الأحد  05 نيسان 2020
LOGO

في "الكورونا" والقيادة والمواطنة (3)/ جند الله والجوامع والإمامة | بقلم: د. حسن أبولبده

جند الله والجوامع والإمامة

2020-03-21 08:24:47 PM
في
د. حسن أبولبده

مع ساعة إنجاز هذا المقال، تكون الضفة الغربية قد دشنت أسبوعها الثالث في متاهة حالة الطوارئ، ولا نهاية في الأفق.  ينقشع المشهد تدريجيا عن ملامح مشوار طويل من الكر والفر مع الفيروس، وقصصُ الحجْرِ والإشاعات التي تملأ الأفق من منابر التواصل، والفكاهة في كل منزل حول حالتنا الراهنة، وأرتال العاطلين عن العمل المتراكمة.  وقد تتكلل الإجراءات المتسارعة بإعلان منع التجول (Lockdown) على مساحة ما تبقى من الضفة الغربية، قبل أن يجف مداد المقال.

وفي اختلاط المشهد تستمر الحكومة (أعانها الله) في تجاهل الأثر الاقتصادي للوضع القائم، والتلكؤ في تشكيل فريق طوارئ اقتصادي على مستوى الوطن، وإطلاق صندوق التعويضات لمن سحقوا تحت مطرقة الإجراءات، وإصدار حوافز الإعفاءات الضريبية وغيرها، لتعزيز فرصة الصمود الاقتصادي الضئيلة في وجه الفيروس الفتاك.

في غزة العزة، فيستمر حَجْرُ العائدين من الغربة إلى السجن الكبير، وتستمر الإمكانيات المتواضعة للفحص والمعالجة سيدة المشهد، بينما يتسمر أبطال إدامة الانقسام أمام ضمائرهم بانتظار الإصابة الأولى في ذلك الركن القصي المنسي، ويتعمق الجوع وتزداد البطالة.  وفي نظيرتها وتوأم روحها الضفة الغربية، فتتواصل حرب "النهب الحلال" وتكديس الاحتياجات الشخصية في كل منزل، ويستمر أصحاب الضمائر المريضة من التجار برفع الأسعار، والجهلة والأغبياء بالاستخفاف وتعريض حياتهم ومحبيهم ومعارفهم لخطر العدوى. وبذات الوقت، يتعزز نحر الإسلام بسيوف الجهلة، المصرين على عدم الانصياع لتعليمات أولي الأمر بمنع التجمهر، بما في ذلك الصلاة في الجوامع، وكأنهم بذلك ينتفضون على قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).

أما باقي العالم، فإنه بينما يستمتع بسمفونية نجاح الصين بالمواجهة، يقف عاجزا أمام غباء الساسة وجهلهم وقسوة المشهد، حيث يتجاوز العدد الإجمالي للإصابات 284,516 حتى الساعة 14:00 من بعد ظهر يوم السبت الموافق 21/03/2020، تودع إيطاليا أحبتها ال 4,032 بشعور مرارة الهزيمة المؤقتة، بينما تروي شقيتها إسبانيا تضاريسها بأرواح وذكريات 1,326 من أحبتها، وفي الجانب الآخر من العالم، تنحشر إيران برداء حصار الغرينغو والمقاطعة ونقص الإمدادات، بينما تودع شهداءها ال 1,556  ممن لم يسعفهم الوقت ربما للتمتع بإنسانيتهم وكرامتهم وأحلامهم. وفي هذه الأثناء، يستعد الفيروس لوجبة دسمة من الأرواح في كل من بريطانيا وأمريكا، بسبب جهل وعنجهية وعدم مسؤولية قادتها.

وبينما نحن منشغلون في إقناع نظامنا السياسي لابتداع آليات ووسائل الحد من الآثار الاقتصادية لإجراءات الطوارئ، يطل علينا نفر ممن يتسترون بالدين لبسط رداء الجهالة، ويتبارون في دعوة الفيروس لاقتناص حصته من أرواح فلذات أكبادنا وكبارنا وأصدقائنا ومعارفنا، وكأن الدين الإسلامي الحنيف ليس بدين الاعتدال والسماحة والتيسير لا التعسير. وكما رأيت بأم عيني، فإنه وعلى الرغم من إغلاق المدارس والجامعات والأماكن العامة والصالات والمطاعم والجوامع احترازيا، والتي تعتبر رخيصة في سبيل إنقاذ روح واحدة في وطننا، فإن البعض ما زال كارها لهذه الإجراءات، رغم أهميتها في وقاية كل منهم وأسرهم ومحبيهم، ويصر على إقامة صلاة الجماعة، رغم منع التجمع لأكثر من عشرة أشخاص، ورغم خطرها على صحة من يؤدونها.

إن إغلاق الجوامع لا يشكل تجاوزاً من أي نوع كان لتعاليم ديننا الحنيف، ولا ينتقص من حق أي منا بالعبادة وأداء شعائر الصلاة كاملة، فهي جائزة في أي مكان.  تاريخيا، فقد أُنشِئتْ الجوامع لوظائف تتجاوز شعائر الصلاة، حيث اعتُمِد المسجد عبر التاريخ مكاناً للفعاليات السياسية والاجتماعية والتعليمية والتثقيفية في المجتمع الإسلامي. وقد أغلق الحرم المكي مرارا بسبب أحداث تتعلق بالأوبئة، أو الحروب والفتن التي دارت عبر التاريخ.  حتى أن رسولنا العظيم أمر بعدم ارتياد الجوامع من قبل آكلي الثوم والبصل، كما ورد في الحديث الشريف (مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ). فإذا كانت رائحة المصلي الكريهة سببا كافيا لإخراجه من الجامع، فالأولى إقفاله نهائيا خلال فترات الطوارئ وانتشار الأوبئة، أو الحروب والفتن، كما هو الحال اليوم.

وفي الوقت الذي تلتزم فيه جميع المؤسسات الحيوية بقرار إغلاقها، فإن إغلاق الجوامع لا يقل أهمية عن أي من هذه المؤسسات، وتتطلب المسؤولية الدينية والاجتماعية والوطنية الالتزام بعدم الصلاة جماعة وفقاً للتعليمات، والضرب بيد من حديد على يد من يتجاوز التعليمات، حتى ولو كان ذلك لغايات الصلاة.  وأعتقد أنه قد آن الأوان لإعادة النظر بوظيفة الجوامع في وطننا، وتقنينها لتكون منبرا للتناجي مع الخالق وتأدية الشعائر والتفقه في أمور الدين بموضوعية، ومنابر تشع العلم والثقافة الوطنية وتعليم الناس على سماحة الإسلام واعتداله، ووقف استمرار استخدامها من قبل نفر قليل من الدعاة، لصناعة الجهل والتطرف ورفض الآخر. 

بالعودة إلى ملابسات إصابة الداعية العائد من الباكستان في قراوة بني حسان، فقد تمت إحالته للحجر المنزلي من الجهات المختصة، ولكنه لم يتقيد بالتعليمات وخالط أكثر من 250 شخصاً خلال فترة التثبّت من إصابته، وصلى وسط الناس على الرغم من تعليمات الحجر الصحي المنزلي الصادرة له. وقد ترتب على هذا الفعل غير المسؤول إخضاع أكثر من 200 شخص للحجر الاحتياطي نتيجة مخالطتهم، ونسأل الله أن لا يكون قد نقل إليهم أو بعضهم عدوى الفيروس.

إن عدد الجوامع في وطننا أكثر من المؤسسات التعليمية، ويتوجب التعاطي مع وظيفتها بجرأة ومسؤولية، والتأكد دائما من أن ارتيادها يصب في مصلحة مرتاديها، ويساهم في صقل مواطنتهم وإحساسهم العالي بها، وينور دربهم ويعلمهم عزة هذا الدين السمح، القابل للآخر، والمتميز بمنظومة تكافل اجتماعي واقتصادي قل مثيلها.  ولا يمكن أن يتم ذلك بدون القيام بإصلاحات عميقة في منظومة إدارة الجوامع وممارسة الدعوة والإمامة. وكما سيتغير وجه العالم بعد جانحة الكورونا، لا بد من المكاشفة ومساءلة أولي الأمر في ما يتعلق بتأهيل وثقافة وانفتاح الأئمة في فلسطين، وحضهم، بل الضغط عليهم، لإعادة النظر في دور الإمام في نشر ثقافة التسامح والعلمانية المنسجمة مع التعاليم الدينية، والرفع من شأن المرأة في كافة المجالات والدعوة لنيل حقوقها بالمساواة، وغيرها من الحقوق المهضومة على المنابر، والتي تقوم عمليا بالتعبئة ضدها.

وإنني أُذَكِّرُ من يعتقدون بأنه قد لحقهم الضرر لإغلاق الجوامع، بحديث رسول الله حين قال "لا ضرر ولا ضرار"، وليس أبلغ من هذا الحديث في البت القاطع وتحريم سائر أنواع الضرر، ما قل منها وما كثر، بلفظ بليغ وجيز، انطلاقا من مبدأ أن الدين يسر ولا عسر.  والله من وراء القصد. (يتبع)