الثلاثاء  12 تشرين الثاني 2019
LOGO

المنفي… مرتين!/ بقلم: د. سامر العاصي

2019-10-02 10:00:22 AM
المنفي… مرتين!/ بقلم: د. سامر العاصي
د. سامر العاصي

 

ما إن انتهت، معركة واترلو في حزيران 1815، حتى تم تحديد مصير فرنسا، ومصير إمبراطورها نابليون بونابرت، وذلك بنفيه إلى ظلمات المحيط الأطلسي، بعيدا عن أوروبا، في جزيرة "القديسة هيلانة"، التي تقع في منتصف المسافة (4 آلاف كيلومتر) بين البرازيل وسواحل أفريقيا الغربية. وأعلن البرلمان الفرنسي، خلع الإمبراطور عن عرشه للمرة الثانية يوم 22 حزيران. ومع أن نابليون أعلن تنازله، عن العرش لابنه الصغير نابليون الثاني يوم 24 حزيران؛ إلا أن مجلس النواب أصر على إعادة أُسرة البوربون إلى قصر الإليزيه. 

وتوجه وفد برلماني إلى الإليزيه، يطلب من الجنرال بونابرت إخلاء القصر والخروج من العاصمة. واختار المخلوع الذهاب إلى قصر الماليزون الذي يبعد 20 كم غرب باريس، كان الرجل قد اشتراه لزوجته الأولى جوزفين عام 1799. ومع اقتراب الجيوش الغازية، توجه بونابرت ومعه حاشيته إلى ميناء روشفورت على المحيط الأطلسي، قاصدا السفر والعيش في الولايات المتحدة الأميركية التي كانت قد تأسست قبل 39 عاما. الغريب، أن سكان روشفورت وسكان القرى هناك، خرجوا يوم 3 تموز عن بكرة أبيهم لاستقبال الإمبراطور المهزوم والمخلوع.

وما إن دخلت القوات الغازية باريس يوم 29 حزيران؛ حتى قام رئيس الحكومة الفرنسية المؤقتة جوزيف فوشيه بتحذير البريطانيين بأن عودة نابليون ستجعل الوضع في فرنسا،وأوروبا أكثر خطورة، محذرا من مخاطر هروب الرجل عن طريق البحر. وأعلن قائد الجيوش البروسية المارشال بلوخر، نيته إلقاء القبض على الإمبراطور حيا أو ميتا. وفي 8 تموز، وصل بونابرت ومعه حاشيته إلى جزيرة اكس، المقابلة لشاطئ روشفورت، ومنها، ركب العاهل الفرنسي البحر، على متن الفرطاقة العسكرية، ساله، ترافقه الفرطاقة، ميدوس، متوجها إلى الولايات المتحدة الأميركية. وما إن ابتعدت الفرطاقتان قليلا عن الجزيرة، حتى اعترضتهم السفن الحربية البريطانية، وفي مقدمتهم السفينة بليروفون، التي كانت تحاصر الموانئ الفرنسية هناك. وأشار مرافقو الإمبراطور أن عليه الاختباء في أحد البراميل، أو في أحد الأقبية السرية في السفينة، ورفض الإمبراطور العرض بشدة، قائلا:-

  • إن اختبائي في قبو أو في قصر هو إهانة لكل الفرنسيين. 

وعرض قائد الفرطاقة، مديوس، مهاجمة السفينة بليروفون، كي تستطيع الفرطاقة الأخرى الإفلات من الحصار والخروج إلى عرض البحر لمتابعة سيرها الى أميركا. ورفض قبطان الفرطاقة الثانية الخطة. واضطر العاهل الفرنسي للرجوع إلى جزيرة اكس بعد أن أرسل، إلى قبطانها، فريردريك ميتلاند، طلبا رسميا يطلب فيه اللجوء السياسي من الحكومة البريطانية. وكان القبطان، قد تلقى أصلا، أمرا من لندن بتأخير العاهل ما استطاع من وقت ريثما يتم البت في أمره، حتى وإن استدعى الأمر اعتقاله. وفي 15 تموز استسلم بونابرت لعدوه البريطاني، بعد أن صعد بنفسه إلى ظهر السفينة، بليروفون، حيث استقبله قبطانها وبحارتها بكل مراسم الترحيب، والإجلال.

وفي 24 تموز، وصلت البليروفون إلى ميناء بليموث على الساحل الجنوبي البريطاني. وانتشر خبر وجود العاهل الفرنسي على متن السفينة في المدن البريطانية. ومع أن عدو بريطانيا رقم 1 لم تطأ قدماه أرض الجزيرة الإنجليزية؛ إلا أن عشرات الآلاف من البريطانيين تهافتوا نحو السفينة لتحية الرجل الذي لم يسمح له بمغادرتها. وأحاطت عشرات السفن الصغيرة الممتلئة بالمواطنين، بالسفينة الحربية، ملوحة بأياديها له ومطأطأة برؤوسها تحية للإمبراطور الذي طالما أخضع أباطرة وملوك أوروبا تحت إمرته. واضطرت البحرية البريطانية إلى إطلاق قذائفها الحية لإخافة الجماهير التي ظلت تأتي في الليل والنهار لإلقاء نظرة على "الإمبراطور الأسطورة".

وبدأ العديد من أعضاء البرلمان ينادون بضرورة السماح لنابليون في العيش في إنجلترا. وأصبح من الواضح جدا، أن الحكومة البريطانية، لن تسمح بإقامة هذا اللاجئ السياسي فوق أراضي جزيرتها الكبيرة. ومع آخر أيام شهر تموز تم إبلاغ بونابرت بقرار الحكومة البريطانية بنفيه حتى الموت، إلى أصغر جزر مستعمراتها، التي تسمى سانت هيلانة. وفي السابع من آب 1815، نقل العاهل الفرنسي إلى السفينة، نورث امبريلاند، التي أقلته إلى منفاه الثاني والأخير في تلك الجزيرة الصماء.