الثلاثاء  22 تشرين الأول 2019
LOGO

دولة الإسبرسو / بقلم: د. حسن أبولبده *

2019-08-10 08:12:05 AM
دولة الإسبرسو / بقلم: د. حسن أبولبده *
د. حسن أبو لبدة

 

خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان صيف 1982، وانتفاضة 1987؛ هبت شعوب العالم للدفاع عن الثورة الفلسطينية وشعبنا اللبناني، وانطلقت مليونيات شعبية هائلة مساندة لحق شعبنا في الدفاع عن حريته وكرامته وحقوقه الوطنية.

لا يختلف اثنان على أن قضيتنا تعيش اليوم ما يشبه سكرات الموت، حيث لم تعد مركزية جامعة في وجدان الشعوب وسياسات الدول العربية والإسلامية، أو مؤثرة على استقرار المنطقة، أو حتى محور نشاط الحراكات الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني العالمية.

نزحف نحو الموت السريري في خضم تجليات "صفقة القرن" وانفضاض السامر، وتخلي القريب قبل البعيد عن دعم مسيرة كفاحنا أو تبني استراتيجية مناصرة حقوقنا، ويتزاحم العربان على دفع دية القتيل "قضيتنا"، في تل أبيب، بتمويل "صفقة القرن" وتسديد فواتير الاحتفاظ بالكراسي.

في ظل هذا المشهد المأساوي، آن الأوان لنظامنا السياسي للاعتراف بالفشل والاعتذار لشعبنا والاختيار ما بين الانكفاء عن المشهد، أو التعاطي الجاد مع الواقع والتحلي بوضوح الرؤيا والجرأة في السعي للخروج بنا ومعنا من قمقم مرحلة أوسلو، واللجوء إلى المصارحة والمكاشفة، حتى وإن كان ذلك مؤلما لنا جميعا، والأهم من كل ذلك التوقف عن التصرف وكأننا لسنا في الدقيقة الأخيرة قبل الانفجار والانهيار، والاستمرار في ممارسة طقوس إدارة المرحلة وكأننا مجموعة مراهقين، تقرر ما تريد لتحصل على ما تريد، ولا تتحمل مسؤولية نتائج قراراتها وأفعالها.

إنها لحظة الحقيقة في ما نريد وما نحن فاعلون، فإما التعاطي الجدي مع سعينا للحرية والاستقلال وإقامة دولة فلسطينية ذات محتوى حقيقي وعصري، أو الاستمرار في مسيرة بناء دولة الإسبرسو حيث نرغب بقيام دولتنا دون دفع ثمن ذلك، وبشرط عدم التخلي عن رفاهية ما أفرزته مرحلة أوسلو من مكتسبات مادية، والتباهي بارتياد المقاهي والمطاعم الفاخرة، التي تكاد بشكلها وأسعارها تضاهي نظرياتها الباريسية، وغض النظر عن مدن الصفيح في أرجاء الوطن.

في دولة الإسبرسو ، نلعن الاحتلال في المقاهي ونحن نرسم بسحاب دخان الأرجيلة، ونتوعده بين رشفة قهوة أمريكية وأختها، ونكاد نلاحقه في محكمة الجنايات الدولية عند المس بالامتيازات الشخصية، ونختلق الأعذار للتنصل من المشاركة في أي نشاط حقوقي نقابي أو سياسي للاحتجاج على عدوانه وسياساته وسلوكه، ولا نبالي أو نواجه استمرار انتهاك حقوق الإنسان والترهل الإداري والفساد واستمرار الانقسام، ونختلق الأعذار عندما يتعلق الأمر بمصالحنا الشخصية، ناهيك عن الاستخفاف الجماعي بقوة المقاطعة الشعبية الاقتصادية لإسرائيل ورفع كلفة استمرار الاحتلال.  في دولة الاسبريسو المغناج، نرغب بمقاطعة الاحتلال ومنتجاته في المنتديات، ونمارس العكس في المتاجر، ونلعن المستوطنات ومن بناها، ونرسل أبناءنا لاستكمال تشييدها، ونتعاطى مع مقاطعة اقتصادها ومكافحة انتشار منتجاتها في أسواقنا، ونفتح فروعا لشركاتنا فيها ونستورد منها.  في دولتنا هذه، نتوق إلى قيام دولة فلسطينية، على مقاس رفاهيتنا دون الاستعداد لدفع الثمن، ونواكب جهود قيامها من على شرفاتنا ونحن نستمتع بالغروب.

إن أهدافنا الوطنية بإقامة دولة فلسطينية ذات محتوى، يتمتع الجميع فيها بالمساواة ويحظى بالكرامة في ظل قيم الديمقراطية واحترام التعددية والاحتكام إلى القانون، لا يمكن أن نحققها دون الاستعداد لدفع الثمن سلفا من رفاهيتنا، والترفع عن الصغائر في إدارة الشأن العام، ودون الانحياز التام للمصالح الوطنية بلا شروط، تتمثل أولا بالاعتراف أن مسيرة أوسلو انتهت بما يترتب على ذلك من استحقاقات سيدفعها الطرفان، وبإنهاء الانقسام المعيب فورا، والتنفيذ الأمين لمقررات المجلس المركزي، وترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة، وعقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية فورا ليقول الشعب كلمته، وصون حقوق الفرد وحق الإختلاف، وترسيخ استقلال القضاء ونظافته، وإطلاق الحريات واستعادة ثقة شبابنا وشاباتنا بالمستقبل، والاعتراف بأننا ما زلنا تحت الاحتلال، والسعي لرفع كلفة استمراره، والعمل على الانفكاك عنه بشتى الوسائل بالسلوك والممارسة اليومية، وليس كشعار موسمي أو بقرار سياسي ستذريه الرياح كسابقيه.

خلاصة القول، عندما يتعلق الأمر بقيام دولة فلسطينية، فلا يجب أن يبقى القرار حكرا على القيادة في هويتها ومحتواها وتوقيتها، فهي دولتنا ونحن مواطنوها ووقود ازدهارها، ودفع أحبتنا ثمن قيامها مقدما من أجسادهم وأعمارهم وتكسر أحلامهم.

هنا نصنع الفرق بين دولة الاسبريسو والدولة المنتظرة والذي يقاس بمقدار التضحية التي نحن على استعداد لبذلها.. والخيار لنا.

 

*  أشكر الصديق الذي أهداني فكرة وعنوان المقال.