الجمعة  22 تشرين الثاني 2019
LOGO

بعد اليوم الثالث/ بقلم د. ايناس عباد العيسى

2019-10-15 12:50:09 PM
بعد اليوم الثالث/ بقلم د. ايناس عباد العيسى
مرح العيساوي


 

انتهت أيام العزاء وكان اليوم الثالث، ولعل هناك حكمة من أن تكون أيام العزاء ثلاثاً، فالرقم 3 يعتبر عدداً مقدساً عند الساميين عموماً، فقد اعتبروا أن الكون مؤلف من ثلاثة السماء والأرض والبحار. ولعل الموت كذلك، فاليوم الأول أنت معلق في السماء ثم تهوي إلى الأرض وفي الثالث تغرق في بحار أفكارك وذكرياتك مع الذين رحلوا.

دخلت قاعة العزاء وأذهلتني تلك الروح الجالسة في استقبال المعزين، وكأنها جبل كنعان في القوة والصبر. عايدة عيساوي صديقة وزميلة مواقف، أعرفها منذ فترة كافية لأقول أنها المرأة ذات الصوت العالي في الحق والشخصية القيادية في العمل، فلا تخل مناسبة وطنية أو مقدسية خاصة إلا وتجدها بين الحاضرين، اليوم رأيتها أكثر من ذلك كله، رأيت فيها الأم الإنسانة.

عاشت مرح في عائلة أحبت العمل الخيري، فالأم ناشطة مجتمعية ووجه مقدسي معروف، وكذلك الأب "هاني" هادئ في غير برود، إذا تحدث أوجز... متسامح في غير استهانة، رجل قليل الكلام، عندما التقيته لأعزيه قال الكثير الكثير دون أن ينطق بكلمة.

 جلست بجوار عايدة وتحدثنا عن فرح، ولادتها وأحلامها.... قالت "لا أريد أن تذهب مرح بلا جدوى"... أريدها أن تكون "رسالة"... أريد لصوت غيابها أن يصل... أريد لضياعها أن يصنع فرقاً.......

ولدت مرح في الربيع "14 نيسان 1999" كانت اخر دفعة توجيهي لمواليد القرن العشرين، الذين اكملوا عامهم العشرين هذا العام.....هل كانت تعرف مرح أن ابن رشد ولد في نفس التاريخ من العام 1126، وأن هذا الشهر هو شهر اللغة والدين والحب، فجورجيا تحتفل في هذا اليوم بعيد اللغة الجورجية، وهو ذات اليوم لميلاد ديانة السيخ شمال الهند.

استطرقت الأم تقول، كانت لها أحلاما كثيرة أرادت تحقيقها، فهي تدرس القانون في جامعة بيرزيت في السنة الثالة، ولديها الكثير من المشاريع والامنيات والخطط المستقبلية.....ولمحت دمعة في عيونها أبت أن تسقط.  وتابعت بقوة وتماسك، لقد كانت الطفلة الحلم بالنسبة لي، لم أصدق أنني رزقت بها... كانت أمنيتي كأم.... كانت لعبتي.... كانت هدية السماء لي... ولعل الله أحبها أكثر، فأخذها إليه.

قالت الام قصة ابنتها بصدق وعفوية، وبتلقائية الحزين الذي لا يريد صراعاً مع أحد. وأردفت لا أريد إلا أن تكون مرح "رسالة" وأرضى بذلك، أريدها رسالة لوزارة الصحة أن الإنسان هو أغلى ما نملك فحافظوا عليه.....

تلك كانت رسالة الأم،  ليس لدينا ما نملكه على هذه الأرض سوى أبنائنا، هم ثمرة حياتنا وعماد مستقبلنا، والاستثمار الحقيقي لأي دولة هو في تربية الجيل وصحتهم... وأين نحن من ذلك؟

قبل ثلاث سنوات كنت في مستشفى حكومي في احدى المدن الفلسطينية، ووجدت حملة تنظيف غير مسبوقة هناك، وعندما سألت أخبروني أن نسيبة أحد المهمين في المستشفى، وسيأتي لزيارتها اليوم، ولذلك لا بد من تنظيفه (المشفى طبعاً)، وبعدها بفترة قصيرة تموت سيدة في مشفى آخر في نفس المدينة نتيجة تشخيص خطأ وإبرة خطأ وتصل إلى مستشفى هداسا جثة...

وقبل اسابيع إسراء غريب تدخل مشفى وتخرج منه، بقصة أغرب من قصص الجن والأساطير. وما بين هذه القصة وتلك قصص اأرى كثيرة، عن الإهمال والتسيب الطبي في الوزارة.... وما أشبه الليلة بالبارحة، فتاة بعمر الورد، تغادرنا لأنها تبرعت بدمها؟؟ لأنها بذلت؟؟ لأنها أعطت؟! الأهل لا يتهمون أحداً بأنه السبب، ولا يؤكدون إلا على مقولة أن رواية مدير عام الخدمات الطبية المساندة بوزارة الصحة لم تكن دقيقة ولا بمستوى الحدث. ولو سلمنا جدلاً برواية وزارة الصحة وأن مرح كانت  مصابة قبل تبرعها بالدم فتلك مصيبة أكبر؟!

ماذا لو لم يتصل الأخ ليعلمهم أن الدم المتبرع به كان ملوثاً؟! ما هو السيناريو القادم؟؟؟ لأين كانت ستصل عينة الدم؟؟؟ هل كانت ستصل لأم وضعت طفلها الرابع ونزفت كثيرا؟؟؟ أو لشاب اصيب في أحداث المسجد الأقصى؟؟ أو فلسطيني آخر يخضع لجراحة ويتمنى له الجميع الشفاء لأن وراءه عائلة وزوجة وأطفال ليعتني بهم؟! هل تصبح المشافي مكاناً للموت لا للشفاء؟؟

إلى أين كانت ستصل تلك العينة؟! أين ثقتنا ببنك الدم بعد اليوم؟! ووزارة الصحة؟؟؟إلى أين؟ وإلى متى؟ إلى متى الاستهتار بأرواحنا، هم يأخذون أولادهم للعلاج في فرنسا وألمانيا، ونحن يموت أبنائنا بسبب أخطاء طبية، ماذا ستقول معالي الوزير السيدة كيلة لو كانت مرح هي ابنة شخصية اعتبارية في رام الله؟؟؟ هل كانت ستعتذر؟؟ أم ستذهب بوفد لأداء واجب العزاء؟؟ أو ربما ستعقد مؤتمرا صحفياً وتعلن استقالتها قبل إقالتها؟؟؟؟ وإن قال أحدكم "هو كل ما موظف غلط بدنا نطالب الوزير يستقيل" معك حق المفروض ما نطالبه بالاستقالة، المفروض أن يكون حسيساً ويستقيل لوحده. كان الأجدى بالوزيرة أن تفعل ذلك بعد هذا الكم من الأحداث المرتبطة بالمشافي والموت الذي يخطف أبنائنا وأهلنا بدلاً من علاجهم.

لو ما حدث كان في دولة اوروبية تحترم الانسان لكانت استقالة وزير الصحة وكل من له علاقة بالموضوع أول ما سمعنا عنه، أتبعها التحقيقات والتحريات لمعرفة ما حدث، ولتم التواصل مع أهالي الضحية ومواساتهم، ولكن لم يحصل أي من ذلك...

في بلاد الغرب الذي يحترم الإنسان، ويعتبره أغلى ما يملك، لأخطاء أبسط وأقل من ذلك يتنحى المسوؤل معرباً عن خطأه وبأنه كان أقل من المنصب الموكل إليه. فالوزير البريطاني اللورد مايكل بيتس، يعرب عن خجلة ويقدم استقالته علناً، لتأخره عن حضور جلسة استفسارات في مجلس اللوردات...

كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. مشكلتنا أن كل مسؤول لدينا يعتقد أن عمله (منصب تشريفي)، لو نظر كل منهم إلى منصبه على أنه تكليف لفكر ألف مرة بما يعنيه هذا التكليف، وعمل بمقتضاه....

مرح رسالة حية إلى وزارة الصحة