الإثنين  10 آب 2020
LOGO

هل توجد فرصة ثانية لانطباع أول/ بقلم: عيسى قسيس

2020-05-20 10:01:45 AM
هل توجد فرصة ثانية لانطباع أول/ بقلم: عيسى قسيس
عيسى قسيس

 

 

 في ظل الأزمة الحالية التي نشبت إبان استلام  قرار جيش الاحتلال الإسرائيلي رقم 67 بتاريخ 09/02/2020 بخصوص مسؤولية التعاطي مع رواتب الأسرى وتفاعل المجتمع المدني بطريقة قريبة إلى الهجومية والتطاول والتشهير بالمصارف من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، مما جعلها ضحية لنقاش بيزنطي "مين مع ومين ضد" -مع كل احترامي وتقديري لحق الإنسان بالنقاش وإبداء الرأي- ولكن الموضوع هنا مبني على اعتبارات أكبر من كونه نقاش واختلاف وجهات نظر.

عنوان مقالي اليوم له أبعاد تحاكي ما هو المطلوب، ليس الآن فقط ولكن غد وبعد غد. نحن بحاجة لتدخل سريع في وضع خطة واقعية محكمة مجمع عليها مصرفيا وتشريعيا والأهم موافق عليها من المستوى السياسي لإحكام حقوق الجميع وإغلاق أبواب التطاول وعدم الانجرار بالتفاعل بردات فعل بل بموقف يؤمن الطريق قدما لعدم تكرار ما حدث، لأننا لا نملك فرصة ثانية لخلق انطباع أولي عن قطاعنا المصرفي ونظامنا المالي.

سأتناول الموضوع بداية، بتحديد بعض الأطر التي أراها ثوابت بالمعادلة وبالتالي تحدد المجال المسموح به لأي منا بالتعاطي مع الموضوع بدون أحلام وشعارات.  نثبت أمورا لها وزنها،  منها ما يعجبنا وآخر نرفضه ولكنها واقع... لحين تغييره. 

أرقامنا واضحة واعتمادنا على إسرائيل قل مؤخرا ولكنه مرتفع وإذا حسبنا الكهرباء والماء فإنه يفوق 70% من حياتنا اليومية.  القطاع الخاص الفلسطيني يستورد من خلال موانئ حيفا وأسدود ويستعمل البوندد لتخزين/تخليص البضائع مما يؤثر إيجابا في تسهيل  الاستيراد ويقلل الكلفة المباشرة وغير المباشرة على المشتري الفلسطيني وبالتالي على المستهلك. بالإضافة إلى أن الجمرك يحصل من الموانئ ويدفع بالشيقل في خزينة السلطة الفلسطينية بعد خصم عمولة متفق عليها والذي يعرف بنظام المقاصة.

معظم السلع المصنعة في إسرائيل حاصلة على شهادات مواصفات ومقبولة في معظم دول أوروبا وغيرها "باستثناء منتجات المستوطنات" وهي ذات جودة ولها وكلاء إضافة إلى موزعين فلسطينيين يغطوا سوق الضفة الغربية والقدس الشرقية. وقد تجذرت العلاقة بين البائع والمشتري خلال سنين التعامل وعلى المستويين الشخصي والمهني وقد يمنح المشتري الفلسطيني -أي الوكيل / الموزع- سقف مشتريات كتسهيلات من البائع الإسرائيلي وتسدد هذه المبالغ بالشيقل إما نقدا أو حوالات أو شيكات شخصية يتم تحصيلها من خلال المقاصة الإسرائيلية ويبقى في جميع الأحوال حساب جاري بين الطرفين وثقة كافية لاستمرار العلاقة.   

نص بروتوكول باريس بالمادة 4 تحت عنوان "الأمور المالية والنقدية" بأن يتم قبول إيداعات / حسابات بعملة الشيقل كعملة متداولة ويسمح بحد أدنى من متطلبات السيولة بنسبة 4% - 8% وعلى أن يوافق الطرفان "سلطة النقد وبنك إسرائيل" بالسماح لعلاقة مراسلة بين البنوك التابعة لهما وعليه تم تسجيل المصارف بالمقاصة الإسرائيلية.

بعد الانتفاضة الثانية تأثرت المقاصة الإسرائيلية بالعلاقات المتوترة بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية وأضحت علاقة بين المصارف الفلسطينية والوافدة وبين البنوك الإسرائيلية تتغير إلى مبدأ علاقة "العميل المميز" وليس علاقة "بنك مراسل" وهذا انحراف خطر عن بروتوكول باريس حيث تركت البنوك لأهواء البنوك الإسرائيلية التي دأبت على الضغط المستمر بذريعة تقليل المخاطر "مخاطر البلد" ومخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب مع بعض الميزات للبنوك الوافدة . واستمر ذلك إلى يومنا هذا وما هو تهديد اليوم إلا وجه آخر لتهديدات عشناها بشكل سنوي منذ سنين ولكننا لم نعمل كفاية لحل المشكلة بل لرأب الصدع واستمرار الخدمة بالحد الأدنى.

جميع المصارف العاملة في فلسطين، الوطنية منها والوافدة،  تتبع المعايير العالمية في الامتثال وبالتالي يوجد رضا من البنوك المراسلة في الخارج على هذه المصارف وهذا مثبت في استمرار العلاقة ونموها بالإضافة إلى التقارير الإيجابية الصادرة عن المؤسسات الدولية. وإن أكبر امتحان لنا سيكون تقييم مخاطر دولة فلسطين والمقرر في العام الحالي والذي تم التحضير له بقوة من جميع الأطراف ذات العلاقة.

يوجد ارتياح عند البنوك المركزية للمصارف الوافدة والتي ترى بالسوق الفلسطيني فرصة للعمل وتكلفة معقولة مقابل حجم المخاطر في فلسطين وتعليمات السلطات الرقابية بخصوص ضبط مستوى المخاطر، وعليه فمن الضرورة المحافظة على وجود هذا التنوع الصحي في الاستثمار بالقطاع المصرفي في فلسطين وعدم هز مضجعه.

إن رواتب عمالنا في دولة إسرائيل تدفع من خلال نظام مدفوعات "مساف" إلى حسابات العمال في المصارف العاملة في فلسطين والتي كانت تدفع نقدا وتم التوافق بعد جهود جبارة من سلطة النقد مع بنك إسرائيل على حل المعضلة من خلال النظام المذكور والذي بالرغم من التحفظات على كفاية بيانات النظام ولكنه ينجز المهمة وتدفع مئات ملايين الشواقل شهريا من خلاله للعمال.   

بناء على ما تقدم، نستشعر حساسية الظروف التي يعمل في ظلها القطاع المصرفي وبالأخص في هذه الأيام ونحن ننتظر بشغف كيفية التعاطي مع قرار عسكري من شخص -وليس دولة-  وكيفية التعامل معه. أقول: لقد تأخرنا ثلاثة أشهر بالتعاطي مع الإنذار ولكننا متأخرون بوضع خطة اليوم التالي والتي تداولناها كقطاع مالي منذ العام 2009. المطلوب ليس ردة فعل أو حل الموضوع باجتماع أو رسالة من الحكومة أو مكالمة من شخص ما،  بل بخطة مبنية على ما نريد وليس ما يعطى لنا. نحن بنينا قطاعا مصرفيا على مدى 26 عاما من خلال سلطة نقد جل عملها في الرقابة والتفتيش فنحن نستحق لأننا انتزعنا احترامنا كقطاع مصرفي وليد ولكنه رزين ويعمل بأحلك الظروف.      

وعليه وللحيلولة دون جلد الذات وجلب المصارف عنوة لساحة الإعدام يجب التحرك بطريقة مهنية سليمة في وضع إجراءات وقائية.

علينا أن نحمي مؤسساتنا المالية وأن لا نقحم البنوك بأي ردات فعل سياسية مباشرة أو غير مباشرة ونركز على حماية هذا القطاع الحيوي والتفكير بحلول ريادية مبتكرة. وهذا لن يحصل فيما لو انقطعت أو توترت علاقات البنوك العاملة في فلسطين مع البنوك الدولية والإسرائيلية.

البناء على التعليمات الأولية الصادرة بخصوص عمل المحافظ الإلكترونية  وانتهاج طريق غير تقليدي تسخر فيه أدوات التكنولوجيا المالية في تنفيذ المطلوب من خلال قنوات الحكومية وبمعزل عن البنوك حيث إن التقاص بمثل هذه الأمور يتم محليا والتكنولوجيا المالية كفيلة بتنفيذ المطلوب وبكفاءة ويسر.

دراسة سياستنا النقدية وتقييم خياراتنا بسلة العملات المتداولة حاليا وأين نريد أن نكون بشكل يضمن اقتصادا قويا وليس بالضرورة إصدار عملة وطنية فهذا لا يجعلنا بالضرورة أقوى. 

لقد حان موعد انتهاج التكنولوجيا المالية في طريقة عملنا بالقطاع المصرفي وقد شهدنا انتهاج بنك الاستثمار الفلسطيني مثلا لأول محفظة إلكترونية بنكية وسنرى غيرها من المبادرات لتوسيع السوق وتعزيز الشمول المالي والتخلص من النقد وانتهاج المحافظ بدل الحسابات التي تجلب النقد. هنا ننادي بالمفتاح الوطني وربط نقاط البيع والأهم ربط المحافظ الإلكترونية ليتمكن من يستلم راتبا أو دفعة شؤون اجتماعية من استعمالها.

التوجه بطلب رسمي بإعادة مبدأ البنوك المراسلة بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية لحماية التجارة البينية ودفع الرواتب والتي تشكل نسبة محترمة من الدخل القومي. نريد إيجاد آلية للتعامل الأكفأ بعملة الشيقل بدون عبء تخزينه وشحنه، وتعزيز المقاصة الإلكترونية.

تفعيل التوقيع الإلكتروني والحكومة الإلكترونية ونافذة الدفع والمفتاح الوطني لتسهيل حركة الأموال وإعادة الثقة بتغليب الحوكمة، الشفافية والامتثال ومحاربة غسل الأموال للحفاظ على صحة وديمومة القطاعين المصرفي والمالي الفلسطيني. 

ردنا على القرار يجب أن ينبع من حقيقة أننا لا نملك فرصة ثانية لإعطاء انطباع أول عن أنفسنا.