الإثنين  14 تشرين الأول 2019
LOGO

العقلانية النقدية عند كارل بوبر: قراءة في كتاب روني بوفريس

تعليق: سعيد بوخليط

2019-09-27 08:08:04 PM
 العقلانية النقدية عند كارل بوبر: قراءة في كتاب روني بوفريس
كارل بوبر

 (1/3)                                

  -   بوبر/ باشلار:

 مثَّل بوبر إنجليزيا وعلى الجانب الآخر من أوربا؛ الثورة ذاتها التي توخى باشلار على امتداد أكثر من ثلاثين سنة تكريس لبناتها وفي حقول معرفية إنسانية متعددة. أشير هنا خصوصا إلى القسمين الكبيرين: الرياضيات والأدب. لكن عقلا موسوعيا كما الشأن مع باشلار، أدرك كيفية تأليف المتعدد بمنطقه الذي انزاح عميقا بالاستعارات من ترميزات رياضية وتمارين لغوية، إلى افتتان بالوجود ثم تشكلات الموجود.

* أي شيء يجمع بين كارل بوبر وغاستون باشلار؟

1 – نحت الاثنان مساحات كبيرة وعميقة وجديدة من التفكير الإنساني فترة القرن العشرين. صحيح أن أطروحاتهما أصبحت اليوم مجرد "أرشيف" لهذا التفكير قياسا لتطورات العلوم الحالية؛ لكن خلال لحظتها مثلت ثورة معرفية ومفهومية ومنهجية نوعية، كما أن اجتهاداتهما الفلسفية/العلمية، شكلت رافدا لا محيد عنه لاستيعاب المنظومة الابستمولوجية المعاصرة.

 2 – دفاع بوبر وباشلار، المستميت عن البناء المستمر والدائم للحقيقة:

- مبدأ التكذيب عند بوبر.

 - فلسفة النفي مع باشلار . 

وإدخالهما الخطأ إلى قلب التفكير العلمي، على اعتبار أولويته التأسيسية مثل"الصحيح" تماما، لقد رسما فعلا ذلك، ثورة بالمفهوم الكوبرنيكي؛ وخلقا منافذ شتى أمام اجتهادات التفكير الإنساني. مما أرسى إطارا نظريا معرفيا ومفاهيميا لحقول البحث الجديدة التي جاءت بها النظريات الفيزيائية والرياضية في القرن العشرين.

3 – لعبت النظرية الإبستمولوجية سواء مع بوبر أو باشلار، دورا كبيرا في توضيح وتبسيط بعض التطورات العلمية كما الشأن بالنسبة لنظرية النسبية وكذا فيزياء الكوانتوم. أفق استعصى على الكثيرين نظرا للتعقيد النظري والمفهومي، وكذا البناء الهندسي الغريب كليا لتلك النظريات.

4 – تأكيد باشلار وبوبر على القيمة المعرفية والتاريخية لانفتاح الحقيقة العلمية. سياق مختلف غيَّر مسار تاريخ العلم، مؤسسا لديكارتية جديدة قادرة على الانصات لحيثيات هذا الواقع الجديد؛ فقد أعطى ذلك انعطافة جديدة لطبيعة المساحة التأملية التي يمكن أن تأخذها علاقة النظرية بالواقع. تراجعت نحو الخلف كل قاعدة مطلقة أو بداهة واضحة بذاتها.

ظل الاعتقاد راسخا، انطلاقا من ثوابت المنطق الأرسطي بأن ( أ = أ ) وكون الحقيقة تطابق الواقع؛ لأن العلم يقين مطلق، لكن نظرية بوبر وباشلار، وقد استندت أساسا على منطق ارتيابي متعدد الأبعاد، جاءت تعبيرا عن منظور الاحتمال والممكن الذي انتهى إليه تاريخ العلم.

5 - دافع بوبر وباشلار غاية آخر يوم في حياتهما عن المجتمع المنفتح المؤمن بقيم التعدد والاختلاف. بالتالي، رفضهما لكل أشكال الدوجماطيقية والتوتاليتارية، التي تقود إلى أسوأ المؤسسات الاجتماعية؛ وأوليغارشيات سياسية تحكم الشعوب والمجتمع بالحديد والنار.

مجتمع يعانق مطلقا قيم الحداثة والاختلاف، ويدافع عن المدرسة خاصة لأنها الفضاء الذي يثري الأفكار بالحياة. وحدها الأخيرة، تصنع تاريخا للمجتمع.

في هذا الإطار، اشتغل بوبر على كتابين أساسيين:

* عقم المذهب التاريخي.

*المجتمع المنفتح وأعداؤه.

بالتالي، أمضى صراحة بيانا ضد أعداء الحياة، كما أن مفاهيمه الإبستمولوجية، وخاصة تأطيره النظري لقابلية التكذيب والتفنيد؛ ستشكل حاجزا وسدا منيعا أمام كل تأويل يتوخى بشكل من الأشكال إعطاء مبرر معرفي أو أيديولوجي لأية نظرية تتوخى الشمولية والتسيد المطلق.

صحيح أن باشلار من جهته، لم يصدر عملا يظهر مباشرة شحنة أيديولوجية سجالية؛ بيد أن مشروعه العلمي والأدبي، سواء على مستوى العلم والشعر؛ استند ضمنيا على قوة خلفية معرفية، تمثلت في الإيمان ب: النفي والتجاوز المستمرين.

6- تذكرنا الموسوعية التي ميزت فكر بوبر وباشلار، بالنظام المعرفي إبان القرن الثامن عشر، كما أن مفاهيمهما خلقت تفكيرا جديدا في علاقة الذات بالعالم والآخر. وبالتأكيد، فقد شهدت معارف القرن العشرين ثورة على مستوى النظرية والمنهج وكذا المفهوم.    

خلال إحدى مراسلاتي فيما مضى مع الباحثة الأمريكية " تيريزا كاستيلاو- لاولس"(1)؛ أخبرتني بأنها تفكر وتحدث الملامح الأولى لمشروع بحث أكاديمي؛ يتعلق موضوعه بممكنات الاتصال والانفصال بين باشلار وبوبر تقول: ((أما المقارنة بين غاستون باشلار وكارل بوبر فهو مشروع إجازتي نصف السنوية (شتاء 2005). من اللازم إذن، قراءة كل أعمال بوبر مسألة تتطلب الوقت. لحسن الحظ، كتب أغلب أعماله بالإنجليزية، بالتالي غير مطروح بالنسبة إلي مسألة الترجمات غير الدقيقة لعمله، المداخلة التي ألقيتها بـ "فيينا" بمناسبة مئوية ولادة كارل بوبر، شكلت تحليلا مقارنا بين بعض المواقف اللاوضعية. المظهر الأكثر قوة لهذا التماثل أن"التخمين" لدى بوبر يشبه دور الاستقراء في العلم بالنسبة لغاستون باشلار. لقد ابتدأ الاشتغال باكتشافي لعرض أنجزه باشلار سنة 1936 بعد  صدور كتاب بوبر "منطق الاكتشاف العلمي" سنة 1934 بألمانيا. وأعتقد بأن باشلار لم يدرك النقطة الأكثر دقة لهذا العمل، ونظرا خطأ إلى بوبر كنموذج للوضعية. في الواقع، أعلن بوبر منذ المقدمة بأنه يبتغي كليا إسقاط الوضعية المنطقية )).

أعجبتني الفكرة كثيرا، خاصة وأن اسم بوبر ظل يثير دائما مشاعر خاصة نحوه. منذ أواسط سنوات التسعينات، عندما صادفت نسخة من كتابه: منطق الاكتشاف العلمي، بين رفوف خزانة المركز الثقافي الفرنسي بمراكش؛ فكرت أنا كذلك في جعله "ضيفا" على باشلار.

وبينما أنا بصدد تجميع متن بوبر؛ صادفت كتاب روني بوفريس الصادر حديثا آنذاك. توخيت بداية إنجاز مقاربة تلخيصية تعريفية للعمل كإصدار جديد، لكن بين طيات ذلك تبين لي أن كتاب: العقلانية النقدية عند كارل بوبر ثم السيرة العلمية لصاحبته، ينطويان على قيمة معرفية كبير، .لذلك، من الأمانة العلمية والتاريخية إن صح هذا التأكيد إعادة كتابته باللغة العربية نظرا لي: 

*اشتغلت روني بوفريس، من بين أشياء أخرى، على كارل بوبر، وترجمت له بعض أعماله من الإنجليزية إلى الفرنسية، لاسيما سيرته الذاتية. كما أن بوبر نفـسه أوكل لها مراجعة الترجمة الفرنسية لعمله الذائع الصيت بؤس التاريخانية.

*اعتبرت روني بوفريس عملها هذا تقديما عاما لمعجم بوبر المفهومي، ساعية بذلك إلى جرد ألفبائي للمصطلحات والمفاهيم التي وظفها بوبر قصد صياغة مشروعه. لقد رصدت وفق تعريفات سريعة لكنها دقيقة وعميقة؛ أهم المفاهيم سواء تلك التي نحتها بوبر أو توخى في إطارها، على العكس من ذلك، مناقشة أصحابها وإبداء رأيه حولها: العقلانية النقدية/ التحقق/ المعرفة الموضوعية /المحتوى/ النظريات العلمية / تحديد /الديمقراطية / المجتمع المنفتح/ مقولة الأساس/ قابلية التكذيب/ قابلية التزييف والتفنيد/ الرائزية /التاريخانية / العقل و اللغة / اللاوعي/ الاستقراء / الوسائلية /الليبرالية / الماركسية/ الميتافيزيقا / العوالم الثلاث / المجتمع المنغلق /الوضعية/ القابلية / النسبية / الكليانية والطوباوية / التوتاليتارية...

خطاطة مفهومية تعكس البرنامج النظري والمنهجي الذي خطه بوبر لنفسه، وقد توزع بين: منهجية العلوم، فلسفة المعرفة العامة، البيولوجيا، علم النفس، العلوم الاجتماعية، تأويلات الفيزياء الحديثة، تاريخ الفلسفة، فلسفة الأخلاق والسياسة، نظرية العلوم الاجتماعية.

أرضية فكرية وعريضة يتجادل ضمنها مع: أفلاطون وسقراط وهيغل وماركس وفتجنشتاين وهيوم وكانط ...إلخ. منحازا أو مختلفا، لكن بمعنى يتجاوز حدي منطق الميتافيزيقا الغربية الثنائي القيمة: صادق أو كاذب، ولا يوجد احتمال ثالث. لأن بوبر يؤكد نصيب الحقيقة من الخطأ؛ السمة الفكرية التي تهمه أكثر من اليقين والاعتقاد المطلقين.

هكذا ظل بوبر رافضا باستمرار لكل أنواع الطوباويات والإطارات الشمولية المنغلقة، بل والأفكار الرومانسية المنتهية حتما إلى العقيدة الجامدة و الدوجماطيقية؛ لأنها تستند بدءا وانتهاء على المرجعية الأحادية.

 لم يكن من باب الصدفة إذن أن يخرج بوبر آخر أعماله تحت عنوان مثير: أسطورة الإطار، في دفاع عن العلم والعقلانية. يقول بوبر في تأويل لما أشرت إليه: (( وعلى الرغم من أنني معجب بالتقاليد وعلى وعي بأهميتها؛ فإنني في الوقت ذاته أكاد أكون مناصرا أصوليا للا-أصولية: إنني أستمسك بأن الأصولية هي الأجل المحتوم للمعرفة، ما دام نمو المعرفة يعتمد بالكلية على وجود الاختلاف، وكما نسلم جميعا، الاختلاف في الرأي قد يؤدي إلى النزاع بل وإلى العنف. وأرى أن هذا أمر بالغ السوء حقا، لأنني أستفظع العنف، غير أن الاختلاف في الرأي قد يؤدي أيضا إلى النقاش وإلى الحجة وإلى النقد المتبادل. وإني أرى هذه الأمور ذات أهمية قصوى، وأزعم أن أوسع خطوة نحو عالم أفضل وأكثر أمنا وسلاما، قد قطعت حين وجدت حروب السيف والرمح لأول مرة من يضطلع بها، وفيما بعد حين حلت محلها في بعض الأحيان حرب الكلمات))(2).

ولكي يتم تسليط الضوء بقوة على الأفق المتطور لهذا الفكر الإنساني في جوهره؛ أسرعت بوفريس غير ممتثلة لترتيبها الألفبائي نحو الصفة التي عشق بوبر أن يسم بها اجتهاداته الفكرية والمنهجية. أقصد تصنيف: العقلانية النقدية .

فما هي إذن أبرز ملامح وتجليات هذه الفلسفة؟ ثم  كيف عملت بوفريس على توظيف ذلك حين مقاربتها مشروع بوبر؟ لا شك، أن الإجابة عن بعض هذه الأسئلة تخول من جهة أخرى إثارة انتباه القارئ نحو أهم أطروحات هذا العمل، قد وصله أيضا بالسياق الإبستمولوجي والمفهومي للترجمة التي أنجزتُها لكتاب: العقلانية النقدية عند كارل بوبر.

ظل بوبر يرفض الماهوية التي يعتقد بأن أصولها النظرية ترتبط أساسا بفكر أرسطو، مستبعدا في سياق ذلك النقاشات والجدالات الفلسفية الساعية إلى توجيه الأسئلة وكذا إيجاد الأجوبة انطلاقا من بحث: "لماذا"؟ داعيا في المقابل إلى تحليل القضية انطلاقا مما سماه ب: أوضاع القضية.

لقد تأسست العقلانية ضدا على الاعتباطية، تتوخى تفسير الوقائع بأن تجد لها تعليلات عبر التدليل بالبراهين والحجج؛ مما يحتم إيجاد أرضية أساس تشكل هذا اليقين الذي يمكن من إقامة ثابت لمعرفتنا.

بهذا الخصوص، تقاسم اتجاهان تاريخ المعرفة:

- الاتجاه العقلاني الذي ارتبط بتيار فكري امتد من أفلاطون إلى ديكارت.

- الاتجاه التجريبي وقد راهن على معطيات الحواس واستلهام التجربة كأساس لصياغة المعرفة الأولى.

غير أن التصورين معا، تعرضا للإخفاق ووصلا الباب المسدود؛ فلا شك أن أكثر الأفكار انسجاما ووضوحا وبساطة وبداهة تظهر غالبا خاطئة ما إن نتوخى التأثير في العالم. أيضا، تبقى التجربة وحتى عبر سلسلة لانهائية، عاجزة عن إدراك الحقائق العامة التي قد تشكل أساسا لمعرفتنا.

يصعب إذن، بالمطلق الدفاع عن وجهة النظر التجريبية أو العقلانية، الأمر الذي يعطي معه حيزا أكبر لمختلف الاتجاهات اللاعقلانية والتيارات الشكية، التي تجزم بعدم إمكانية البرهنة على كون معرفتنا حقيقية وتدرك الواقع.

وضعية يائسة بالتأكيد! لذا يجب الإقرار بما يلي:

-  لا يمكن مطلقا تجنب الخطأ، فلا يوجد أساس يقيني لمعرفتنا.          

-  حينما نقر بالخطأ، يمكننا البرهنة عليه.

يقوم المبدأ الأساسي لعقلانية بوبر على التصور التالي:

يجب أن نضع موضع اختبار جل أفكارنا، فلا يمكن تأكيد قيمة إقرارها إلا بعد البرهنة عليها. التجربة سبيلنا نحو ذلك، وسواء كان الاختبار إيجابا أو سلبا؛ تستفيد الذات بكيفية مزدوجة وتكتسب الرهان في الحالتين: ((إذا تم دحض نظريتي، فإن عدد النظريات التي ما زالت قائمة قد تقلص. أما إذا صمدت أمام هذا الدحض، فإنني أكتسبها بنوع من الصلابة )) (3).

تتجلى أساسا إجرائية النظرية وقوتها في قابليتها للتكذيب والدحض وليس العكس؛ أي صمودها أمام التجربة كما ظل الاعتقاد سائدا، لذا فإن العقلانية النقدية تشير حتما إلى ضرورة التملص من النظريات اليقينية الاعتقادية، ونراهن أساسا على النظريات الجريئة والغنية أي تلك القابلة للتزييف والتكذيب.

يمثل التفنيد والدحض، معطى إيجابيا للنظرية يكسبها مناعة أكثر، حينما يتم تأكيدها تجريبيا للمرة الثانية. لذلك، عندما تكتسب الذات معرفة انطلاقا من دحضها أولا؛ فإن ذلك يقوم عندها بنوع من القوة والتماسك.

لا يجب بتاتا الإيمان بالثبات المطلق لنظرية ما. تؤكد العقلانية النقدية، بأن النظرية تظل مجرد فرضية، ولو اجتازت مجموعة من الاختبارات بنجاح، فاليقين جهل وموت. أبرز مثال في هذا الإطار، الثورة التي حققتها نسبية أينشتاين في علاقتها بالعلــم النيوتوني، وكيف أبرزت ما يمكن تسميته بـ إبستمولوجيا الخطأ.

على ضوء ذلك، أكد بوبر قابلية العلوم التجريبية للخطأ، ناظرا إليها ك دوكسا doxa. استنادا على التمييز الأفلاطوني بين الإبيستيمي والدوكسا. نظرا لواقعية وحقيقة الخطاب مع الأول، ثم التباسه وتقلبه ارتباطا بالثاني.

لا يمتلك العلم الحقيقة، بل يسعى إليها من خلال ديناميتها في بحث دائم عن نمو هذه الحقيقة وتطورها. تطور يأخذ خطا لا نهائيا، ما دام يستلهم بشكل دائم المنهجية والرؤية النقديتين. توقف هذه الحقيقة، لا يعني أنها قد أدركت المطلق، لكن ذلك يفسر بأن قضيتها أصبحت بلا معنى. وحينما يخرج هذا العلم إلى العالم، نظرا لكونه جزءا من الكون وتحولاته، فعليه التخلص من كل تعامل حتمي مغلق مع هذا العالم.

حققت المنهجية السالبة لعقلانية بوبر قطيعة كبرى مع الفهم المألوف والمعتاد لما يصطلح عليه بالعقلانية وفق التصور الكلاسيكي؛ بحيث مثلت وجها كليا للدوجماطيقية حينما ننطلق من مبدأ جوهري، نتوخى به أساسا ويقينا ثابتين ثم نستبعد كل شيء لم يتم تأكيد حقيقته.

 اعتبر الخطأ مع الكلاسيكيين سواء كانوا عقلانيين أو تجريبيين، بمثابة زلة؛ لأن صاحبه أخفق في الإمساك بهذا المصدر الأساسي والخالص للمعرفة، بداهة الحدس عند العقلانيين ومعطيات الحواس لدى دعاة التجربة، إنها سلطة الواحدية في نهاية المطاف.

لذلك سعى فكر بوبر، إلى التخلص من مرجعية كتلك، بإيجاده الأسس الإبستمولوجية لعقلانية جديدة غير سلطوية تتميز بتعدديتها وانفتاحها؛ لأنها نقدية أساسا. تتقاطع تماما مع العقلانية الدوجماطيقية الزائفة:

-   تسلم هذه العقلانية الجديدة بالخطأ كمصدر للحقيقة، في المقابل لا تمنح أي امتياز للحواس أو الحدس أو جعلهما مصدرين للمعرفة.

-   لا يمكن البحث عن يقين، في حين نحتاج إلى معيار لاختبار وتمييز النظريات.

-   لا ينبغي النظر إلى الخطأ باعتباره صخبا، الخطأ شيء طبيعي يصعب تجنبه.

-   يؤدي حتما الدفاع عن الحوار والإقرار به وتخصيب وجهات النظر إلى تأسيس معرفة صحيحة.

-   تنطبق العقلانية النقدية على كل المبادئ وتستلهم منهجيتها مختلف التخصصات: العلوم الإنسانية وعلوم الطبيعة، مؤمنة بجدلية التحقق وارتكاب الخطأ، لكنها تتقدم وتتطور باكتشافها لأخطائها.

إذن يحدد بعقلانيته النقدية مجموع الفلسفة التي يتوخى الاشتغال عليها، أي الفلسفة السياسية وفلسفة العلوم، مع الإقرار بجهلنا وقابليتنا للخطأ.

تعتقد بوفريس بأن الأصل الفكري لمنهجية بوبر، يمتد تاريخيا إلى الفيلسوف اليوناني سقراط. ويتحقق تاريخيا في ارتباط أنطولوجي بحتمية "المجتمع المنفتح"؛ حيث تحل الأفكار محل العنف.

لا شك أن منهجية بوبر التزيفية، حالت بينه وكذا توظيف "الاستراتيجيات المحصنة"، من بينها مثلا فرضيات "لهذا الغرض"Ad hoc"، داعيا إلى استبعادها. فرضيات يتم توظيفها؛ للإجابة على قضية خاصة، لكن قد يحدث الالتجاء إلى فرضيات مساعدة، شريطة أن تكون قابلة للاختبار والتجربة.

 ماهي خصوصية التزييف عند بوبر مقارنة مع معيار التحقق عند حلقة فيينا. هل المفهوم ذاته من الناحية الإبستمولوجية؟

يعتبر معيار التحقق عند حلقة فيينا معيار دلالة، هكذا ميزت الحلقة بين علم يشترط المعنى ثم الميتافيزيقا التي تشبه قضاياها" "رطانة ".

التزييف عند بوبر غير وضعي ولا تحققي،  لذلك لم يتردد في إظهار استيائه حينما تُرجم كتابه: بؤس التاريخانية إلى الفرنسية، نظرا لترجمة مفهومه" رائز" بـ "اختبار " .

تستند كل مهمة لفلسفة العلوم، على محاربة وتجاوز مختلف أشكال الدوغماطيقا، وبالتالي السعي إلى معالجة الإشكال الكانطي: كيف يمكننا تمييز الخطاب العلمي عن آخر شبه علمي؟ هل نستلهم الاستقراء باعتباره منهجية العلوم التجريبية في تقابل مع تنظيرات الميتافيزيقا والاستنباط الرياضي. لكن ما أظهره بوبر: ((أن كل هؤلاء الذين يجعلون من المسار الاستقرائي مفتاح المنهجية العلمية غير قادرين على إعطاء معيار للعلم التجريبي، وبالتالي من اللازم اقتراح شيء آخر )) (4).

يركز هذا المجهود التصنيفي على بعض القضايا شبه العلمية والتي تتوخى العلمية. إذا أمكننا الإشارة سابقا إلى حقول مثل: علم التنجيم والخيمياء والميتافيزيقا؛ ففي عصرنا الحديث بوسعنا الحديث عن التحليل النفسي والماركسية، باعتبارهما أنظمة تأويلية قوية تبحث دائما فيما وراء السلوكات الفردية أو الاجتماعية عن شبكة من التفسيرات المضمرة، تتمظهر أنظمتها الرمزية سواء من خلال الذات الفردية أو المجموعة الاجتماعية.

ينظر بوبر إلى العلم، حسب رؤية تطورية تقوم على مبدأ الدحض، لذلك ينفي صفة العلمية عن الأنساق التي لا تتطور وتأخذ سياقا دوغماطيقيا .     

فهل يعتبر معيار التحقق فاصلا أساسيا لتأكيد علمية الماركسية والتحليل النفسي أم لا؟ فقد أكدت مجموعة من الوقائع صحة كثير من تأويلاتها، إضافة إلى أن أخذ مفهوم التحقق مطلقا، يقصي تعسفيا مجموعة نتائج قابلة للاحتمال. ماذا يمكن أن نقول مثلا عن النظرية أينشتاين التي لا تحيل سوى لاثنين أو ثلاثة " تحققات " واضحة! لذلك من الضروري فقط تكذيب العبارة العلمية وليس التحقق منها .

 بناء على هذا المبدأ، يفصل بوبر بين العلم الواقعي والأنساق التأويلية؛ فهذه الأخيرة غير قابلة للدحض لأنها لا تستبعد أية واقعة محتملة، كما أن التأويلات الماركسية وكذا تلك التي جاء بها التحليل النفسي؛ تنضبط وتتكيف حسب مختلف الحالات! وضع يستحيل معه إيجاد براهين  قادرة على إبطال نتائج هذين المبحثين: (( ما إن تفتحون أعينكم عليها، حتى تلاحظون أمثلة تؤكدها في كل مكان)) (5) .

لكن وانسجاما مع ثوابت العقلانية النقدية؛ فإن عدم قابلية تلك الأنساق للدحض، لا تعني قوتها وتماسكها بقدر ماتكشف حقيقة عن ضعفها ووهنها: (( توخي أقصى ربح يؤدي في واقع الأمر إلى خسران كل شيء.. إن نظرية لا تسعى إلى المجازفة نحو الفشل لا يمكنها النجاح مطلقا))(6).

كلما توخى التحليل النفسي تأكيد علميته، جاعلا نظرياته فوق كل دحض وتفنيد (متوهما بذلك العلمية)، إلا ووضع ضمنيا نظامه خارج العلم حسب معيار التحديد عند بوبر. يكمن البعد الذي يمنح نظرية قيمة تأكيدها العلمي، في قدرة صاحبها المنهجية على أن يقدم مند البداية الشروط التي تسمح بتزييف وتكذيب نظريته؛ أي المجازفة بالغلط: (( المثال النموذجي الذي يتعارض مع موقف المفسرين الماركسيين وكذا المحللين النفسانيين يحيل على أينشتاين، وقد اعتمدت كل نظريته عن النسبية العامة على تجربة واحدة منذ كسوف ماي 1919 ))(7). لقد تعارضت نظرية أينشتاين مع بعض النتائج المحتملة للملاحظة.

يلزم العلم أن يثير ويستفز ويجازف، وليس المطلوب منه اقتفاء مسالك للأمان والائتمان. وكل نظرية لا يتأتى لها ذلك أو لا تعطي لنفسها إمكانية من هذا القبيل؛ تتحول بالتأكيد إلى عقيدة جامدة وتقترب من الدين وتقطع كليا مع العلم.

يؤاخذ بوبر- مع جزمه كذلك بأن قسما كبيرا مما قاله فرويد  وأدلر، وملاحظاتهما المهمة التي بوسعها لعب دورا كبيرا في صياغة علم سيكولوجي قابل للاختبار – على التحليل النفسي: (( الخاصية الدائرية لأغلب التبريرات النفسانية ونزوعها إلى أن تصير واقعا لذاتها)) (8). ذلك أن التفسيرات السيكولوجية، تنزع غالبا إلى الاستناد على تطبيقاتها السالفة، ومن ثمة تعميمها للتأكيدات والحقائق. أيضا، قد نتوهم علمية التحليل النفسي نظرا لاستنادها على ملاحظات إكلينيكية، لكننا ننسى أنها ملاحظات تظل بدورها: (( تأويلات على ضوء نظريات)) (9).

يدافع بوبر عن موضوعية المعرفة، مسألة قد تفهم من خلال منحيين:

1-    الوجود الفعلي والواقعي للعالم؛ بحيث يتكلم العلم عن عالم واقعي موجود أساسا.

2-   تنفصل المعرفة عن الذات.

تتبلور تصورات كتلك، ضد التأويلات الذاتية للفيزياء المعاصرة، منطق حكمها لفترة طويلة. تتأتى المعرفة الذاتية من هذه العلاقة السلبية المنقادة وراء أشياء العالم. إنه الاعتقاد الذي قامت عليه الأطروحات المفهومية للإبستيمولوجيات التجريبية، في حين يؤكد الاتجاه العقلاني على أن المعرفة بناء ذهني.

يميز بوبر بين المعرفة الذاتية والموضوعية؛ تتأتى الأولى من موقف سلبي أولي بالأشياء نتيجة: "اعتقاداتنا وانتظاراتنا ثم استعداداتنا للتأثير". بينما تقوم المعرفة الموضوعية على نظريات مرتبطة بعلاقات محض منطقية، تشكلت لسانيا.

كذلك يرفض بوبر مسألة الرهان على اليقين، مهما بلغت قوته، بخصوص إمكانية إثباته مقولة معينة. يقول بشكل جازم: (( لا أؤمن بالاعتقاد )) (10) .

والأساسي أن يخضع رجل العلم نظريته على ضوء معايير عقلانية وانتقاد النظريات التي تمت صياغتها موضوعيا، لذلك: ((فالاستقرائي الذي يؤمن بالتراكم السلبي للملاحظات، لا يمكنه إلا الخلط بين الموضوعي والذاتي، ثم المسار العلمي والاعتقادات الإحيائية)) (11).

توظيف بوبر لمفاهيم الذاتي والموضوعي تجعله قريبا من كانط؛ لأن المعرفة الموضوعية عنده تعني تلك المعرفة التي يمكن تبليغها إلى كل العقول، أي التأكيد لحقيقة الحكم، وتكون كذلك مقبولة بين الذوات، إلا أن مبدأ التزييف البوبري يفصله عن الكانطية.

يستحيل حسب بوبر، الحديث عن تجرد مطلق لرجل العلم عن الأحكام والتعميمات الجاهزة والقبلية؛ فالتحيز العاطفي والوجداني لا مناص منه. فقط الاشتغال الجماعي على المنهجية النقدية، يعطي إمكانية للانفلات والتخلص من هذا النزوع الفردي والسيكولوجي لظاهرة العلم.

انتقلت بوفريس بعد ذلك إلى حديث بوبر عن نمو النظرية العلمية وماهية محتواها المنطقي! يؤكد الفيلسوف من جديد قائلا: ((ليست هناك إلا طريقة واحدة بغية تقديم دلائل عقلانية لصالح اقتراحات، .تحليل نتائجها المنطقية: إظهار خصوبتها ومدى قدرتها على توضيح نظرية المعرفــة)) (12). يتجلى المحتوى المنطقي لنظرية ما في: (( صنف كل نتائجها اللاحشوية )) (13)، ومشيرا إلى ما سماه بالمحتوى الإخباري لنظرية ما، تلك النظرية التي تستبعد حالة أشياء ممكنة، وتكون أقل احتمالا، لذلك فهي إخبارية.

 

هوامش:

Renée Bouveresse :le rationalisme critique de karl popper ;ellipses ;2000.

1- أستاذة في جامعة ميشيغان، تدرِّس فلسفة العلوم وتاريخ العلم والابستيمولوجيا والاتيقا والعلم والدين .انظر تقديمها لكتابي: غاستون باشلار.. نحو أفق للحلم (2006).

2- كارل بوبر: أسطورة الاطار: في دفاع عن العلم والعقلانية. ترجمة يمنى طريف الخولي. سلسلة عالم المعرفة. أبريل- مايو 2003 .

3-Renée Bouveresse ; ibid page 7 

 4- -نفسه ص 12

5-  نفسه  ص 13

6- نفسه ص 14

7- نفسه ص 14

8- نفسه ص 15

9- نفسه ص 16

10- نفسه ص 18

11- نفسه ص 18

12- نفسه ص 20

13- نفسه ص 21

                            http://saidboukhlet.com