الثلاثاء  28 كانون الثاني 2020
LOGO

فيلم "حارس الذاكرة" البحث مقابل الرواية

​وطن وحده رائحة النعناع والشوق

2019-12-09 09:16:39 PM
فيلم

الحدث – توفيق العيسى 

 حارس الذاكرة، عنوان فيلم للمخرجة سوسن قاعود، عرض في قاعة المسرح البلدي في رام الله، من إنتاج الجزيرة / وثائقي وبحضور أبطال الفيلم.

للوهلة الأولى والتي تكشف هدف الفيلم، يعطي العنوان مشهدا لرجل كهل يحفظ سيرة جمعية وفردية، وجاء الفيلم ليرويها. إلا أن المفاجأة، أن حارس الذاكرة هذه المرة، شاب لم يعش تفاصيل ما سيروي، وهو كغيره ممن قرأوا وسمعوا عن النكبة الفلسطينية، طارق البكري صاحب مبادرة في القدس تعنى بلم شمل عائلات فلسطينية فيما بينها وموطنها الأصلي، ويسلط الفيلم الضوء على هذه المبادرة عبر تصوير حكائي لفلسطينيين من أجيال ومن بقاع مختلفة، جلبهم البكري ليلتقوا وطنهم عبر الذاكرة التي اكتسبوها من أبائهم وأجدادهم في المنفى.

وأوضح الفيلم مبادرة البكري، التي تعتمد البحث عن صور لبيوت قديمة والتواصل مع أصحابها وإظهارها بصورة جديدة توضح ما قبل النكبة وما بعدها بأجيال جديدة وصورة جديدة.

وطن التراب والنعناع

يبدأ الفيلم بالحاجة حليمة، السيدة الفلسطينية المسنة من مخيم الجلزون، تنحدر من بلدة بيت نبالا المحتلة، اشتهرت هذه السيدة قبل سنوات عبر صفحات التواصل الاجتماعي، حين زارت قريتها لأول مرة "بيت نبالا" حلم حققه لها القاص والكاتب زياد خداش، وطارق البكري عبر مبادرته.

هذا الفيلم الذي بالكاد يخلو من أسئلة، رسم صورا للمأساة والذاكرة، عبر حركة أبطاله، وتعبيرهم العفوي عن شوقهم، فكانت تجاعيد السنين في يدي ووجه الحاجة حليمة وحركتها البطيئة وصوتها شاهدة استطاعت كاميرا المخرجة نقل شهادتها كما هي ودون تدخل.

شوق الحاجة حليمة لبلدها، يتمثل في حبها لشم رائحة ترابها، هذا التراب الذي لم تمل من جمعه وحفظه في " قواوير" زرع في الجلزون لتزرع به النعناع وتقدم شايها لضيوفها بطعم التراب المسروق، وهي كما قال عنها القاص زياد خداش في نهاية الفيلم: "وحدت الوطن وفلسطين كلها بالنعناع".

عرس في عكا

إذا كانت الحاجة حليمة تختزن في ذاكرتها البلاد، فإن أبطالا آخرين في الفيلم لم تتشكل ذاكرتهم هنا على أرض الوطن، إلا أنها جاءت بلهفة وحسرة من عاش فيها وتشرد، لتنتقل الذاكرة والحسرة والشوق عبر الأجيال كما اللغة. زينة الفتاة التي ولدت في مخيم للاجئين في لبنان وبعدها انتقلت عائلتها إلى كندا، جاءت لتعقد قرانها على زوجها من جديد، وهذه المرة بتفاصيل فلسطينية، وأمام بحر عكا.

لا نستطيع الجزم إن كان تصرفا عفويا أم لا في الفيلم، فالواضح إصرار زينة المسبق على ارتداء ثوب جدتها وأمها، التي تمنت أن تلبسه في يوم زفافها في عكا.

فإذا كانت الحاجة حليمة أخذت معها التراب لتشبع مما بقي من الذاكرة، فإن زينة جلبت معها عرسا، لذاكرة ستستمر.

الطريق ذاكرة أيضا

لا شك أن المخرجة استطاعت التقاط هذه اللحظات المؤثرة وغيرها، عبر تصوير عاطفي للمشاهد وردود الأفعال، فإذا كان هدف الفيلم هو الذاكرة الفلسطينية، فصحيح أنها عبرت عن ذلك ولكن بجزء يسير، فالذاكرة لا توثق بالعاطفة فقط، بقدر ما توثق بالحكاية ذاتها التي كانت غائبة، وحضر بدلا عنها شذرات من ذاكرة تقول كنا هنا، فقد جاء العرض للذاكرة عرضا تقليديا إن اكتنفته المشاعر فقد غابت عنه الحكاية الجديدة أو المميزة، بحبكة تجمع تفاصيل ما حدث.

وإذا كان ما قلناه ينطبق على الذاكرة فيما سبق ذكره، فإن الذاكرة الحديثة كان لا بد من حضورها أيضا، فذاكرة المشاهد والذي سليعب لا شعوريا دور الزائر، في اكتشافه للبلاد، فقد ظهرت فلسطين خالية، والطريق إلى عكا وغيرها كأنه سهل، ليست بحاجة إلى أكثر من سيارة بلوحة صفراء، لتعبر أينما شئت، دون حاجز أو جند، هنا نعتقد أنه كان على المخرجة أن توثق أو تصور الطريق واستحالته على الكثيرين، الأمر الذي يوضح جزءا آخر من الحكاية والذاكرة الجديدة. كما غاب عن المشهد الطرف الآخر، سبب المأساة، فقد حضر البيت الذي تحول إلى مدرسة إسرائيلية، لكن دون حضور الواقع الاحتلالي وشكله الجديد. فإذا لم تكن هذه مهمة مبادرة البكري وقطعا ليست مهمته فإن دور الفيلم الوثائقي أن يتعرض لذلك.