الأحد  22 أيلول 2019
LOGO

والملوك يمرضون ويموتون أيضا!/ بقلم: د. سامر العاصي

2019-08-21 09:26:06 AM
والملوك يمرضون ويموتون أيضا!/ بقلم: د. سامر العاصي
د. سامر العاصي

كنت في صغري، أعتقد، كما كان يعتقد كل الصغار، بأن الأباطرة والملوك والرؤساء، لا يشربون ولا يأكلون ولا ينامون ولا يضحكون ولايمشون ولا يركضون "مثلنا" نحن العامة البسطاء. وقد يكون سبب ذلك، أننا تربينا وعشنا جيلا أو أجيالا، كان الحاكم فيها قد تربع على العرش قبل أن نولد بسنوات، وغادر دنيانا بعد أن غادرتها غالبية جيلنا وباقي الأجيال. ومع مرور السنين والسنوات، كبرنا وكبرت معنا الأفكار، وأصبحنا نفهم بأن الحكام، الملوك منهم والرؤساء، هم بشر مثلنا تماما، فهم يأكلون ويشربون ويضحكون ويقهقهون، يصلون ويحجون، ومنهم من كان يسكر حتى الثمالة، ومنهم من تزوج مثنى وثلاث ورباع... و6 كمان!؛ فقد تزوج ملك بريطانيا وإيرلندا الذي كان يطالب آنذاك، بعرش "المملكة الفرنسية"، الملك هنري الثامن، 6 مرات "دون تعداد العشيقات"، اللواتي أعدم اثنتين منهن وتوفيت منهما اثنتان، قضاء وقدر والله أعلم، وطلق اثنتين من زوجاته أيضا ومعهما الكنيسة الكاثوليكية، بعد أن رفض بابا روما "كليمنت السابع"، السماح له بتطليق زوجته الأولى كاثرين (الابنة الصغرى، لملوك إسبانيا، فرديناند وإيزابيلا)، ومن يومها صارت بريطانيا تتبع المذهب البروتستانتي.

ولا تزال قصة وأسباب موت هنري 8، مثار جدل بين المهتمين بأمراض وأسباب موت الملوك. فمع قرب وفاته عام 1547، أصبح وزن الملك زائدًا بشكل كبير؛ حتى بلغ محيط خصره 137 سم، ولم يعد قادرًا على الحركة بعد أن أصيب بمرض "النقرس" إلا بمساعدة الآخرين. وانتشرت على جسده البثور المتقيحة المؤلمة، وهو ما زال يزداد سمانة، حتى أن الأطباء أُصيبوا بيأس من علاجه، وقيل بأن الرجل أصيب بمرض الزهري "السفلس" ولم يؤكد ذلك، رغم أن عشرات العشيقات والنساء، لم ينقطعن عنه ليلة واحدة طيلة حياته.   أما ملك الشمس لويس الرابع عشر، الذي يعد أطول ملوك أوروبا؛ تربع على العرش "72 عاما"، فقد توفي عام 1715 بعد أن غزت "الغرغرينا" جسمه نتيجة مضاعفات مرض السكري ومضاعفات مرض النقرس الذي سمي بعدها بـ"مرض الملوك"، حتى أنه أجريت له عملية جراحية في فتحة الشرج استمرت مضاعفاتها عدة أشهر وكادت أن تفتك به. ورغم مرور 200 عام؛ إلا أن سبب موت الإمبراطور "نابليون بونابرت" في منفاه البريطاني جزيرة "سانت هيلانه"، ما زال هو الأكثر إثارة للجدل حول وفاة الملوك والأباطرة. فقد رفض الطبيب الإيطالي الخاص للإمبراطور والذي قام بتشريح الجثة؛ التوقيع على التقرير الطبي الرسمي البريطاني، من أن العاهل الفرنسي مات بسبب مرض "سرطان المعدة"، قائلا: ما شأني والتقارير الطبية الإنجليزية!.   وفي العام 1961 وضع خبير سموم سويدي نظرية تقول، إن بونابرت قُتِلَ مسموما بمادة الزرنيخ!. ومن الجدير ذكره، أن نابليون، قبل وفاته، اعترف بخطاياه أمام كاهن، رغم أنه ظل ملحدا طيلة حياته. 

ومع أن، أول رئيس أميركي، جورج واشنطن، كان يعاني من "دستة" أمراض (ملاريا، جدري، سل، دمامل، فقدان الأسنان، عقم، التهاب الرئتين واللوزتين المزمن، وقيل بأنه كان يعاني من الصرع)؛ إلا أنه تغلب على أمراضه بإنجازاته الوطنية العظيمة، وصار هو أعظم الرؤساء الأميركيين في التاريخ. أما الرئيس أبراهام لينكولن؛ فقد كان مصابا بعمى الألوان والحول والملاريا والجدري ومتلازمة مارفان والحمى القرمزية، كما كان يعاني من وجع الأسنان بشكل دائم، ومع ذلك، دخل التاريخ "كمحرر للعبيد". وفي العام 1893، أصيب الرئيس كروفر كليفلاند، (وهو الرئيس الوحيد، في التاريخ الأميركي، الذي تولى منصب الرئاسة، فترتين غير متتاليتين، عندما صار الرئيس الـ 22 عام 1885-1889، ثم انتخب رئيسا في العام 1893)؛ بورم سرطاني في فمه، وأصر الرئيس أن تجرى له عملية جراحية في فمه لاستئصال الورم الخبيث دون إعلام الصحافة أو الشعب الأميركي!. وأعار الرئيس سفينته الخاصة لأحد أصدقائه المقربين، والتي أبحرت في رحلة بحرية وصفت بأنها للراحة والاستجمام. ولم يكن أحد يعلم، أن غرفة عمليات خاصة قد تم تجهيزها، وأن طاقما طبيا، على رأسه أحد أهم جراحي الفم والأسنان، كان ينتظر صعود الرئيس لتجرى له عملية استئصال الورم الخبيث دون أن يدري أحد، ليعود بعدها "كروفر كليفلاند" إلى مكتبه البيضاوي، بعد أن أصبحت شواربه أكثر غزارة. وفي العام 1921، وبعد أن أنهى السياسي الصاعد، فرانكلين روزفلت رياضته المفضلة، السباحة، شعر بآلام شديدة في مفاصله مع ارتفاع شديد في درجة حرارته، تبين بعدها أن الرجل أصيب بمرض "الشلل الطفولي" الذي لم يكن قد اكتشف علاجه بعد، ومع ذلك، استطاع روزفلت أن يقود حزبه الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية إلى البيت الأبيض 3 مرات متتالية، وهو ما لم يحدث في تاريخ أميركا.  ومع أن جون كيندي، وصف بأنه الرئيس الشاب، والرئيس الأصغر سنا في تاريخ أميركا؛ إلا أن صحته لم تعكس ذلك بالمطلق؛ فقد كان كيندي، يعاني من "حزمة أمراض"، منها الحمى القرمزية والحصبة وتلف الركبة والتهاب الشعب الهوائية واليرقان والحصبة الألمانية والسعال الديكي والتهاب القولون وهشاشة العظام والدفتيريا والملاريا والتهاب البروستات وألم الظهر، حتى أنه كان يستعمل أحذية طبية خاصة. ومع ذلك، مات الرجل مقتولا. ويبقى العامل المشترك بين الرئيسين، جيمي كارتر وجورج بوش الابن، أن كلاهما كان مصابا بمرض "الباصور". 

ولم ينفرد البيت الأبيض وحده، بسرية أمراض سيده، بل إن السوفييت كانوا الأكثر حرصا وسرية حول صحة زعماء الكرملين. فمنذ تأسيس الدولة الشيوعية وحتى نهايتها، ظل الشيوعيون هناك يعتقدون أن فلاديمير لينين مات على سريره مطمئنا، ليتبين بعد انهيار دولته أنه كان قد تعرض مرات عدة لنزيف في المخ بعد محاولة اغتيال أقعدته عن الكلام والعمل. وقيل بأن، نبي الشيوعية، أُصيب بمرض السفلس وهو ما لم يتم تأكيده. ومنذ وفاة "ستالين" في آذار 1953، ظل العالم يعتقد أن الرجل مات بسبب تعرضه لجلطات في القلب وفي المخ!، قبل أن يكشف النقاب عن أن الرجل، قتل مسموما!. ولم تشكل أسباب وفاة بريجنف، وأندروبوف، وتشيرننكو، أي اهتمامات، لدى أي باحث غربي كان أو شرقي، بعد أن صارت صورهم على التلفاز تدلني وتدل غيري على ما تبقى لهم، في هذه الدنيا من أيام.

عندها، فهمت، أن الملوك والرؤساء والمشاهير، يأكلون ويشربون يمرضون.... ويموتون، وإن تعددت أسباب موتهم وصور جنائزهم.