الخميس  21 تشرين الثاني 2019
LOGO

رجال الدين بين الأمس واليوم| بقلم: زياد البرغوثي

من التسامح والهداية إلى التعصب والوصاية

2019-10-24 11:24:44 PM
رجال الدين بين الأمس واليوم| بقلم: زياد البرغوثي
زياد البرغوثي

قضيت الطفولة والمراهقة في بيت يعيش على إيقاع الانفتاح والثقافة والأخلاقيات، وبعيداً كل البعد عن التعصب والغيبيات.

قديماً...

كان للعائلة جار صديق، قاض شرعي أزهري، غالباً ما يزورنا في أوقات المساء للمجاملة أو المعايدات، يزورنا بعمامته وعباءته، وبوجه وقلب يبعثان في النفس السكينة والطمأنينة وبعض من الروحانيات.

نتبادل معه أطراف الحديث في أمور الدنيا والدين، والتربية والسلوكيات، وقليل من المواعظ، وكثير من الثقافة والأدبيات… يأسرنا بكلامه ويشدنا بتواضعه وأخلاقه، ويبهرنا بنظافة وترتيب هندامه، كان رجل دين ودنيا، صاحب رسالة مجتمعية أخلاقية قبل أن تكون دينية، أو وكالة ربانية.

كانت مفرداته دعوة للمحبة والتسامح والتجديد، بعيدة عن لغة الترهيب والترغيب والوعيد...

نقش هذا الجار الطيب لوحة في نفوسنا أن الدين والدنيا وجهان للحقيقة، لا يستقيم أحدهما دون الآخر.

أقول كلامي هذا اليوم وأنا أستذكر قصة صديق لي من قطاع غزة، كان له قريب يعيش معه في ألمانيا أيّام الدراسة، هذا القريب عاش حياته تحت شعار المجتمعات الغربية، (الدين لله والوطن والحرية للجميع).

بعد أوسلو وبعد غياب طويل، جاء هذا القريب إلى زيارة الأهل في قطاع غزة، وما كان من صاحبنا إلا الذهاب إلى القطاع بعد أسبوع للسلام على رفيق الصبا، فوجده متوجهاً إلى الجامع يحمل بيده سُبحة وقد أطلق لحيته ولبس الطاقية والدشداشة البيضاء...

فسأله الصديق: شو صاير فيك شو عامل بحالك؟

أجابه قائلاً: ما بدّي وجع رأس في هذه الإجازة

شكله بس عندكم في الله

وهناك ما في عندهم الله

ما أريد قوله..

إن مجتمعاتنا لن تنهض اليوم، بعد أن تحول رجالات دين عندنا من رجال دين يحملون رسالة تسامح مجتمعية وأخلاقية إلى رجال دين يحملون وكالات ربانية وفتاوى سلطانية.

أفتقد اليوم جارنا الطيب رجل التسامح والتعددية...