الخميس  20 شباط 2020
LOGO

"تيت TET" / بقلم: د. سامر العاصي

2020-01-29 10:26:38 AM
د. سامر العاصي

 

في العام 1965، ظن الأميركيون، أن هزيمة فيتنام الشمالية "الشيوعية"، وحلفائها من قوات الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام، المعروفة باسم الفيتكونج، قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى، وذلك بعد أن وصل عدد القوات الأميركية، في فيتنام الجنوبية، إلى نصف مليون جندي، إضافة إلى أكثر من مليون جندي جنوبي.

وقد دلت نتائج المعارك العسكرية، التي جرت، منذ أن وطأت أقدام أول جندي أميركي الأرض الفيتنامية، عام 1961، أن الخسائر البشرية والمادية الفادحة، التي تكبدها الشيوعيون الشماليون والفيتكونغ، نتيجة للغارات الجوية والقصف المدفعي الأميركي، لا بد وأن حولت، حلم النصر عندهم، إلى سراب صحراوي، خصوصا أن الرأي العام الأميركي، ولقلة خسائر جيشه البشرية، كان مؤيدا للحرب التي ظلت بعيدة عن عيونه، آلاف الكيلومترات. 

ومع بداية الشهر الأول من العام 1968، بدا أن الطرفين بحاجة، إلى الهدنة التقليدية، التي ستبدأ يوم 31 كانون ثاني يناير، بمناسبة عيد رأس السنة القمرية، "تيت"، وهو العيد الأكبر لجميع الفيتناميين. وأفادت تقارير الاستخبارات الأميركية، أن الشماليين، يستعدون لشن هجوم كبير على القاعدة العسكرية الأميركية الكبرى، "كي سان"، الواقعة على الحدود بين الفيتناميتين. وجاءت الأوامر من البيت الأبيض، الذي بدأ سيده الرئيس ليندون جونسون، يستعد لخوض معركته الرئاسية الثانية، لتحقيق نصر عسكري، يكون عاملا أساسيا في نجاحه. وبدأت التعزيزات العسكرية، تصل إلى "كي سان"، من كل مكان. وفهم الأميركيون أن الشيوعيين، سوف يخوضون معركتهم الكبرى هناك.

وفي الساعة الثانية والنصف، من صباح عيد ال "تيت"، يوم 31 يناير، ومع أصوات الألعاب النارية والاحتفالات الصاخبة في العاصمة الجنوبية سايغون (تسمى الآن "هوشي منه")، ظهر ثوار الفيتكونغ المدججين بالعتاد والسلاح فجأة! في سايغون وفي أكثر من 100 مدينة وبلدة وقرية في جميع أنحاء فيتنام الجنوبية، تمكنوا خلالها من تحرير العشرات من المدن وفرض سيطرتهم بالكامل، قبل أن تفيق القيادة الأميركية، من الخدعة التي ظنوا أن الحشد والمعركة الحاسمة، هي عند القاعدة "كي سان". ولم تكن الحكومة الجنوبية والقوات الأمريكية، تعلمان أن قوات الشيوعيين والفيتكونغ، سبق لهما وأن احتفلوا بالعام الجديد، قبل يومين من موعده، تمهيدا لهجومهم الشامل والكبير.

عند فجر ذاك اليوم الرهيب، هاجمت مجموعات الفيتكونغ في العاصمة سايغون، وبكل جرأة، أكثر منشآت ومراكز العدو أهمية واستراتيجية، مثل القصر الرئاسي، ومبنى الإذاعة، الذي تم احتلاله دون أن يتم بث أي بيان منه، ذلك أن المهاجمين لم يكونوا على علم بأن البث الحي المباشر، كان يذاع من مكان آخر. كما تم مهاجمة قيادة الأركان العسكرية الأميركية، وميناء المدينة أيضا، وبدا وكأن العاصمة كلها تشتعل. وكان أهم الأهداف الاستراتيجية للثوار الفيتكونغ، هو احتلال السفارة الأميركية، رمز القوة الغازية. وهرع عشرات الصحافيين الأميركان وغيرهم، إلى مكان المعركة، وبدأت عشرات محطات التلفزة الأميركية والعالمية، تستقبل البث الحي لمعارك لم تكن تخطر في بال أحد من المتفرجين الأميركيين، الذين جلسوا في بيوتهم وهم لا يصدقون أعينهم، بأن المعارك الدموية بين الفيتكونغ وأبنائهم، قد انتقلت إلى فناء أرضهم الصغيرة هناك.

وانتشر الثوار في حدائق وساحات السفارة، حتى أنهم استطاعوا الوصول إلى الطابق الأول منها، ولولا أن قائدا الهجوم، اللذان كانا يعرفان خارطة المبنى وخطة الهجوم، قتلا على الفور، لكان الهجوم قد أخذ منحى دراماتيكيا آخر. وخلال ساعات قليلة، كان العالم كله، يرى بالبث المباشر، الدم والنيران والدمار. وكان نقل القتلى والجرحى من داخل مبنى السفارة، يتم بثه "مباشرة" أمام أعين عشرات الملايين من الأميركيين الذين لم يستطيعوا النوم تلك الليلة هادئين، حتى سميت الحرب الفيتنامية، بأنها "الحرب الأولى المتلفزة". وقبيل ظهيرة اليوم نفسه، تم تصفية جميع المهاجمين، إلا أن انتفاضة شعبية، كانت قد هبت في كل مدن وقرى فيتنام الجنوبية، تماما كما هبت انتفاضة شعبنا الفلسطيني يوم 9 كانون أول/ديسمبر من العام 1987.

واستمرت المعارك الطاحنة في كل المدن الفيتنامية "المحررة"، شهرا كاملا، بعد أن نجح الفيتكونج، بحفر مئات الكيلومترات من الأنفاق، التي كانت توصلهم بأمان إلى وسط أي مدينة جنوبية كانوا يختارونها هدفا لهجماتهم. ومن الجدير ذكره أن تلك الأنفاق كانت تحوي في باطنها، مخازن السلاح، والمستشفيات، ومخابئ للثوار (حوالي 85 ألف مقاتل)، ومساكن لعائلاتهم، ومدارس لأولادهم، التي لم تعرف معنى الإضرابات طيلة فترة الحرب التي استمرت 10 سنوات، لا بل أن مؤسساتهم ومدارسهم، كانت تعمل مضاعفة، عند سقوط شهيدِ، أو حتى عشرات الشهداء منهم.  

وظلت صور المعارك وصور القتلى والجرحى، تتدفق كل ساعة إلى داخل بيوت الشعب الأميركي، الذي صار يشاهد بأم عينيه، الوجه البشع للحرب، حتى أن إحدى الصور التي التُقطت لجنرال جنوبي، وهو يطلق الرصاص، دون محاكمة، على رأس مقاتل شيوعي من مسافة الصفر، أثارت اشمئزازا واسع النطاق في أميركا والعالم كله. 

وخلال ذاك الشهر من المعارك الدموية، تأكد للغالبية الساحقة من الأميركان، أن الشيوعيين أقوى بكثير مما صورته لهم قياداتهم السياسية والعسكرية، وأن أسباب وأهداف تدخلهم العسكري كانت كاذبة، وأن حربهم ليست حربا عادلة كما ظنوها في البداية. وجاء تعليق، أشهر الصحافيين الأميركيين، والتر كرونكايت، حين قال مطالبا بوقف الحرب:- لقد علقنا في المستنقع الفيتنامي!. ويشاء القدر وبعزيمة الرجال الوطنيين، أن يكون أشهر ضحايا "تيت"، هو الرئيس الأميركي ليندون جونسون نفسه، الذي سرعان ما أعلن بأنه لن يقبل ترشيح حزبه الديمقراطي له، للانتخابات الرئاسية التي ستجري في نهاية العام.

ومع أن هجوم الثوار في كل القرى والمدن الجنوبية، فشل عسكريا، إلا أن الرأي العام الأميركي، انقلب وبشكل سحري، رأسا على عقب، بعد أن شعر الشعب بالإهانة والغضب، لما كان يشاهده، منذ الدقائق الأولى، التي اندلعت فيها معارك "تيت"، وذلك قبل 52 عاما ويومين! بالتمام والكمال. وأعلن الأميركان، بأنهم سيبدأون مفاوضات مع الشيوعيين لإنهاء الحرب. ولأن المفاوضات هي الوجه الآخر للحرب، فقد استمر الأميركان بقصفهم الجوي العنيف على مدن الشمال، وتم إسقاط أكثر من 10 مليون طن، من القذائف على فيتنام الشمالية (وقيل 15 مليونا)، أي بمعدل طن واحد على كل اثنين من المقاتلين، أو 3 أطنان على كل 6 متر مربع!، علما بأن مجموع ما ألقته قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، على ألمانيا كان 2.7 مليون طن من المتفجرات فقط!. وللحقيقة التاريخية، فإن انتصار الشعب الفيتنامي وتحرير أرضه، لم يكن ليتم دون المساعدات العسكرية والمادية، التي كانت تصله من دول المعسكر الاشتراكي، وعلى رأسه الدولة، التي كانت تعرف باسم "الاتحاد السوفيتي"، وهي الحقيقة التي طالما رددها قادة فيتنام قبل وأثناء وبعد توحيد الفيتناميين في نيسان/إبريل 1975.

ترى، عزيزي القارئ، هل وجدت شبها، بين انتفاضات شعبنا الفلسطيني، وانتفاضة "تيت" الفيتنامية، أم أن الفارق الوحيد بيننا وبينهم، هو أن مدارسهم ومؤسساتهم التي كانت في الأنفاق وتحت الأرض، لم تكن لتعطل، أو تعلن إضرابا عن العمل، ولو حتى ليومِ واحدِ؟... أم أننا خسرنا "تيتنا" الفلسطينية، مع أول جلسة مفاوضات خضناها؟