الأحد  20 أيلول 2020
LOGO

كيف تدمر القوى العظمى؟

2020-07-28 09:54:03 AM
كيف تدمر القوى العظمى؟

 

 الحدث- جهاد الدين البدوي 

نشرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية مقالاً لأحد أقطاب السياسة العالمية وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد "ستيفن والت"، وتحدث في افتتاحيته أنه على مدار السنوات الخمسة والثلاثين الماضية، لم يصدق أحد التحذيرات من التدهور الوشيك للولايات المتحدة. مشيراً إلى ما كتبه المؤرخ الأمريكي بول كينيدي في كتابه "صعود وهبوط القوى العظمى" إلى أن "التمدد الامبراطوري المفرط" قد يدفع الولايات المتحدة إلى اتباع مسار بريطانيا العظمى في التراجع، وهو توقع كئيب ثبت أنه سابق لأوانه في أحسن الأحوال. مشيراً إلى توقعات علماء بارزون بتحول أميركا إلى "دولة عادية"، واتجاهها لعالم ما بعد الهيمنة، إلا أن الأمر كان مفاجئ عندما انهار الاتحاد السوفييتي وبرزت الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة متبقية. واتضح أن الظروف المثالية لمزيج خطير من الغطرسة والرضا عن الذات.

يضيف والت بأنه بحلول منتصف التسعينيات، وجد الولايات المتحدة نفسها في موضع الصدارة لا مثيل له في التاريخ الحديث. قد تضاءلت الدول الأخرى أمام القوة العسكرية والاقتصادية والقوة الناعمة الأمريكية، وقد قدم علماء مثل ويليام وهلفورث وستيفين بروكس طرحاً بأن فترة القطب الواحد قد تطول إلى نفس الفترة أو أطول من فترة القطبين التي سبقتها. ولكن ما لم يتوقعه هؤلاء المتفائلون، للأسف، هو سلسلة الجروح الذاتية التي ستعاني منها الولايات المتحدة في السنوات التي تلت ذلك، وهو حطام قطار من الأخطاء المتكررة التي تسارعت وتفاقمت في عهد دونالد ترامب. وعلى وجه الخصوص، فإن سوء تعامل ترامب الشنيع مع جائحة "COVID-19" يؤدي إلى آثار موهنة على المدى الطويل من شأنها أن تزيد من تسريع التدهور والتراجع الأمريكي. وحتى لو هُزم ترامب في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر وكانت إدارة جو بايدن تفعل كل شيء تقريباً بالشكل الصحيح، فإن عواقب عهد ترامب المليء بالأخطاء ستكون معنا لسنوات عديدة قادمة.

يشير عالم السياسة والت إلى أنه حتى قبل عهد ترامب، وقعت أخطاء القطب الواحد تحت ثلاثة عناوين رئيسة: كان الخطأ الأول هو تبني استراتيجية كبرى للهيمنة الليبرالية، التي سعت إلى نشر الديمقراطية والأسواق وغيرها من القيم الليبرالية على أبعد مستوى، وإلى إدخال العالم بأسره في نظام ليبرالي صممته وتقوده الولايات المتحدة. وقد أثارت هذه الاستراتيجية الطموحة للغاية رد فعل عنيف من مجموعة متنوعة من الأوساط، وأدت إلى حروب غير ضرورية ومكلفة أهدرت تريليونات الدولارات، وقوضت القطاعات الرئيسة في الاقتصاد الأمريكي.

 والخطأ الثاني هو السماح للمؤسسات العامة بالتدهور، بحرمانها من الموارد ثم إلقاء اللوم عليها في جميع مشاكلنا. فقد دفع زعماء الحزب الجمهوري التخفيضات الضريبية دون اعتبار يذكر للعواقب المالية، في حين تم إلغاء تمويل مصلحة الضرائب إلى الحد الذي لم يعد قادراً على ردع أو اكتشاف التهرب والاحتيال على نطاق واسع. وعلى غرار الـ "جونكر" البروسيين أو الأرستقراطيين الفرنسيين قبل الثورة، وجد الأميركيون الأثرياء – بمن فيهم ترامب – طرقاً جديدة لا حصر لها لتجنب المساهمة بدفع المستحقات الضريبية للخزينة العامة، ودون خشية من العقوبة. وبدلاً من إنشاء وتمويل مؤسسات عامة قوية، ومتخصصة، ومحترمة – وهي القدرة الإدارية والتنظيمية التي من شأنها أن تكون ذات قيمة لا تقدر بثمن في التعامل مع الجائحة، والتي تمتلكها بعض البلدان الأخرى- قرر الأميركيون أنهم ليسوا بحاجة إليها.

  وكان الخطأ الثالث بتحويل السياسة الحزبية إلى سلاح والذي بدأ مع ثورة نيوت غينغريتش في الكونغرس الأميركي. كما وثق ذلك جوليان زيليزر في كتاب جديد رائعة ولكن مثيرة للقلق، فإن قرار غينغريتش الإطاحة برئيس مجلس النواب جيم رايت بدأ عملية حولت السياسة الأمريكية إلى رياضة دم، حيث كان الفوز بالسلطة والاحتفاظ بها أهم من تعزيز المصلحة العامة.

يتابع والت: لسوء الحظ، تضاربت هذه الاتجاهات الثلاثة مع بعضها البعض بشكل حاد. فتم إعادة صياغة العالم على صورة أميركا مهمة هائلة؛ بل إن هذا العمل يشكل عملاً هائلاً. وإذا كنت جاداً في ذلك، فإنك بحاجة إلى دولة كبيرة، ممولة تمويلاً جيداً، وذات كفاءة عالية للقيام بذلك. ولن يتطلب إدارة العالم جيشاً قوياً فحسب، بل سيتطلب أيضاً هيئة دبلوماسية كبيرة ومحترفة للغاية لإدارة التداعيات السياسية في الخارج، وجيشاً ضخماً من خبراء التنمية المدربين تدريباً جيداً، والكثير من برامج شبكات الأمان في الوطن للتعامل مع التداعيات المترتبة على العولمة الاقتصادية المزعزعة للاقتصاد. وبهذه الطريقة، كانت الاستراتيجية الكبرى للهيمنة الليبرالية تتعارض بشكل أساسي مع الطلب الذي لا نهاية له لخفض الضرائب وما يصاحبها من تقليص للدولة. وقد التفت المدافعون عن الهيمنة الليبرالية إلى هذه المشكلة بافتراض أن المد والجزر في التاريخ كان يسير في مصالحهم وأن إنشاء نظام ليبرالي عالمي سيكون سهلاً نسبياً. وكما أشار فريد زكريا في عام 1998، كانت النتيجة "هيمنة جوفاء"، حيث حاولت الولايات المتحدة عبثاً إدارة العالم بثمن زهيدة.

وعلاوة على ذلك، إذا كان بلد واحد يأمل في تشكيل السياسة المحلية في الكثير من الأماكن المختلفة للغاية، فمن الأفضل أن تكون متحدة سياسياً في الداخل. كما إن إدارة العالم تتطلب تضحيات كبيرة، ويتطلب القيام بذلك بفعالية إجماعاً قوياً بين الحزبين ودعماً جماهيرياً قوياً. وغني عن القول إن الجو السام من الحزبية التي لا هوادة فيها، حيث يقوم السياسيون الجدد ببناء مستقبلهم السياسي من خلال استعراض فضائح ملفقة للخصوم (تذكروا تلك الجلسات التي لا نهاية لها في الكونغرس حول بنغازي؟) هو أمر مضاد لصياغة الوحدة الوطنية. كما أن الجمود الذي لا نهاية له جعل الديمقراطية الأميركية نموذجاً أقل جاذبية للمجتمعات الأخرى.

        ولكي نكون واضحين: لا أعتقد أن الهيمنة الليبرالية كانت لتنجح حتى لو قررت الولايات المتحدة متابعتها بطريقة أكثر جدية وتطوراً.

  يوضح والت بأن عواقب الأخطاء الثلاثة وفرت خليطاً ساماً وسمح لدجال نرجسي غير مؤهل مثل ترامب للوصول إلى البيت الأبيض. ومنذ ذلك الحين، تمكن من دفع صورة أميركا في مختلف أنحاء العالم إلى الحضيض، وفشل الحرب التجارية مع الصين، ودفع إيران إلى الاقتراب من الحصول على قنبلة نووية، وأشاد بالثناء على عدد من الطغاة القتلة (وبعضهم معاد للولايات المتحدة علناً). وإن إنجازه الوحيد والهام في السياسة الخارجية حتى الآن هو حمل بريطانيا على اتخاذ قرار بعدم استخدام تكنولوجيا هواوي في شبكتها الرقمية الجديدة لشبكة الجيل الخامس الرقمية، ولكن ذلك ليس كثيراً من الإنجازات لأربع سنوات في الرئاسة تقريبا. وبصرف النظر عن تعيين الكثير من القضاة المحافظين، فإن الإنجاز الرئيس الذي حققه ترامب مع بزوغ فجر عام 2020 هو أنه لم يخرب الانتعاش الاقتصادي اورثه إياه باراك أوباما.

ثم جاءت جائحة "COVID-19".

يقول والت: لقد تم توثيق سوء تعامل الإدارة الكارثي مع الجائحة بشكل جيد في أماكن أخرى، وليس هناك حاجة للتدرب على تلك القصة المحبطة مرة أخرى. وبدلاً من ذلك، أريد أن أسلط الضوء على العواقب طويلة الأمد للمكانة العالمية لأميركا. تنبيه المفسد: إنها ليست صورة جميلة.

أولاً: كما قلت من قبل، فإن محاولة ترامب للتخلص من المشكلة (إلى جانب التعامل العاجز لإدارته) شوهت سمعة أميركا المترنحة كمجتمع يعرف كيف يتعامل مع الأمور بفعالية. عندما تمنع البلدان في جميع أنحاء العالم الأميركيين من دخول أراضيها بسبب المخاوف المشروعة من أنهم سينشرون المرض، بينما ينظرون إلى مزيج من الصدمة والشفقة لما حصل في أمريكا، فأنت تعلم أن هناك خطأ سيئاً. ولنتأمل هنا: الروانديون والأوروغواي والجزائريون مرحب بهم جميعاً لزيارة أوروبا هذا الصيف. الأمريكان ليسوا كذلك.

ثانياً: إن الكساد الاقتصادي الناجم عن الجائحة سيترك ندوباً عميقة على الاقتصاد الأميركي، وسيزيد الضرر كلما طالت الأزمة. فلن تعود الوظائف فجأة بمجرد أن تختفي الكثير من الشركات، وسيستمر الإفلاس وتسريح العمال حتى نسيطر على الفيروس. فيما قدم بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والكونغرس أموال طوارئ لتخفيف الضربة بشكل مؤقت، ولكن هذه التدابير أدت إلى تضخم العجز الفيدرالي إلى مستويات عالية تاريخياً. وكلما طال أمد الأزمة، كلما كانت كومة الديون أكبر.

اليك الخطوة الرئيسة: على الرغم من أن الجائحة أضرت بكل اقتصادات العالم، إلا أن بلداناً أخرى قد سيطرت عليه، ويمكن أن تبدأ في إعادة فتحه بأمان، وستعاني من أضرار أقل على المدى الطويل نتيجة لذلك. ولهذا السبب، فإن فشل ترامب كارثي للغاية: فمن خلال إطالة الفترة التي يتعين على الولايات المتحدة أن تحافظ فيها على إجراءات الإغلاق وغيرها من التدابير التقييدية، فقد ضمن أن الانتعاش اللاحق - كلما حدث في النهاية - سيكون أبطأ وأقل قوة.

ثالثاً: أدى الإغلاق إلى تفاقم العنف العائلي ضد الزوجات والأطفال، في حين جعل من الصعب اكتشاف كليهما. فغالبًا ما يلاحظ المدرسون في مدارسهم علامات العنف على الأطفال ولكن فرص ذلك أقل عندما لا يكون الأطفال موجودين في صفوفهم. وكلما طال أمد انتشار الجائحة، زادت هذه المشاكل سوءاً. النتيجة: سيكون لدى الولايات المتحدة معدل أعلى من المتوقع من مشاكل الصحة العقلية في المستقبل، وهو ما يشكل مأساة للضحايا واستنزافًا إضافيًا للقوة الأميركية.

رابعاً: على الرغم من أن إبقاء المدارس العامة مغلقة أمر ضروري للسيطرة على الفيروس، إلا أنه سيكون له حتماً تأثير سلبي التحصيل العلمي للأطفال الأمريكيين، ويجعلهم متخلفين عن نظائرهم الأجانب من حيث التحصيل العلمي. ومرة أخرى، عانى التعليم في كل مكان نتيجة لتفشي جائحة كورونا، ولكن الضرر سيكون أكبر في البلدان التي لم تتعامل معه بنجاح ولا تزال تواجه دوامة متصاعدة من الحالات الجديدة. ومن المحزن أن نقول إن الولايات المتحدة هي واحدة من تلك البلدان.

خامساً: التعليم العالي سينال ضربة كبيرة أيضاً. كانت الكليات والجامعات الأميركية الأفضل في العالم لعقود من الزمان ومحركًا ضخمًا للابتكار وهو ما يعود بالفائدة على الاقتصاد الأميركي. فقد عانت هذه المؤسسات من الإغلاق، ولا سيما من فقدان الطلاب الأجانب، الذين كانوا مصدراً للدخل في الوقت الذي كانوا في الماضي محركاً آخر للتقدم التكنولوجي. وعلى الرغم من أن إدارة ترامب قد عكست محاولتها غير الحكيمة لحظر تلقي الطلاب الأجانب التعليم عبر الإنترنت فقط في خريف هذا العام، إلا أن الاستجابة الأمريكية السيئة للجائحة ستجعل بعض الطلاب الأجانب الذين اعتادوا على القدوم إلى الولايات المتحدة للسعي للحصول على فرص تعليمية في البلدان التي لا تتعرض فيها صحتهم للخطر والجامعات مفتوحة للعمليات العادية. لقد استفادت أميركا منذ فترة طويلة مما يسمى بـ "كسب العقول" (أي الأجانب الموهوبين الذين يأتون للدراسة في الجامعات أو كليات الدراسات العليا الأمريكية ويختارون البقاء هنا لإعطاء مواهبهم لشركات أمريكية مبتكرة)، ومن المرجح أن تتضاءل هذه المنفعة في المستقبل. كلما طالت الفترة التي تتخلف فيها أمريكا عن العالم في التعامل مع جائحة "COVID-19"، وكلما لحق بها المزيد من الضرر في هذا المجال أيضًا.

وأخيراً وليس آخراً، لم تمنع الجائحة النساء من الإنجاب، ولكن العديد منهن يفعلن ذلك الآن في جو من عدم اليقين الاقتصادي الهائل والإجهاد النفسي المرتبط بفيروس كورونا. تظهر مجموعة متزايدة من الأبحاث أن كل أشكال الإجهاد النفسي له آثار ضارة على نمو الجنين والطفولة المبكرة، مع عواقب طويلة الأجل على صحة الطفل الجسدية وإمكانيته الإدراكية ونضجه العاطفي، وفرص الحياة الشاملة. مرة أخرى: لا شك أن هذه الآثار الضارة موجودة في كل بلد انتشر فيه فيروس كورونا، ولكن الضرر سيكون أكبر في البلدان التي لم تسيطر على الفيروس بعد. وتلك هي أمريكا.

يختتم عالم السياسة وولت مقالته بالقول: " لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بعدد من المزايا الهامة مقارنة بالقوى الكبرى الأخرى، بما في ذلك الموارد الطبيعية الوفيرة، والاقتصاد الذي لا يزال مبتكراً، والمناخ المعتدل (على الأقل حتى الآن)، والموقع الجيوسياسي المواتي للغاية. وهذه الصفات تجعل النجاح على المدى الطويل أكثر احتمالاً ولكنها لا تضمنه. وتواجه البلاد أيضاً عدداً من المنافسين الخطرين – وأبرزهم الصين التي لا تزال صاعدة – ولكن العقود الأخيرة أثبتت أن الأمريكان يبقون عدو أنفسهم الأسوأ. لم يتعمد ترامب عن عمد ووعي بتدمير الولايات المتحدة - ونسف فرصه لإعادة انتخابه – ولكن لم يستطع أن يساعد نفسه. أما بقيتنا – وخاصة أولادنا وأحفادنا – فسيعانون من العواقب".