السبت  11 تموز 2020
LOGO

كورونا.. تساؤلات وأشياء أخرى/ بقلم: ناصر الريماوي

2020-06-02 12:44:10 PM
كورونا.. تساؤلات وأشياء أخرى/ بقلم: ناصر الريماوي
ناصر الريماوي

 

(قلق)

لماذا لابد لي من تفقد أغراضي الطارئة على حياتي، بما يفوق الحاجة، أو بما يتخطى قناعتي القصوى بها؟

الكمامات، القفازات الطبية، وقارورة التعقيم التجارية.. الباقية.

ثم الطمأنينة بأناة على مخزون كل منها فوق أرفف المتجر الوحيد في الحي، ذلك المخزون الذي يتناقص لديهم مع الوقت دون تعويض.

لماذا ينتابني القلق ليلا؟

ماذا لو نفد التبغ أيضا؟ وقال لي ذلك البائع ذات صباح، وهو يسبقني بابتسامته الصفراء: لمْ يبق سجائر. أو أيا من تلك اللوازم الطارئة.

وهز رأسه ببرود وسماجة؟

ربما تُظلم الدنيا تماما، وقد أتناسى في خضم عتمتها قلق الوباء الغامض، وقد يغدو القلق مضاعفا أو مركبا آنذاك.

لماذا لا أفكر بالمواد الغذائية، أبدا؟

أهي في عداد الفائض عن الحاجة والناس، فوق أرففه العريضة، الأرفف الفائضة بطبيعتها عن مساحة المتجر ذاتها، وربما الحي بأكمله؟

أضحك في سري وأنا أقف خلف طاولة البقال، بينما يزدحم الباب بالزبائن، بانتظار خروجي.

ألمح في عيونهم قلقا متفاوتا، يتراقص من فوق الكمامات، وكأنني أكثرهم شجاعة..!

هذا الصباح.. وأنا هناك، لماذا تسللت مني "عطسة" بريئة وبدافع التحسس من مادة الكمامة، لا غير، وراحت تسعى دون إرادة مني؟

ثم توقفت فجأة؟

ربما أنكرتها بفعل التستر البديهي.. أو بدافع الهلع الفطري من ردة فعل رعناء، لواحد من أولئك الزبائن الواجمين، بتحفز غريزي ومسافة قانونية، تجاه فعل شائن كهذا، وفي وقت عصيب كالذي نحياه.

لماذا حبست عطستي رغم براءة القصد منها، حتى إنني ابتعلتها بجبن، ورعشة خفيّة.

ومضيت.. لماذا؟

(رسائل)

الجلوس خلف النوافذ نهاراً، يولد أفكارا غريبة.

متى كانت آخر رسالة حب خطية؟ على سبيل المثال.

متى كتبتها، كم مرة طويتها، وما الذي أرفقته بين طياتها؟

ربما هو استفزاز النوافذ لنا عن عمد، أو ما نحاول اتقانه من لغة حديثة ودخيلة بيننا، بكل صعوبة.

ومع هذا فأنا أجده كغيري.. أمرا مستفزا وتداعيا محرضا.

لكن، هناك ماهو أكثر سخفا مما سبق، بين كل هذه التداعيات وهذه التساؤلات المتضاربة.

على سبيل المثال، كم كان مقدار المسافة الفاصلة بين نافذة وأخرى؟ وتحديدا تلك النوافذ المستهدفة بالرسائل؟

أذكر كان هناك ورد وعبق روائح مؤقتة، تضاف إلى الرسائل.

ترانا، من أين كنا نأتي بتلك الورود المجففة.. آنذاك؟

فيما تحاصرنا الأزقة الضيقة بأوحالها الموسمية من جهة، وأتربة الشوارع الفرعية الراكدة من كل الجهات.

أتذكر الآن.. البيوت المتلاصقة في الأزقة كانت بلا نوافذ، بلا إطلالات فعلية على فسح الحارات الشحيحة، كانت هناك بضع طاقات صغيرة فقط، طاقات مسيجة "بالمناخل" وكنا ندعوها مجازا.. بالشبابيك.

(تبغ)

هل كنا حقا ندخن عروق الملوخية الجافة في الصغر، أم أنها مجرد خرافة، صدقناها لتداولها المرح مع الوقت؟ النفي أو التأكيد لا يمتان للإجابة النموذجية بصلة.

في تلك المرحلة لم أكن أدخن، على أي حال.

دخان الهيشة كان يصبغ ثنايا البعض في الحارة من كبار السن.

العم "أبو قاسم" المتقاعد العسكري والبدوي الأصيل، كان يأتي بدلة القهوة المغلية إلى الشارع، وأظنه كان مدخنا جيدا، وهو ينهانا عن هذه العادة وينشد شعرا نبطيا في سبيلها: لا تشرب الدخان يا المملوحي.. يصبغ ثناياك يا الغالي.

لماذا حفظت هذا البيت الشعري، ونسيت النصيحة فيه؟

عندما صرت مدخنا، كان المرحوم العم "أبو مروان المومني" يطل من نافذة بيته الواسعة، المشرفة على الشارع وزواياه ومحاله، وحتى مدخنيه من شباب الحارة، وحين يراني أدخن بجانب والدي، يهز رأسه معاتبا في ود، ويقول: دخن.. ولكن ليس أمام والدك، احتراما له على الأقل.

لماذا كنت أرمي بالسيجارة خجلا؟

ولم ترتبط لدي هذه العادة باحترام الوالدين، والجيران، ولاحقا بزملاء العمل، وقبل ذلك بالزوجة وتواجد الأبناء؟

تعلمت التدخين في دمشق، في السنة الدراسية الثانية. أما السبب فكان الفضول والغرابة من تلك المفاضلة العجيبة بين الدخان المحلي "الحمراء" وسجائر "المارلبورو" الأجنبية.

كنت أظن بأن الدخان واحد. وخصوصا في بلد كان ينبذ الطبقية والمفاضلة بينها، ولو شكليا على الأقل.

لماذا كان يفترض بي أن أجرب بنفسي لأفك هذا اللغز الغامض بين هذين النوعين تحديدا، دخان "الحمراء" المحلي وسجائر "المارلبورو" الأجنبية؟

في حين كان هناك ألف لغز محير في حياتي.