الثلاثاء  12 تشرين الثاني 2019
LOGO

الحرب المجهولة / بقلم: د. سامر العاصي

"لم تشهد البشرية منذ نشأتها حربا دموية كما شهدته هذه الحرب المجنونة"

2019-08-28 09:20:58 AM
الحرب المجهولة / بقلم: د. سامر العاصي
د. سامر العاصي

 

لم تشهد البشرية منذ نشأتها، حربا دموية، ودمارا شاملا ومجازر وقبورا جماعية وضحايا بالملايين، كما شهدته هذه الحرب المجنونة قبل 70 عاما. كانت نسبة الخسائر المدنية في تلك الحرب أعلى من مثيلاتها في الحربين العالميتين، الأولى والثانية. ومع أن أرقام الضحايا المعلنة من الأطراف المتقاتلة تضاربت فيما بينها؛ إلا أن أقلها كان يحمل رقم 3 ملايين قتيل. فقد قتل نصف مليون جندي صيني، ويقال مليون أو أكثر. وقتل 600000 جندي شمالي، وقيل مليون ونصف المليون!، وقتل 400000 جندي جنوبي، ويقال مليون قتيل!، كما قتل في هذه الحرب نحو 40000 جندي أمريكي وجرح أكثر من 100 ألف!، وقتل أكثر من 17000 جندي من القوات الدولية، وقتل 127 طيارا حربيا سوفييتيا، وأكثر من 400 خبير وجندي سوفيتي. أما الأسرى، فقد عاد 70000 أسير شمالي إلى بلادهم، وطالب 8000 أسير شمالي البقاء في الجنوب، ورفض 14000 أسير صيني العودة إلى الصين بعد أن عاد 20000 أسير منهم إلى الصين. 

ومع أن الحرب استمرت 37 شهرا؛ إلا أن أي من الطرفين لم يستطع تحقيق أهدافه، وجعل "كوريا" دولة موحدة، منذ أن بسطت جيوش ستالين سيطرتها على كامل الأراضي الواقعة شمال خط عرض 38، وترك ما يقع تحت ذاك الخط من الأراضي إلى الأمريكان. والحقيقة، أن الاستعمار الياباني لكوريا، الذي استولى على شبه الجزيرة عام 1905 بعد هزيمة روسيا الإمبراطورية، كان استعمارا وحشيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فقد فتك جنودها دون رحمة بمئات الآلاف، من المواطنين الكوريين، حتى أن النساء الكوريات ظللن مستباحات حتى استسلام اليابان عام 1945.

 واتفق الطرفان الأمريكي والسوفيتي، على أنه بعد مرور 4 سنوات ستصبح كوريا دولة واحدة، إلا أن القوتين العظميين عملتا في مناطقهما على إقامة حكومات مواليات لهما. وتم تكوين لجنة مشتركة من الدولتين، تمهيدًا لإجراء انتخابات في الشطرين تؤدي  إلى دولة موحدة. ولم يلق قرار الأمم المتحدة بإجراء الانتخابات أي ترحيب من القادة الشيوعيين في الشمال، إذ أن عدد سكان الشطر الشمالي لم يكن يتجاوز 9 مليون مقارنة بأكثر من 20 مليونا في الجنوب، مما جعل القادة في الشمال يتخوفون من نتائج الانتخابات القادمة. كما أن السكان الجنوبيين عارضوا إجراء الانتخابات، ذلك لأن الأمريكان كانوا قد أعادوا جميع الموظفين اليابانيين والكوريين الذين عملوا في السلطة أثناء الفترة الاستعمارية إلى أماكن عملهم!، بعد أن كان الشعب ينظر إليهم نظرة العملاء والخونة، أضف إلى ذلك أن الإدارة الأمريكية في الجنوب، رفضت الاعتراف بالتنظيمات والأحزاب السياسية، مما أدى إلى انتفاضات واحتجاجات شعبية وعمالية قمعت بالحديد والنار، ونتج عنها قتل ما يزيد عن مائة ألف كوري جنوبي.

وفي أيار 1948، أُجريت الانتخابات في الجنوب، بعد استبدال لجنة الارتباط الأمريكية- السوفييتية، بلجنة من الأمم المتحدة، وانتخب رجل أمريكا، المعادي للشيوعية، لي سين مان، رئيسًا "لجمهورية كوريا" عرفت باسم "كوريا الجنوبية" وعاصمتها "سيؤول". وعلى الفور، أعلن الشيوعيون في الشمال، عزمهم إجراء انتخابات نتج عنها في شهر أيلول من العام نفسه، قيام دولة "كوريا الديمقراطية الشعبية"، وأصبحت "بيونج يانج" عاصمة لها، وانتخب كيم إيل سونغ رئيسًا للبلاد، ليتحوّل خط العرض 38 من خط وهمي إلى حدود شائكة بين دولتين. وفي ديسمبر من العام نفسه، سحب الاتحاد السوفيتي قواته من الشمال. وفي العام التالي، سحبت الولايات المُتحدة قواتها من الجنوب. ومع انتهاء عمليات الانسحاب، أصبح تعداد وتسلح الجيش الشمالي يفوق نظيره الجنوبي، بفضل المعونات العسكرية السوفياتية السخية!. وبدأت اشتباكات مسلحة متفرقة على الحدود بين الطرفين، نتج عنها مقتل ما يزيد عن عشرة آلاف شخص من الطرفين. وصار كل شطر يطالب بتحرير الشطر الآخر وينادي "بالوحدة"!. وبدا أن الحرب "الصغرى" سوف تتحول بين ليلة وضحاها إلى حرب "كبرى".

وفي الساعة الرابعة من فجر يوم الأحد الموافق 25 يونيو/حزيران عام 1950؛ شن الشماليون هجوما كاسحا على طول خط عرض 38. وفي غضون 3 أيام سقطت العاصمة"سيؤل" بأيدي الشيوعيين. وفي نفس اليوم اجتمع مجلس الأمن الدولي بغياب الاتحاد السوفيتي، بحجة معارضة السوفييت للمقعد الدائم الذي احتلته الصين الوطنية بدلا من الصين الشعبية، وكانت تلك هي الغلطة الديبلوماسية القاتلة التي لم يكررها الساسة السوفييت بعد ذلك. وأعلن مجلس الأمن قراره الشهير 83، الذي نص على إرسال قوات دولية لحفظ السلام والعمل على طرد الجيوش الغازية. 

واستمر الشيوعيون بالزحف جنوبا، دون مقاومة تذكر، وسط عمليات قتل وتصفيات جسدية من الطرفين المتحاربين لعشرات الآلاف من الكوريين. وسيطر الشماليون على أكثر من 90%  من أراضي الجنوب، وبدا أن توحيد الكوريتين تحت الراية الشيوعية؛ صار قاب قوسين أو أدنى. وتحركت الأساطيل الامريكية نحو ميناء "بوسان"، وهو الجيب الوحيد من الأراضي الجنوبية التي لم تستطع القوات الشمالية احتلاله. ومع أواسط شهر أيلول، استطاعت الولايات المتحدة أن تحشد أكثر من 400000 ألف جندي من 24 دولة، لتقوم بأكبر إنزال بحري عسكري  في ميناء "إنتشون" وسط شبه الجزيرة الكورية، وتعيد تحرير الأراضي المحتلة، وتبدأ بالزحف نحو أراضي الشمال. وكانت أوامر قائد الجيوش الجنرال "ماك آرثر"، هي أنه "لا يوجد بديل للنصر"، وهو ما يعني السيطرة على كامل الأراضي الشمالية، أي الاقتراب أكثر من الحدود مع الصين التي كان ماو تسي تونغ، قد اتخذ قراره التاريخي بمساعدة حليفه الكوري وامداده بالرجال، بعد أن وعده ستالين بكامل العتاد العسكري "للمتطوعين" العسكريين الصينين. واحتلت القوات الدولية كامل أراضي كوريا الشمالية، وسط تفوق جوي أمريكي كاسح، كانت الطائرات الأمريكية فيه تقوم ب 800-2000 إغارة يوميا. وحتى نهاية العام، كانت القاذفات الامريكية، قد اسقطت 15 مليون قنبلة فوق أراضي الشمال، أصابت 15% منها منشآت عسكرية، أما باقي الدمار فقد توزع على المنشآت المدنية دون تمييز.

وفي ليلة عيد الشكر الباردة، وفي غفلة من الأمريكان، عبر أكثر من 300000 "متطوع صيني"، الحدود الصينية-الكورية، وتم قتل تسعة آلاف جندي أمريكي وسط غطاء جوي سوفيتي، اشتركت فيه 12 فرقة من أحدث الطائرات السوفيتية المقاتلة، التي تم طلاؤها بأعلام كورية وصينية، كما أرسل السوفييت، دون المشاركة المباشرة، 40000 عسكري، كان من بينهم 4 فرق عسكرية مضادة للطائرات، تم إلباس جنودها ملابس الجيش الصيني، استطاعت إسقاط أكثر من 200 طائرة أمريكية. كما أن الطيارين السوفييت، نفذوا أكثر من 64000 غارة جوية، إضافة إلى 1900 اشتباك جوي، تم خلالها إسقاط 1079 طائرة أمريكية مقابل 350 طائرة ميج سوفيتية، لقي خلالها 127 طيارا سوفيتيا مصرعهم. يذكر أن الأمريكان كانوا يعلمون علم اليقين، أن الطيارين الروس هم الذين كانوا يشتبكون معهم. ومن الجدير ذكره، أن عددا من الطيارين السوفييت، الذين نجوا من اشتباكات جوية مع الأمريكان، تم قتلهم بعد هبوطهم بالمظلات على أيدي الكوريين الشماليين، للاشتباه بأنهم أمريكان. والحقيقة، أن سرعة القوات الصينية في تنفيذ ضرباتها وسرعة اختبائها في الجبال والكهوف، كانت سببًا في تقهقر القوات الأمريكية. 

وبعد أيام، استطاع الجيش الصيني وحليفه الكوري، تحرير العاصمة الشمالية وإعادة احتلال سيؤول والزحف نحو الجنوب مرة أُخرى، حتى أن "ماك آرثر" طالب القيادة السياسية بإلقاء 50 قنبلة ذرية على المدن الصينية. واستمرت المعارك الطاحنة، دون النظر إلى مئات الآلاف من قتلى الطرفين. ومع حلول شهر فبراير 1951، استطاعت القوات الأمريكية، تحرير كامل أراضي كوريا الجنوبية وإعادة القوات الصينية إلى شمال خط عرض 38. ومع أن مباحثات وقف اطلاق النار، بدأت في تموز 1951،  إلا أن الطرفين، ظلا يتقاتلان، بين كر وفر، حتى تموز من العام 1953. وبوصول الرئيس، «أيزنهاور» إلى السلطة عام 1953، وموت "ستالين" في آذار، ظهرت رغبة جادة في إنهاء الحرب، وذلك بعد أن احتوت 575 جولة من المفاوضات على أكثر من 18 مليون كلمة. وفي النهاية، وقعت الأطراف المتحاربة على اتفاق للهدنة يوم 27 من تموز 1953.

ومع أن هذه الحرب، انتهت دون غالب أو مغلوب، إلا أنها وضعت مبدأ توازن القوى بين القوتين العظميين، وبأنّ الدخول في حرب ليس بالخيار المنطقي بين هذه القوى، مهما بلغ عدد الضحايا وحجم الدمار.