليتم عن الأمر!

*جوليا كريستيفا: صحيح، بعد أن صمد فيليب سولرز لفترة معينة! اتصل متوخيا الاستفسار عن ما أعتزم القيام به في فرنسا. أجبتُه وأنا أكرر ما قاله ماركس عن البروليتاريا، إنِّي غير متشبثة سوى بالتخلص من قيودي. اهتمَّ كثيرا بهذا المختصر، خلال تلك الحقبة لم تتواجد كثير من المثقفات الشابات المستقلات، ثم لسن ''هَيِّنات'' ولا"خاضعات"، فضلا عن ذلك، أن يكن قادمات من شرق أوروبا.

* صامويل دوك: هل رفع الكلفة بينكما منذ الوهلة الأولى؟ 

*جوليا كريستيفا: أبدا، لأنَّنا أصلا احترمنا الصيغ الرسمية داخل جماعة تيل كيل. سؤالكم جيد، فقد خاطبنا بعضنا البعض مدة طويلة بصيغة الجمع، لكن فيليب كَسَّر حاجز الكلفة بيني وبينه عندما غادرنا جزيرة "ري" Ré ، بعد أولى عطلنا معا، تحققت الألفة، وبكيفية حتمية.

* صامويل دوك: اتسمت بعض فقرات رواياتكما بإثارة جنسية ساطعة!

*جوليا كريستيفا: قلتها مرارا، وكررنا ذلك في عملنا المشترك: "الزواج باعتباره أحد الفنون الجميلة'' (كتاب مشترك بين كريستيفا وسوليرز)، "لا يمكن التعبير عن الحب سوى مجازيا". فالاعترافات والشكاوي والمدائح؛ لا تلمس هذا الجوهر الملتهب. إذن سعيا، للاقتراب منه، أبدع البشر أشكالا وأجناسا أدبية، مثل الموسيقى والفنون. في حين فضل آخرون الروحانية، ارتحال الروح وجهة الله، حيث تسامى دانتي بالكوميديا في جهنم، والمَطْهَر والفردوس. بحكم انغماسي المستمر في الثرثرة مع ابني دافيد وأعيش ثانية بالفرنسية طفولتي على الأريكة، سيظهر لي تقمصي داخل اللغة الفرنسية حساسا بما يكفي، فحاولتُ بدوري الحديث عن الحب في الرواية. بداية، لم يمتلك التقاء اغترابنا المشترك أي حظ كي يصمد، سواء ما تعلق بي كطالبة بلغارية قادمة من صوفيا، منتمية إلى أسرة  ثائرة وأرثوذوكسية، أو لدى فيليب سوليرز، الكاتب الشاب المنحدر من بورجوازية كاثوليكية تنتمي إلى مدينة بوردو، وآنيا حي "كوكلوش سان جيرمان –دي- بري". لكن انجذابنا الفوري، ثم تحقق التناغم الجسدي، الشفهي، الجنسي، جعل جسدينا متلازمين، ما دام الاتفاق الفكري فرض نفسه، ثم استمر الوضع ونحن نتجدد. وحدها الرواية، تلامس هذه الخيمياء، بالتالي،حضر فيليب بين صفحات رواية الساموراي، خلف شخصية "إيرفي دو مونتلور"، الملقب ب "سانتوي''. أيضا،استثمرتُ بعضا من قسماته، المتمثلة في الوسامة، الغضب، الضجر وكذا قراءاته، بالنسبة لشخصيات أغلبها مركَّبَة تجسد المغرمين بالبطلة الرئيسة أو راوية نصوصي الروائية الأخرى، وصولا إلى "تيو باسمان''، عالم الكونيات الذي يعيش في السماء، ضمن صفحات رواية: ؟ساعة الحائط المبتهجة". رواياتي التي يقال عنها إنها فلسفية لازمتها أيضا الإثارة والرهانات الإيروسية، لذة الرجل والمرأة، وقد أصبتم بإشارتكم سابقا إلى هذا المعنى.

*صامويل دوك: كتب سوليرز روايتين، إهداهما إلى امرأتين،عاش معهما شغفا جارفا… تعلمون ذلك؟

*جوليا كريستيفا: لا أحد يجهل هذا المعطى، فعندما ولجتُ حياته، كانت تجربته غير قابلة للمقارنة وأكثر ثراء قياسا لتجربتي. فيما يخصني،عرفت بامتياز الإثارة العاطفية أكثر من الشبقية التي كُبِحَتْ نتيجة تربيتي التقليدية. لكن فيليب، جعلني أعيد خلق جسدي الخاص بي، الانصهار ثم الانفصال، قوة الحياة والفراغ، الذي ليس له شيئا.

دون أي شعور بالإثم، فقد كنتُ مطمئنة منذ أولى انتشاءاتنا الجنسية المشتركة، بالتالي، ليس الزواج من وَطَّد عزيمتي: بل فرض نفسه تجنبا لوضعية أن أصبح ''بدون أوراق''. لا، لقد استسلمتُ لهذا الاستهلاك الجنسي ببراءة طفولية، بل حيوانية، مع الإحساس به وفق أخوَّة مطلقة، ما دمنا تقاسمنا على الفور أيضا، وحدة شعورية فكرية. 

*صامويل دوك: ''تشارك''؟

*جوليا كريستيفا: ليس التعبير بالقوة المطلوبة كي نختزل فضولنا المتماثل أو المتكامل، قراءاتنا المشتركة لهيغل، نيتشه، فرويد، جويس، باطاي، ثم طبعا، بارت ولاكان. الفارق فقط، أنَّ فيليب يقرأ بنهم وأسرع مني، فبينما لا أزال عند نهاية الفقرة الأولى، يكون قد أدار الصفحة. شكَّلت لنا الموسيقى، وستظل دائما، سماءنا. في هذا السياق أيضا، يعتبر فيليب الموجِّه، لأنَّه علمني كيفية تذوق بساطة الطبيعة، والعشب المشبع باليُود على الساحل الأطلسي، الذي تحيط به نباتات الغرنوقيات، ثم مداعبة الإوز، وطائر مالك الحزين المهاجِر، ونحن نصغي إلى جورج فريديريك هاندل وجوزيف هايدن: ألحان متفردة تتسم بضبط ساعاتيّ، دقة اللحن، نبض الإيقاع، رغم ذلك، لم يختف إحساسي بالاغتراب.

* صامويل دوك: مؤلم؟

*جوليا كريستيفا: تتمسكون بهذه الكلمة! ليس تحديدا. نوع من التنبه، والتيقظ، والحيوية، تجعل الابتهاج صحوا. مسارنا دائم التغير، بالنسبة إلي، كنتُ وما زلتُ سلافية slave رومانسية، فذلك مكوِّني ''العُصَابي" مثلما قلتُ، يصبو إلى كمال عاطفي مستحيل. على العكس، يمتلك سوليرز، سلوكا ننسبه في المعتاد للملائكة. سأفاجئكم! صنف هذه الكائنات، مثلما تعلمون، يكشفون عن وجه إنساني، بحيث يخلقون معنا قُربا قويا جدا، لكنهم في ذات الوقت، إلهيون ما دام بوسعهم الغياب كليا تجعلهم هذه الثنائية مرغوبا فيهم، جذابين، يُحْدِثون الاستئناس، بل، الارتباط السرمدي. ثم يفرضون علينا ثانية الشعور بالإبتعاد والعزلة، وضعٌ لا يشعر الملائكة بأي معاناة لأنها كائنات غير مولودة.

* صامويل دوك: وبالطبع، غير جنسانية؟

* جوليا كريستيفا: تماما، لاجنسانية؛ لأنها غير مولودة. معضلة فيليب – نعم، تسكنه معضلة، رغم الكمال الذي استحضرتُه لديه غاية الآن- إنَّه ملاك مولود بالتأكيد، وحتما جِنساني، بل ومشتهٍ لأفراد الجنس الآخر، لكن نزوعه لا ينتمي للزمن الحالي.علاوة على غموض الملائكة، يمتلك فيليب تشكيلة لاعب مولود، يجسِّد خلاصة تسوية وجوه عديدة، بحيث يُخفي الواحد منها الباقي ويذود عنه. بحسبه، تعتبر طريقة الوجود تلك، طفولة دائمة، بينما نحن باقي البشر مجرد أطفال محبطين. حقيقة، لا يصقل فيليب جل هذه التعددية التي تغذي فيلقه من النزوات، سوى مع تعدد أصوات الكتابة. بخصوص جانبي السلافي slave /أو العُصابي، يحدث معي أن لا أميّز داخل العلاقة الغرامية سوى وجها واحدا، الذي أحتاجه، هنا والآن، دون الوجوه الأخرى. إذن صادفتُ هذا الفرنسي الفريد جدا من نوعه: يكشف عن شخصية ملائكية، لكنه قد يصير كذلك بهيميا. إذن ماذا؟ لقد استلزم الوضع زمنا كي أمسك بهذا الترابط، وأفصل بين حدود التعددية، بحيث "يؤدي كل جانب دوره"، مثلما قال سلفا مونتين عن ذاته.

*صامويل دوك: نشعر جدا بذلك ضمن تكاملية مشروعكم بحيث تستسلمون متى كان ممكنا إلى الدفاع عن احترام الغيرية. 

*جوليا كريستيفا: حاولتُ شيئا اعتقدتُ أنِّي عاجزة عنه: إظهار مزايا مكون الاغتراب ومعايشته باعتباره ورقة رابحة. قبلتُ البقاء أجنبية؛ خلال العامين الأولين لإقامتي في فرنسا، وبالتأكيد حضور شخصية فيليب حتى ولو أنَّ جانبا منه أدمج اغترابي بين طيات عالمه الخاص غير المألوف وقد حدث هذا الانتماء إلى مناطقه الخفية، بفضل تعاقب وتحوير مقرَّرين وثابتين سلفا، مثل موسيقى متسلسلة. وجدتُني مجددا على كوكب آخر، فيليب من جعلني أختبر وأتأمل مزايا هذه الوضعية، بالتأكيد هي نِعْمة وحظّ. لم أُطْرح جانبا، بل الأجنبية التي كنتُها وستظل، بقدر تجليها بين ثنايا هذا الإحساس بيني وفيليب، ثم اغترابه الذاتي وكذا تضمنه لاغتراب الآخرين. يتعلق الأمر بالنسبة لكل واحدة من خصوصياتنا المتبادلة العثور على موقع، وهذا ما نواصل تكريسه بتعميق مشاعر التعاطف ثم الحفاظ أيضا على تناقضاتنا، التي هي كذلك حرياتنا.

استطعتُ وفيليب تأسيس ثنائي تخلَّص من ثِقَل زِنا المحارم. كانت أمامي عدة إمكانيات، قياسا لنوعية التوافقات داخل أسرتي. إما عدم مصادفتي لرجل يرتقي غاية المستوى الخطير لارتباطي بأبي ثم لأجله، بالتالي أكتفي بحياة العزوبية. وإمّا أخلقُ ثانية تلك الكمَّاشة و أُستنزف ضمن ثنائي الابنة/ الأب، التابوت الحجري لنرجسيات محنَّطة. لاهذا ولا ذاك؛ فقد اخترنا مجاراة اغترابنا، لكن بما أنّ بصمة زِنا المحارم تتأجَّج وتهدد حتما الشغف، نتيجة شهية الإثارة الطفولية التي لا تُقهر ثم جراء القساوة المدجَّنة للاهتمام المشترك؛ فقد غمر ذاك الانحراف الأصلي زواجنا.

هكذا دعمني"الثنائي" الذي خلقناه معا، فيما يتعلق بحياتي المهنية. وقد أعلنتُ سابقا، بأن المجتمع الفرنسي، مهمة كانت تبايناته وكذا تمرده، لا يتماسك ويلتحم ثانية سوى ضد الأجنبي، والأخير يشعر بذلك على نحو أكثر قساوة مقارنة مع بلدان أخرى، يتقن الفرنسيون، بجانب الرفض المباشر، إضافة إقصاءات أخرى، يسهل تفعيلها أكثر وماكرة. اقتضى السياق ضرورة أن أجد لي مكانا داخل الجامعة وخارجها،كي أتموقع هنا وهناك.الإضطلاع بالدور المسند إلي،حتى لو كان غير الذي توخيتُه،وأعتبره مناسبا،  مبررِّة: هذا الموقع؟ إنه هائل سلفا، هكذا يجري الأمر، ممتاز! من باب التطلع نحو تقديم الأفضل، والسعي (خيلاء يصعب تبريره!) بالأحرى كي أكون موجودة وليس مجرد ديكور، هذا الموقع عند الجبهة يستعيد قواه باستمرار، مسائلا الجواني والبراني، ثم الذات نفسها.

*صامويل دوك: من هنا مفهوم ''إعادة النظر الجذرية في القيم''، الذي توظفونه غالبا.

*جوليا كريستيفا: دهشة أفلاطون إذا أمكن القول! وإن كنّا لا نعبر بما يكفي حين قول الفيلسوف يندهش، ما دام غريبا عن الجماعة: ''تعتبر الحياة النظرية حياة غريبة'' كي تفكر، لا يجدر بكَ الانتماء، بل الأولى لك أن تظل على الهامش! قد يتمثل هذا الهامش في الجنسية المثلية والكاتب لدى بروست؛ ثم الرواقي، كما الشأن مع زينون من مدينة سيتيوم في قبرص، الذي أبدع في أثينا نظرية ''جديدة''، حول علم العلامات، أول درس سيميولوجي. أيضا قد يكون هامش فيلسوفة تثور ضد اضطهاد "الجنس الثاني"، كما الحال مع سيمون دي بوفوار، أو كاتبة على شاكلة سيدوني كوليت التي أعادت ثانية رسم الحدود بين ''النقي والملوث". يعتبر هذا التموضع في الجبهة خصبا قدر كونه مجازفا؛ بحيث لا ينبغي لكَ كمناضل ساخط، الإحساس بالسأم، أو الستسلام؛ بل ولا مجرد أن تعتلَّ صحتك، لكن بما أننا نرعى ذلك بين ثنايا الحب نفسه، تبتعد هذه المخاطر. رولان بارت، أول من استوعب موضوعي، وسبقني في هذا المضمار، من خلال مقالته المعنونة بـ"الأجنبية'' التي أهداها إلي، حتما لأنه بدوره جَسَّد شخصية مغتربة، وفق الدلالة ''الهامشية'' للمفهوم. 

* صامويل دوك: ارتكز لقاؤكم بفيليب سوليرز على الديمومة، وبفضل أيضا، ما وصفتموه بتلك القوة الدافعة، التي اهتدت بأحدكما صوب الثاني، فهل أكون محقّا إذا استحضرت نعت: ''وميض علائقي"؟

*جوليا كريستيفا: قبل المتعة نفسها، تجلى فورا ذكاء على مستوى الجسد، الصوت، الإيقاع، مما أضفى ديناميكية على الفكر وجعله محسوسا. حينما تعرفتُ على والدي فيليب، لاحظتُ شبهه الكبير بأمه! يحضر لديه جانب أنثوي ليس على مستوى سلوكه أو حديثه، الجازمين، الساخرين، الصارمين، اللذين يعكسهما أيضا حسب قدر كبير من الودّ واللطف. يمتلك هذا الجسد السريع والحيوي للاعب كرة قدم شيئا من الليونة، غير ملتح ولا خشن، نوع من النعومة تجعلني مرتاحة، مثلما أيضا بهوية متحفظة، ثم فجأة يغدو بركانيا حتى يطبع حدود موضعه، ويذكِّر بالفكر اللاذع للأخلاقيين وكذا كتَّاب الرسائل إبان القرن السابع عشر الذين تألقوا خلف سحر الأم تلك السيدة السعيدة. من جهتي، لستُ متخلصة سيكولوجيا تماما من وصفة ثنائية جنسية، نتيجة تماثلي مع أبي الذي أشبهه جسديا. إذن، في النهاية، سوف أشكل صحبة فيليب زواجا رباعيا.

*صامويل دوك: أشعر بأن الرجال الذين أحاطوا بكم تجلى لديهم جانب أنثوي واضح.

*جوليا كريستيفا: ربما، وبطريقة مختلفة، كما يحدث عند الجميع. بيد أن الذين نتكلم عنهم، يدركون ذلك ويعبرون عنه حسب طريقة تفكير متفردة، ضد المجرى العام للتقاليد.

*صامويل دوك: في رواية الساموراي وصفتم بشكل خاص حقا، تبنيكم من طرف أسرة الزوج، وقد بدأ تدريجيا، ثم تحقق الانجذاب فالاحتضان. تبدو فعلا حقيقية، المواقف التي أشرتم إليها، إنها موجودة، لكن هل جرت الوقائع مثلما جاء وصفها؟

*جوليا كريستيفا: نعم بالضبط؛ لم يتغافل الاستثمار الروائي عن أي شيئ  يتعلق بذهنية هذه الأسرة الكاثوليكية، الديغولية، والتي أجبرت أطفالها على الاستيقاظ حتى ينشدون أغنية: ''ماريشال، ها نحن !". هكذا كان السياق! فلا أظن أنهم تصوروا زواج ابنهم من طالبة بلغارية. أين تقع بلغاريا هذه؟ بالكاد معروفة اليوم، فتخيلوا معي الأمر سنة 1966! لم يحضروا مراسم زواجنا في دار البلدية، الدائرة السابعة. لكن، بعد انصرام أشهر، بادرت والدة فيليب إلى دعوتي كي تهنئني، بعد سماعها الأستاذ رولان بارت يمدحني على أثير أمواج إذاعة ''France-culture"، ثم همست نحوي بكيفية لطيفة، إن كنت أحبُّ الأحجار الكريمة؟ وبعد فترة وجيزة وصلني منها خاتم الماس بديع، إنه خاتم الخطوبة، الذي أرتديه غاية اليوم، امرأة استثنائية، فاتنة، ودودة، صاحبة سلطة جذابة لم يكن في وسعها ممارستها على ابنها الذي كانت استقلاليته ذات شهرة عمومية. وفيما يخصني؛ تحولت لدي إلى سحر واهتمام، فرنسيتها المتميزة بقدر عذوبتها، ثم دعابتها غير المبالية برياء وسطها.        

 (يتبع)

مصدر الحوار:

جوليا كريستيفا حوارات مع صامويل دوك. منشورات فايار. 2016. ص: 111 -120