الثلاثاء  04 آب 2020
LOGO

شيطنة العلمانية/ بقلم: حازم القواسمي

2020-05-14 09:40:03 PM
شيطنة العلمانية/ بقلم: حازم القواسمي
حازم القواسمي

 

العلمانية ليست كفرا والدول العلمانية ليست دولاً كافرة، كما يروج لذلك بعض المتطرفين الذي يشيطنون كل شيء ويكفرّون كل شيء يتعارض مع مصالحهم المادية. فالعلمانية ليست ضد الدين بل تعترف بجميع الديانات وتدافع عن حق حرية التدين بحيادية تامة. والعلمانية تمنع تغوّل الدين في الدولة وسطوته على مؤسساتها وعلى الحياة العامة، كما تمنع كذلك تغول الدولة وسطوتها على المؤسسات الدينية، وتحافظ في ذات الوقت على حرّية التديّن وحرّية الاعتقاد وحرية الإنسان الكاملة في ممارسة شعائره كما ينص عليه دينه، وتسمح ببناء المساجد والكنائس وكافة دور العبادة والصلاة فيها بكل حرية واحترام.

العَلمانية تأتي من كلمة عالَم، أي العالم الذي نعيش به، تقوم على الفيزيائية المادية الملموسة، ولا تخلط العالم المادي بالعالم الغيبي. لا تخلط ما على الأرض بالسماء والفضاء وما بعد الموت. لا تخلط الفيزيقي بالميتافيزيقي. لا تخلط المادي بالروحي. ولا تخلط الممكن بالمعجزات. العلمانية تمنع تسييس الدين ورجال الدين وتمنع تقديس السياسة وتأليه رجال السياسة.

والمطلوب من الدولة العلمانية أن تضع قوانين "أرضية" تفهمها ويفهمها المواطنون جميعا ويتفقون عليها. ولا تُفرّق بين مواطن وآخر مهما كان دينه أو معتقده. قوانين يقترحها إنسان، عضو برلمان، يتم مناقشتها داخل القبة التشريعية مرة ومرتين وعشرات المرات، إلى أن يتم اعتماد القانون من المُشرّعين البشر، الذين قد يصيبوا وقد يخطئوا. فإذا أصابوا كان جيدا، وإذا أخطأوا راجعوا القانون وقاموا بتعديله. وربما يقومون بتعديله عدة مرات على مدار سنين عديدة. فالأشخاص الذين يضعون القوانين ليسوا مقدسين، ولا يوجد قوانين مثالية أو مقدسة، بل جميع القوانين الأرضية قابلة للنقاش والمراجعة والتعديل. فقانون السير مثلاً يحتاج لخبراء يفهمون بمشكلات السير وكل حيثياتها، وقانون البناء يحتاج لمتخصصين في مجال البناء، وكذلك نحتاج لخبراء متخصصين في مجال الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والبنى التحتية وكافة المجالات الدنيوية من أجل وضع قوانين تنظمها وتدير شؤونها.

إنّ الدولة مطلب دنيوي ليس له علاقة بالغيبيات. فالمطلوب من الدولة أمور محددة تتابع فيها كافة شؤون البشر وتنظمها وتضمن لهم أن يأخذوا حقوقهم خلال فترة حياتهم، وليس لها علاقة فيما يحصل بعد مماتهم. والدولة الديمقراطية لا يمكن إلا أن تكون علمانية، لأن الشعب هو الذي يحكم نفسه بنفسه من خلال انتخاب ممثليه في البرلمان. والدولة الديمقراطية العلمانية تقوم على فصل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية. فلا يوجد شخص فوق القانون مهما كانت وظيفته ومهما علت منزلته السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الدينية. الجميع سواسية أمام قوانين الدولة، ولا يوجد استثناءات. لا يوجد إنسان إله في الدولة الديمقراطية العلمانية.

والدولة الديمقراطية العلمانية تقوم على المنهج العلمي الذي بطبيعته يستند إلى البحث العلمي والتطوير والاستكشاف وتراكم الخبرات. فبناء الجسور المعلقة، يحتاج لمهندسين محترفين لديهم خبرات واسعة في هذا المجال ولا يحتاج لرجال الدين يطلقون الفتاوى غير العلمية على كمية الإسمنت والحديد المطلوب لبناء الجسور فتنهار الجسور على رؤوس مواطنيها. كما أنّ بناء أنظمة المعلومات الصحية في الدولة يحتاج لخبراء في تكنولوجيا نظم المعلومات والاتصالات وخبراء في الطب والصحة، ولا يحتاج لفتاوى شيوخ الأزهر أو الملة الإيراني. وبناء شبكات الصرف الصحي في المدن والقرى يحتاج لطاقات هائلة من الخبرات البشرية المتخصصة في هذا المجال، ولا يحتاج لرأي هذا الداعية الديني أو ذاك الذي قد لا يكون قد أنهى تعليمه الثانوي. وبينما يوجد لرجال الدين وظائفهم الدينية المحترمة، يوجد للدولة خبراء وفنيين متخصصين في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية.

الدولة العلمانية ليست مؤسسة دينية، وليس لها دين رسمي محدد، حتى لو كان معظم سكانها من ديانة معينة، فهي تخدم جميع مواطنيها من كافة الديانات، وتحترم المعتقدات والديانات جميعها بالتساوي بلا استثناء، وتعطيهم كافة الحقوق التي يحلمون بها. فهناك دول فيها ديانات ومعتقدات كثيرة، مثل الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا وأستراليا التي استقبلت المهاجرين من معظم دول العالم، وكذلك استقبلت معهم معتقداتهم وطقوسهم الدينية، وسمحت لهم ببناء المساجد والمعابد وممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية. يصلون ويصومون ويزكون دون أن يعترضهم أحد أو يتدخل فيهم أحد، لا من الدولة أو من أي من المواطنين أصحاب المعتقدات الأخرى. وهذه الدول ليست بالطبع مثالية وليست منزهة عن الأخطاء، وتحدث بعض الإشكاليات هنا وهناك، إلا أن المبدأ العام يحترم جميع المعتقدات.

في الدولة الديمقراطية العلمانية، لا يوجد فرق بين المسلم والمسيحي واليهودي والبوذي والهندوسي والسيخي والشيوعي والملحد الذي لا يؤمن بالديانات. والعلمانية ليست لها علاقة مميزة مع أي من تلك المعتقدات والأيديولوجيات. جميع المواطنين سواسية في نظر الدولة ومؤسساتها. يتساوون في الحقوق والواجبات. لا تفضّل الدولة أي دين على آخر. وممنوع أن يشعر أي مواطن أنه أقل من مواطن آخر فقط لأنه من دين آخر. ممنوع على المواطن أن يشعر بالظلم والتمييز السلبي من الدولة ضده فقط بسبب معتقداته. والدول العلمانية ليست مسطرة واحدة، فالولايات المتحدة تختلف عن اليابان وعن فرنسا وعن تركيا وكل دولة لها ما يميزها عن غيرها، لكنها جميعاً تشترك في ذات مبادئ العلمانية العامة، حتى لو اختلفت ببعض التفاصيل أو تشددت في مجال وتراخت في مجال آخر بسبب التركيبة الاجتماعية والثقافية لسكان البلد.

ويسوق منتقدو العلمانية ومشيطنوها أن الدول العلمانية هي دول دكتاتورية كما في بعض الدول العربية، إلا أنّ هذا الكلام غير دقيق، فصحيح أننا قد نجد دولة علمانية ليست ديمقراطية، إلا أنه يوجد العشرات من الدول العلمانية الديمقراطية التي يهاجر إليها الناس من كل بقاع العالم للاستماع بنظامها العلماني وحرياتها ورغد العيش فيها. فما نحتاجه، ليس إلغاء العلمانية بل ترسيخ الديمقراطية العلمانية ودولة القانون المدنية.

 لقد آن الأوان في عالمنا العربي أن نعي ما نتحدث عنه والمصطلحات التي نستخدمها أو نهاجمها بدون معرفة، فلا يُعقل أن أستاذا جامعيا لا يفرّق بين العلمانية والإلحاد، أو بين الليبرالية والرأسمالية. فقد نشأ جيل من أولادنا وبناتنا ليس لديهم أي فكرة في أي دولة ونظام يريدون أن يعيشوا من كثرة التشويش الفكري والهجوم على كل شيء لا نفهمه. وفي النهاية لم تأت مقولة جون لوك في "ضرورة الفصل بين مهام الدولة والمعتقدات الدينية" من فراغ، فعلينا أن نعي أن استمرار التوهان والضياع فيما نريد وفيما لا نريد، سينعكس على حجم التضحيات التي يجب أن نقدمها من أجل أن نعيش بحرية وكرامة.