الأربعاء  16 تشرين الأول 2019
LOGO

الكنداكة والثورة

2019-09-21 08:56:04 AM
الكنداكة والثورة
مظاهرات السودان

الحدث - عفاف خلف

من منا لم يتفاعل وأيقونة الثورة السودانية، من منا لم ترسخ في ذاكرته صورة المرأة السودانية بثوبها الأبيض الطويل وشال الرأس الذي لم ينحنِ  تهتف بالجموع:

الطلقة ما بتقتل

يقتل سكوت الزول

والكل يصرخ حولها ثورة.

ثلاثون عاماً من حكم البشير القمعي أتت لتطمس ما حققته المرأة السودانية عبر عمرٍ من النضال امتد لأكثر من قرنٍ من الزمن، فالمرأة السودانية كانت من السباقات في حمل راية الحرية والنضال بدءاً من الشاعرة مهيرة بنت عبود التي ألهبت الشايقية بشعرها وحملت هي وقومها على الظلم والاستبداد والقهر مروراً بفاطمة أحمد إبراهيم أول عضو برلمان منتخب في الشرق الأوسط ورئيسة الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، وليس انتهاء بأيقونة الثورة آلاء صلاح.

فليس غريباً على من اعتادت أن تتقدم الفرسان والخيول في مواكب القتال أن تتقدم التظاهرات والثورة من أجل نيل حقوقها المدنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية كذلك. لقد عمل النظام البائد بما يمثّله من إسلامٍ سياسي على وضع العديد من القوانين التمييزية ضد المرأة للحد من مشاركتها في الشأن العام، بل وصل الأمر إلى التدخل في جسدها تعريةً وغطاءً لستر عورة نظام اتخذ الدين سلاحاً، فكان قانون النظام العام سيفاً مسلطاً على رقاب النساء، ففي كل عام كان ما يزيد على أربعين ألف امرأة يتعرضن للجلد والعقوبة بالحبس أو التغريم لإخلالهن بما يُطلق عليه قانون النظام العام والمادة الشهيرة 152 والتي هو عرضة لاجتهادات وأهواء المفسرين من رجال النظام دون إطارٍ يبين ذاك القانون أو تلك المادة، لذا لم يكن بالشيء العجيب أن تتقدم المرأة السودانية الصفوف وهي المغبون الأكبر في نظامٍ اعتدى ويعتدي على أبسط حقوقها. وقد كان لنا هذه اللقاء مع واحدة من أيقونات الثورة ورائدات العمل النسائي في السودان وعضو الحزب الشيوعي السوداني خديجة الدويحي:

- هل تشعر المرأة السودانية أن دورها موصول لنضالات نساء مضت كدور الشاعرة مهيرة وماندي أجينا وفاطمة إبراهيم وكيف يمكن التأسيس على هذا الدور ومراكمته؟

نعم للمرأة السودانية تاريخ نضالي قديم ممتد منذ التاريخ القديم قبل الميلاد عُرفت النساء السودانيات كملكات وحاكمات ومحاربات عظيمات  في الممالك القديمة ومن أشهر الملكات اللاتي سطر التاريخ أسماءهن الملكة أماني شيخوا، وأماني تيرى، وشنكر خيتو، وأمتردس وغيرهن، مروراً بالرعيل الأول لرائدات العمل النسوي، فالحراك النسوي هو امتداد لنضالات سابقة بالإضافة إلى نضالات اليوم.

-  ضمن منظومة البشير القمعية والقائمة تحت ستار الدين، واجهت المرأة السودانية قمعاً وتم إيقاع عقوبة الجلد على الكثيرات، ما أثر هذا النظام القمعي على انحسار دور المرأة السودانية في التغيير؟

منذ مجئ النظام البائد عمل بشتى الطرق والوسائل من أجل إرجاع النساء إلى العصور الظلامية (حوش الحريم)، سواء كان ذلك من خلال سن القوانين والتشريعات المنتهكة لحقوق النساء أو الحد من حركتهن، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تم سن قانون الأحوال الشخصية الذي تبنى فلسفة قوامها التمييز ضد النساء، وقانون النظام العام الذي يصادر الحرية الشخصية فى ارتداء الزي الذي نريد وفرض زي وفقا لوجهة نظر المشرع (حوكمت عشرات النساء بهذا القانون بمختلف العقوبات منها الجلد والسجن والغرامة)، علماً أن هذا القانون من القوانين والتشريعات التي تتنافى مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية وتصادر معظم حقوق النساء. عدا ذلك فقد تم وضع اللوائح المتعسفة التي تحد من حركة النساء، وتبني خطاب ديني سلفي معادي للنساء في وسائل الإعلام المختلفة، مما زاد من معاناة النساء في مجالات الحياة المختلفة. ولكن كان هنالك الكثيرات من ذوات العزيمة والإرادة تقدمن الصفوف ووقفن في وجه النظام الجائر. وطيلة الثلاثين عاما الماضية لم تكل أو تفتر عزيمتهن.

- تداولت وكالات الأنباء ومواقع التواصل الاجتماعي العديد من قضايا الاعتداءات على النساء سواء كان ذلك لفظياً أو جسدياً أو حتى بالاعتقال، هل أثر ذلك على مشاركة المرأة في الثورة؟ 

طيلة الثلاثين عاما الماضية من حكم النظام البائد تعرضت النساء إلى اعتداءات وانتهاكات على مختلف المستويات مما جعل كثير من الأسر تفرض رقابة على بناتها والحد من حركتهن للمشاركة في العمل السياسي خوفا من أن يتعرضن لأي مكروه. فمنذ بداية ثورة ديسمبر التي اندلعت شرارتها في مدينة الدمازين بولاية النيل الأزرق؛ استخدمت السلطات كافة أساليب القمع للحد من التظاهرات وكان للنساء نصيب وافر من القمع الوحشي بمختلف أشكاله، سواء كان ذلك بالضرب أو الاعتقال والتعذيب داخل المعتقلات، أو التهديد واستخدام العنف اللفظي من ألفاظ نابية وبذيئة أو حتى الاعتداء الجسدي الذي وصل حد الاغتصاب في يوم فض الاعتصام بهدف تخويف وإرجاع النساء والفتيات إلى مربع الحرملك وتقييد ثورتهن ولكنهن كن أقوى من كل أشكال الوحشية والقمع.

أتذكر عندما تم اعتقالي للمرة الثانية يوم 13 يناير من مدينة بحرى، تحرك الموكب تمام الساعة الواحدة وما كدنا نسير بضع خطوات حتى أحاطت بنا قوات الشرطة وأطلقت علينا الغاز المسيل للدموع بكثافة، احتمينا لحظتها بأحد المنازل وقد كان عددنا كبيراً، مكثنا قرابة النصف ساعة داخل المنزل وحين أردنا الخروج  ثانيةً للشارع سمعنا صوت إطلاق رصاص وقنابل غاز وإذا بنا نفاجأ أن الرصاص انطلق من داخل المنزل وليس من الشارع وقد تهشم زجاج شباك الغرفة التي كنا فيها وقد كان في الغرفة حينها أكثر من 12 شابة. سمعنا بعدها أصوات الأقدام وصيحات القوات تعالوا لحظتها أدركنا أنهم داهموا المنزل الذي احتمينا به، وقد سمعنا صراخ أحدهم في وجه صاحبة المنزل التي آوتنا  فقمنا بإغلاق باب الغرفة وقد قام أحد الشبان الذين كانوا معنا بالوقوف خلف الباب لإحكام قفله.

داهموا المنزل وقاموا بتفتيش جميع الغرف وقد وقع نظر أحدهم على فتحة في باب الغرفة كشفتنا وحينها صرخ بأعلى صوته:

- تعالن طالعات (عاهرات).

 وفتح الباب بقوة. خرجنا وقد كان عددهم يفوق العشرة رجال يلبسون لثاما ويحملون بنادق وعصي وقد أوسعونا ضرباً. أتذكر أن أحدهم قام بصفعي على خدي الأيسر وكان يصرخ فيّ:

-  شيوعية صح!

وقد قام بضربي بكعب البندقية (الدبشك) في كتفي الأيسر، أمرونا بالجلوس في باحة المنزل (الحوش)، كانت الشمس في كبد السماء لحظتها وقد قاموا بضربنا ونعتنا بأسوأ النعوت والألفاظ (شرا… عاهرات .. عديمات الوالي.. مطلوقات). وبعدها أمرونا بالخروج من المنزل وقد اصطف عدد منهم ليشكلوا ممراً وكل واحد منهم يحمل عصا وما إن خرجنا حتى انهالوا ضرباً علينا بالعصي على طول الممر، بعدها تم رفعنا في التاتشرات مع تواصل الإساءات والاهانة إلى أن وصلنا إلى مكانٍ ما أن فتحوا أبوابه صاح كل من بداخله: غنائم.. غنائم ..

مكثنا لساعات على الأرض ووجوهنا إلى الحائط، مع الاستجواب المستمر. بعد ساعات طويلة تم التحقيق معنا لماذا خرجنا وماذا نريد، وبعد انتهاء التحقيق أخذوا صورا لنا مع بصمات الأصابع (فيش ) وقد اختلفوا فيما بينهم بأن يتم ترحلينا إلى مبانى موقف شندى (مبانى تتبع للجهاز الأمن بها مكاتب تحقيق ومعتقلات ) أو الإبقاء علينا لفترة من أجل ترهيبنا، فاقترح أحدهم أن يتم استدعاء أولياء أمورنا لكي يطلقوا سراحنا حينها أعادوا لنا الهواتف التي صادروها منا لحظة الاعتقال كي نتصل بأسرنا وقد أخذوها منا مرة أخرى. طوال فترة الاعتقال لم يكفوا ولا ثانية عن تهديدنا بالسجن إذا خرجنا مرة ثانية وأن العقوبة قد تصل إلى خمس سنوات وربما أكثر. وكلها كانت محاولات للإرهاب والتخويف، وحين أتت أسرنا وأولياء أمورنا طلبوا منهم التوقيع على تعهد أن لا نخرج مرة ثانية للتظاهر!

أذكر بعد أن حضر عمي لاستلامي من داخل المعتقل وكانت أختي تنتظرني في الخارج أنهما أخذاني إلى المستشفى لسوء حالتي الصحية حينها، فقد تحولت من الضرب إلى كتلة من الرضوض والكدمات ألزمتني الفراش لمدةٍ غير قصيرة من الزمن وقد سبب لي الضرب مشاكل في فقرات الظهر. ولكن ورغم كل ما حدث إلا أنني ازددتُ قوةَ وعزيمةً لأعمل مع رفيقاتي من أجل الحرية والسلام والعدالة.

خلال الفترة من ديسمبر وحتى منتصف مارس فاق عدد النساء المعتقلات داخل زنازين النظام المائة وستون امرأة واجهن فيها مختلف أشكال التعذيب، كإجبارهن على الجلوس في أماكن باردة جدا في معتقلات تسمى (الثلاجات)، الوقوف لمدةٍ طويلة، التهديد بالاغتصاب خصوصا للشابات وقد حدثت الكثير من التحرشات لنساءٍ قبض عليهن في الموكب من نساء يعملن في الأمن سواء باللمس في أماكن حساسة أو استخدام إيحاءات جنسية أو الاعتداء عليهن بالألفاظ البذيئة. وبالرغم من كل ذلك لم تقف النساء السودانيات كمتفرجات في مسرح الثورة بل كانت لديهن العزيمة والإرادة الصلبة من أجل إسقاط النظام، وعملن على مقاومة الظلم والقهر بشتى الطرق حتى لو اضطررن للخروج دون علم ذويهن.

أعرف الكثير من النساء والفتيات اللاتي خرجن للمواكب "المظاهرات" وشاركن في العمل الثوري دون علم أسرهن مما جعل بعض الأسر تتحول من معارضة خروج بناتهن إلى أسر داعمة لهن وداعمة للثورة.

لم يقتصر دور النساء على الخروج للمواكب بل كان لهن أدوار مختلفة منها  التجهيز للمواكب (تحضير الكمامات، البخاخات ، الوجبات ، المياه ....الخ) ، جمع التبرعات (عينية، مادية) حماية المتظاهرين/المتظاهرات بإيوائهم/ إيوائهن داخل البيوت وتوفير الأمان لهم/ن. وقد تقدمت النساء الصفوف في المواكب وتصدين لقوات الكجر(الدرك) وكتائب الظل (كتائب جهادية تتبع للنظام البائد)، وقمن بإرجاع الغاز المسيل للدموع لقوات الدرك (الشابة رفقة ولقبت بصائدة البمبان)، إسعاف الجرحى والمصابين/المصابات في المواكب، رسم خرائط المواكب، وكانت زغرودة بداية انطلاق المظاهرات "الموكب" التى تطلقها أحدى النساء أو الفتيات في تمام الساعة الواحدة كإشارة لتنبيه الجميع أن الموكب قد بدأ وعليهم الاصطفاف والتحرك، المشاركة في لجان المقاومة.

بعد يوم 6 أبريل الموكب الذي توجه إلى القيادة العامة (قيادة الجيش) وبعد وصول المواكب من كافة المدن، قرر الثوار والثائرات الاعتصام حتى سقوط النظام. وقد اعتصموا قرابة الشهرين وقد لعبت النساء الدور الأكبر والأعظم من خلال العمل داخل ميدان الاعتصام سواء كان ذلك بالمشاركة في تجهيز العيادات الطبية (إسعاف الجرحى والمصابين)، رسم اللوحات والجداريات، تنظيم المخاطبات والندوات والمحاضرات التوعوية، فتح فصول لتعليم الأطفال المشردين، والعديد من المبادرات التي هدفت إلى بناء الوطن.

في صبيحة 3 يونيو يوم المجزرة المشؤوم، يوم فض الاعتصام تعرضت النساء لكافة أشكال العنف والتعذيب النفسي، البدني والجنسي فقد تم اغتصاب العديد من الفتيات وواحدة من الشابات اللاتي تم اغتصابهن انتحرت خوفا من الوصمة الاجتماعية ونتيجة للنظرة المجتمعية السالبة للمغتصبة ومعاملتها كمجرمة لا كضحية!

ورغم كل ذلك ما زالت مشاركة النساء مستمرة في كافة المجالات والمستويات ويقدمن المبادرات لمساعدة أسر المفقودين والشهداء والجرحى والمصابين، وتقديم العون النفسي لضحايا مجزرة الاعتصام، والمشاركة في حملات "ح نبنيهو/ ح نبنيها "  والتي تهدف إلى إعادة بناء وإعمار السودان في القرى والمدن.

- غالباً ما تكون المرأة في الثورة في الصفوف الخلفية، في الثورة السودانية وجدنا المرأة تتقدم الصفوف وتلهب الجماهير فما هو سقف طموح المرأة الثائرة وسقفها في التمثيل السياسي؟ 

تقدم النساء السودانيات جاء نتيجة للمعاناة التي واجهنها طيلة حكم النظام البائد مما جعل النساء قائدات للحراك لكي يسقط النظام الذي عمل جاهداً  لمصادرة حريتهن وإذلالهن وانتهاك كرامتهن .

سقفنا كنسويات مشاركة وليست تمثيل فنحن شريكات فاعلات ولسن تابعات وقد شاركنا في كل مراحل الثورة وبمختلف الطرق، لذلك لا نقبل إلا بالمشاركة بالمناصفة وهي حق لنا. وشعارنا كنسويات: حقنا كامل وما بنجامل.

-  عملية تغيير النظام هي عملية طويلة - نسبياً - فهل استطاعت المرأة السودانية ومن خلال الثورة فرز ممثليها وحاملي قضاياها؟

كما ذكرت عملية تغيير النظام أو التغيير بصورة عامة هي عملية طويلة وتحتاج إلى وقت خصوصا فيما يتعلق بحقوق النساء وقضاياهن، المرأة السودانية كانت في مقدمة الصفوف في الثورة ولكن بعد سقوط النظام تم إقصاؤهن إقصاءً واضحاً ابتداء من مشاركة النساء في التفاوض وفي تنسيقية قوى الحرية والتغيير والمجلس السيادي وترشحيها للوزارات... الخ ) كل ذلك يوضح أن العقلية الذكورية هي المتحكمة في اتخاذ القرار وأن إقصاء النساء شيء ممنهج ومدعوم بالموروثات الثقافية والاجتماعية والدينية وليس بالصدفة مما ساعد في اتضاح صورة من الذي يدعمنا ويحمل قضايانا ..

- أين تجد المرأة السودانية نفسها في الثورة؟

المرأة السودانية شريكة في الثورة وصانعة للتغيير، وكلنا كنساء نعمل من أجل تحقيق شعارات الثورة: الحرية… السلام… العدالة، وهمنا أن نعيش في دولة تحترم إنسانيتنا وتحفظ كرامتنا.

-  ممثلو المرأة في التغيير وضمن النظام السياسي المأمول، وكيف لها تثبيت دعائم دورها الثوري ليطال النظام السياسي الجديد؟ 

علينا كنساء سودانيات العمل بجد واجتهاد من أجل تثبيت حقوقنا على المستوى (السياسي-الاجتماعي-الثقافي –الاقتصادي)، وأن يتم تضمين كافة الحقوق في الدستور والقوانين والتشريعات وأن تقوم على أساس المواطنة. وأن تكون القوانين  حساسة تجاه النوع الاجتماعي، أيضاً الضغط من أجل التوقيع على اتفاقية سيداو.

-   هل تشعرن ومع صعود نساء إلى مراكز قيادية أن التغيير سيكون من ضمن الأجندة السياسية القادمة للحكومة؟

ليس فقط بصعود وزيرات وإنما بالمشاركة الحقيقية للنساء في كافة مستويات الحكم. إضافة إلى إشراك النساء في  كل خطوات عملية السلام، فالسودان كدولة عانت من الحروب والنزاعات لسنوات طويلة، ففي المرحلة الحالية من أهم أولوياتنا تحقيق السلام لننعم بالحرية والديمقراطية. وتحقيق السلام يحتاج إلى مجهود كبير، وعالمياً النساء هن صانعات السلام والتغيير.

-  بالإضافة إلى آفاق التغيير، السودان كدولة في مرحلة الانتقال هنالك كثير من آفاق التغيير:

أولها دعم رئيس الوزراء لقضايا النساء وإيمانه بأهمية مشاركة المرأة.

يجب أن نعمل سويا من أجل تحقيق تغيير حقيقي. والأهم تحفيز وعي المواطنين/المواطنات بأهمية التغيير.