الأحد  15 كانون الأول 2019
LOGO

إمبراطور… لمرتين!/ بقلم: د. سامر العاصي

2019-09-25 09:56:27 AM
إمبراطور… لمرتين!/ بقلم: د. سامر العاصي
د. سامر العاصي

في الحادي والثلاثين من آذار 1814، كان الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت، يراقب من قصره في فونتينبلو البعيدة 50 كم عن باريس؛ دخول القوات الروسية والنمساوية عاصمة إمبراطوريته، التي سيعلن أُفولها بعد أيام. وفي الثاني من نيسان، أعلن البرلمان الفرنسي عزل الإمبراطور ودعوة "آل البوربون" للعودة إلى الملكية. وبعد يومين فقط وقع نابليون وثيقة تنازله عن العرش لابنه الوحيد "نابليون الثاني"، منهيا بذلك العهد الأول من إمبراطوريته، التي أعلنها في كنيسة النوتردام يوم 2/12/1804، عندما أخذ الرجل التاج من يد البابا بيوس السابع، الذي حضر خصيصا من روما لتتويج الجنرال، حتى أن الموسيقار "بيتهوفن" رفض إهداء نابليون سيمفونيته "الثالثة التي طالما حلم بها الجنرال.

واجتمع المنتصرون يوم 11 نيسان، وأعلنوا رفضهم القاطع لوثيقة التنازل، كما أعلنوا بأن العرش الفرنسي سيعود لأصحابه من أُسرة البوربون، وأُستدعي لويس 18 ليكون ملكا على الفرنسيين، الذين تذوقوا طعم المجد والانتصارات والدم طيلة عهد الإمبراطورية البونابرتية. وفي تلك الليلة، في باريس، خرجت زوجة العاهل المهزوم ماري لويز ابنة ملك النمسا مع ابنها، قاصدة فيينا، عندما تجرع الإمبراطور المعزول السم محاولا الانتحار، إلا أن رجاله استطاعوا إنقاذه بشق الأنفس. واختار المنتصرون جزيرة إلبا الصغيرة الجرداء الواقعة بالقرب من الشواطئ الفرنسية على البحر المتوسط، مكانا ينفى إليه العاهل الفرنسي، رغم معارضة الإنجليز، الذين أرادوا منذ البداية نفي بونابرت الى غياهب المحيط الأطلسي في جزيرة سانت هيلانه، بعيدا عن شمس الأراضي الفرنسية.

وفي الثالث من أيار من العام 1814، وصلت إلى جزيرة "إلبا" سفينة حربية بريطانية، تحمل على متنها العاهل الفرنسي وحاشيته. واستقبل الرجل هناك استقبال الفاتحين، وليس المهزومين، بعد أن خرج كل سكان الجزيرة للسلام عليه، وأطلقت المدفعية 101 طلقة تحية للمنفيّ الكبير. ومن الجدير ذكره، أن لويس 18، كان قد عاد إلى باريس في نفس اليوم وسط استقبال من بعض الباريسيين، الذين استبشروا خيرا بعودة الملكية، بعد أن أهلكتهم الحروب الثورية والفتوحات، حتى إن الصحافة الباريسية أطلقت لقب الغول على نابليون.

ولم تمض، إلا أشهر قليلة، حتى أحس الفرنسيون بذل الاحتلال ووضيعة الأسرة الملكية الحاكمة، وصار الشعب الفرنسي يهمس باشتياق وفخر إلى سنوات الإمبراطورية وإلى بونابرت نفسه. وكان رجال نابليون منتشرين في كل الأحياء والمدن الفرنسية، ينقلون إلى العاهل نبض الشارع الفرنسي الذي أصبح لا يخفي مشاعر عدائه تجاه تصرفات أمراء البوربون وسوء معاملتهم لأبطال الجيش الإمبراطوري. وأيقن المنفي الكبير أن الوقت قد حان لاستعادة فرنسا كرامتها واستعادته العرش الذي أُجبر على التنازل عنه. وفي مساء يوم 26 شباط 1815، ركب بونابرت ومعه 400 من ضباطه وجنوده، السفينة "انكستان"، ترافقه سفينتان صغيرتان تقلان 400 جندي، باتجاه الشاطئ الفرنسي. 

وهكذا وبعد 10 أشهر من النفي وصل بونابرت إلى الشاطئ الفرنسي عند خليج جوان، مبتدءا مسيرته إلى العاصمة، وسط حماس الجنود الذين صرخوا: باريس… أو الموت!.

وفي طريقه إلى باريس، ظلت الجموع تنضم إليه طواعية، وسط صراخ: فليحيا الإمبراطور!، فليحيا الإمبراطور!. ومع اقتراب وصول نابليون إلى باريس؛ هرب لويس 18  ومعه أسرته، وبدأت أوروبا تحشد جيوشها، للقضاء على الرجل الذي صار إمبراطورا للمرة الثانية. وأعلنت الحرب على فرنسا. واستطاع نابليون أن يجند 120 ألف مقاتل، في الوقت الذي كان تعداد الجيوش البريطانية والبروسية فقط، قد وصل إلى 250 ألف جندي. والتقى الطرفان يوم 18 حزيران 1815، على الأراضي البلجيكية، عند قرية تدعى واترلو، لتشهد تلك القرية الصغيرة أعظم المعارك الحربية في التاريخ. 

وكان من الممكن، أن ينتصر بونابرت في هذه المعركة المصيرية، لو أن مارشالات جيوشه، نفذوا خطط قائدهم العسكرية، كما شرحها، ورسمها لهم. وهكذا، أصبح مصير الجنرال نابليون بونابرت، بعد أن جرد من لقب "الإمبراطور"، هو النفي، إلى تلك الجزيرة الصماء، ليقضي بقية حياته هناك، دون أمل، أن يصبح، "إمبراطورا"... للمرة الثالثة.