الثلاثاء  27 تشرين الأول 2020
LOGO

جدار العرب / عبد الرحيم الشيخ

2020-08-24 02:28:47 PM
جدار العرب / عبد الرحيم الشيخ

 

في الرابع من آب، في "عام الوباء"، انفجر قلب بيروت كاشفاً عن أكبر احتياطي عالمي للفساد في مرفئها. وفي الثالث عشر من آب، في "عام الوباء" أيضاً، انفطر قلب القدس، التي لا مرفأ لها، كاشفاً عن أكبر احتياطي للخسَّة السياسية في "اتفاق أبراهام." وفي تاريخ لاحق، من آب نفسه في "عام الوباء" نفسه، انكسر قلب مفاوض أسطوري حين أوجز مرارته وصدمته العاطفية خلال "اجتماع القيادة" في رام الله، ببلاغة الخاسر التي تشبه بلاغة دانيال في صحيفة توراتية بالية: "مكة لإسماعيل، والقدس لإسحق"، وللفلسطيني الصليب، بلا جلجلة.

كائنات غريبة من السياسيين تملأ الفضائيات تحاول "عقلنة" ما حدث، وكائنات أكثر غرابة من الإعلاميين تحاول "شرح" ما يحدث، وكائنات غاية في الغرابة من المثقفين لا تزال "تتأمل" ما سيحدث... ولو كان للعرب كافكا، لأعاد حوارية التردِّي: "نحن أفكار عدمية، أفكار انتحارية دارت في ذهن الله،" مذكراً رفيقه بنيامين بالفكرة العرفانية أن الله هو الخالق الماكر، وأن العالم هو لحظة سقوطه. ثم يستدرك كافكا: "لا، لا، عالمنا مجرد مزاج سيء لله، يوم من أيامه السيئة..." بل شهر كامل هو آب، أو عام كامل هو عام الوباء 2020. فـ"العرب"، بين قوسين، وفي طليعتهم "الفلسطينيون"، بين قوسين أكثر قتامةً، لم يعودوا قادرين على قراءة "الكتابة على الجدار،" لا لندرة في الأيدي المبتورة الكاتبة (فأشلاء الضحايا تملأ الشاشات)، ولا لصعوبة فكِّ شيفرة الكتابة (فالمترجمون كثر، والترجمات أكثر)، ولا لضعف في القدرة على القراءة (فالذكاء الصناعي اختصر المسافة على الأميين كلِّهم)... بل لأن جدران العرب كلها قد انهارت.

 

كائنات غريبة من السياسيين تملأ الفضائيات تحاول "عقلنة" ما حدث، وكائنات أكثر غرابة من الإعلاميين تحاول "شرح" ما يحدث، وكائنات غاية في الغرابة من المثقفين لا تزال "تتأمل" ما سيحدث

 

أما إسرائيل، بلا قوسين يوقظان التحرُّز من حروفها وحدودها، فالجدران صنْعتُها التي دشَّنتها موهبة الدين وصقلتها حرفة التاريخ. ففي العام 1923 أكمل صهيوني أول، أوكراني يُدعى زئيف جابوتنسكي، سليل أوديسا وفكرتها، تنظيراته حول "المسألة العربية" مقترحاً استراتيجية "الجدار الحديدي" الذي مؤدَّاه أن الفلسطينيين لن يتخلوا عن وطنهم طواعية لصالح الكيان اليهودي، بل سيعملون على مقاومته؛ وأن المهمة العظمى للحركة الصهيونية، ومن بعدها دولة إسرائيل، تتجلَّى في بناء "جدار حديدي" يحول دون تحقيق الفلسطينيين رغبتهم في تصفية الكيان اليهودي، وهذا ما أمَّنه وعد بلفور ومن بعده "صك الانتداب"، والحاضنة الدولية للأمم المتحدة حتى "صفقة القرن"؛ وأنه سيتم تكريس حالة العجز عن اقتحام "الجدار الحديدي" بإحداث رضَّة في الوعي الفلسطيني، حدَّ صهره، تقود دوماً إلى التسليم بالسيطرة الصهيونية التي تعززها قوة الردع المتنامية التي أطلق عليها صهيوني ثانٍ، روسيٌّ يُدعى يغال ألون: "الردع المتراكم."

ردعت إسرائيل "العرب" تراكمياً، ولا تزال، لكن صهيونياً ثالثاً، بولندياً يدعى شمعون بيرس، اقترح في العام 1976 إلباس "الجدار الحديدي" قفَّازاً مخملياً، تقيم بموجبه إسرائيل "الجدار الطيِّب" في جنوب لبنان، يتضمن قبول من وقع عليهم الاستعمار بالاستعمار، والتعاون معه بغية تحسين أوضاعهم المعيشية مقابل أن يقوم وكلاء محليون بقتال منظمة التحرير الفلسطينية وقوى المقاومة اللبنانية، لحفظ أمن المحتلين لا اللبنانيين عبر "حزام أمني" يحرسه جنود عرب برتب ورواتب إسرائيلية. وبعد سنتين في العام 1978، أعطى صهيوني روسي رابع، يُدعى ميناحيم بيغن، لأشقاء ضحايا "الجدار الطيِّب" على حدود "بلاده" الجنوبية-الغربية في مصر وصفةَ خصاءٍ سياسي اسمها "كامب ديفيد" أخرجت جامعة الدول العربية من مصر وأخرجت مصر من جامعة الدول العربية، وامتلأت القاهرة قهراً، ومثلها عواصم العرب وقلوبهم.

عبَّر محمود درويش عن ذلك السقوط بـ"اللحظة العربية المريضة،" وأطلق صرخة الفلسطيني التائه، الذي لم يشفع له دفاعه المستميت عن جدار بيروت:

"أنا لا أريد دعاءكم،

أنا لا أريد سـيوفـــــــكم،

 فدعاؤكم ملحٌ على عطشي،

وسيفكمُ عَلَيّ"

لكن تلك اللحظة العربية تناسخت فلسطينياً في العام 1993، حين هندس الصهيوني البولندي نفسه (شمعون بيرس)، وشاركه صهيوني خامس، روسي يُدعى إسحق رابين، اتفاق أوسلو، أكثر لحظات الفلسطينيين اعتلالاً في القرن العشرين... وتبعه اتفاق أردني. اكتملت نبوءة "الجدار الحديدي" برضَّة كبرى في الوعي والروح شكَّلت "جداراً حريرياً" بناه الفلسطينيون حول أعناقهم ابتداء بالتوقيع السياسي، ومروراً بالتطبيع الاقتصادي، وانتهاء بالتنسيق الأمني... فيما توَّج صهيوني سادس، هجين النسب، بولندي-روسي يُدعى أرئيل شارون، عمليات "الدرع الواقي" في العام 2002 بـ"جدار الفصل والضم،" جدار أضاف للحديد إسمنتاً كثيراً، وتراكمَ ردع، وصدأ.

 

 

أما الفلسطينيون، وبخاصة أصحاب الأناقة الفكرية منهم، فلم يتركوا "فتحة طوارئ" إلا وأحالوها منفذَ خلاص للهروب من مسؤولية بناء جدار ردع ثقافي يواجه جدران إسرائيل

 

حينها، استغاث روائي صهيوني سابع، عربي الأم يُدعى أبراهام بولي يهوشواع، بالفلسطينيين أن يساعدوا الصهاينة على تطبيع العلاقة مع أنفسهم، إذ لم يسعفهم فائض القوة الإسرائيلية أمام فائض الحق الفلسطيني الذي لم تنجح "الاتفاقية" في طمسه. حينها، قال يهوشواع إن الصهاينة لم يتعلموا من أخطائهم الانتحارية في التاريخ، فشعب الأنبياء والكوارث، كما وصفه مرَّةً، يحسن بناء الجدران، وأبراج المراقبة، وينسى فتحة الطوارئ، كل مرَّة، فتحل به اللعنة من جديد: من "طور سيناء" حتى "معسكر أوشفيتس."

أما الفلسطينيون، وبخاصة أصحاب الأناقة الفكرية منهم، فلم يتركوا "فتحة طوارئ" إلا وأحالوها منفذَ خلاص للهروب من مسؤولية بناء جدار ردع ثقافي يواجه جدران إسرائيل، وانهزامات الرسمية العربية والفلسطينية. حينها، ظهر في رام الله السعيدة من جعل "التحوُّل الديمقراطي" ممكناً تحت حراب الاحتلال، إلى أن انحالت ساحات المجلس التشريعي الفلسطيني وردهاته (بفعل فاعل) إلى فضاء ديمقراطي فعلي لجمع: الغبار، والأكياس البلاستيكية، وكاسات الكرتون الفارغة؛ وظهر في رام الله، كذلك، من سخر من "الشعارات الثورية" مدَّعياً أن مرحلة الثورة الفلسطينية قد انتهت وأن الفلسطينيين انتقلوا إلى مرحلة الاستقلال وبناء الدولة على "حدود" الرابع من حزيران 1967؛ وظهر في رام الله، كذلك، من يعادي حركة مقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها من كبار "أصحاب" المؤسسات الثقافية الذين يكتبون بالإنجليزية ويترجم لهم موظفوهم إلى العربية ليبدون أكثر أصالةً وأصلانية... متذرعين بأن "قيادة بي دي إس" غير منتخبة وينبغي "تطوير معاييرها"؛ وظهر في رام الله، كذلك، من ممثلي السلطة الفلسطينية، على المستويين التنفيذي والقضائي، من قال حرفياً: "نريد أصدقاء لفلسطين، لا أعداء لإسرائيل"، وزجُّوا بنشطاء حملة المقاطعة ومقاومة التطبيع في السجن بتهمة "التسوُّل"! وظهر في رام الله، كذلك، من جعل من مقولة المقدسي الراحل فيصل الحسيني "زيارة السجين، لا تعني التطبيع مع السجَّان" حديثاً قدسياً يعاد بثُّه، على لسان الرئيس الفلسطيني، مراراً وتكراراً، وبشكل يومي على شاشة التلفزيون الرسمي، فيما يردد مستشاره الديني حديث "... فابعثوا بزيت يسرج في قناديله" داعياً "الأشقاء العرب إلى زيارة القدس، استناداً إلى ما دعا إليه ولي الأمر."

أما اليوم، وبعد اتفاقية "أبراهام،" التي أعلنت مؤخراً بين دولة البقايا-إسرائيل و"دولة ما تبقَّى"، اللتين صنعتهما السياسة ولم يصنعهما التاريخ، فقد اختلف المزاج السياسي والثقافي في رام الله، التي لم تعد سعيدة كسابق عهدها

أما اليوم، وبعد اتفاقية "أبراهام،" التي أعلنت مؤخراً بين دولة البقايا-إسرائيل و"دولة ما تبقَّى"، اللتين صنعتهما السياسة ولم يصنعهما التاريخ، فقد اختلف المزاج السياسي والثقافي في رام الله، التي لم تعد سعيدة كسابق عهدها. لقد ارتخى جدار رام الله الحريري برذاذ الاعتدال الخريفي القادم: فقد صمت، على ما يبدو، دعاة التحوُّل الديمقراطي؛ وانضم دعاة "مرحلة الاستقلال الوطني ودولة الأمن والمؤسسات،" على ما يبدو، إلى جموع المنادين من "الطرفين" بالدولة الواحدة بمن فيهم رئيس وزراء سابق لم يقم دولةً ولم ينهِ احتلالاً؛ وعلَّقت "لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي،" على ما يبدو، نشاطها مؤقَّتاً من باب "لا تنه عن خُلق وتأتيَ مثله، عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ"؛ وأُرجئ الإعلان الرسمي، على ما يبدو، عن عودة "التنسيق الأمني المقدَّس"؛ وصار معدُّو فواصل الدعاية في التلفزيون الرسمي، على ما يبدو، يقتبسون أشعار مظفر النواب عوضاً عن صياغات "ملاك السلام"؛ والتأم الشمل الفلسطيني، على ما يبدو، في "اجتماع القيادة" دون أن ينتهي الانقسام ... أما أصحاب الأناقة الفكرية، من أبناء منظمة التحرير الفلسطينية، وقرَّاء إدوارد سعيد الذي لم يكن اعتذارياً في وصف أوسلو بأنها "فرساي فلسطينية" و"خيانة للتاريخ"... فلا زالوا عاجزين عن تحميل الرسمية الفلسطينية المسؤوليةَ الرسمية عما حدث. لا زالوا عاجزين عن مخاطبة الرئيس الفلسطيني وقد غرق مشروعه السياسي في "سراب رام الله"، بالمقولة العربية القديمة، "يداك أوكتا وفوك نفخ."   

لا شك أن اللحظة الفلسطينية والعربية لا تحتمل التلاوم، بل تقتضي "رصَّ الصفوف،" كما يقولون. لكن اللحظة، كذلك، لا تحتمل النفاق السياسي، إذ على المثقفين، من أصحاب الأناقة الفكرية وغيرهم، أن يبدأوا بترميم الجدار الثقافي العربي (الفلسطيني في روحه) الذي وعى ولا زال يعي أن إسرائيل شرٌّ مطلق، سواء طبَّع العرب معها أم لم يطبِّعوا؛ وأن الرجعيَّات العربية والفلسطينية تتغير شخوصها ولا تغيير مواقفها؛ وأن الإمبريالية الأمريكية لن تأتي للفلسطينيين ولا لغيرهم بالخلاص، بل غاية أمانيها الخلاص منهم. إن كل مثقف عرف إدوارد سعيد، ويعجز اليوم عن نقد السلطة الفلسطينية والسلطات العربية، لا يعوَّل عليه، وهو جزء من المشكلة لا جزء من حلِّها. فقد عادت هذه السلطات المشروع الثقافي التحرري الذي كان ولا يزال عصياً على التبعية، والذي كان ولا يزال لا يتحدث إلا بالعربية وإن فرض عليه معرفة لغات الجوار الفارسي والرومي والتركي، وما لزم من لغات المستعمرين: إنجليزية، وفرنسية، وعبرية... ولذا، لا بدَّ، في فلسطين وخارجها، من تحقيق النصاب الأخلاقي حتى يتحقق النصاب الثقافي، ولا بدَّ من اجتماع الاثنين حتى يتحقق النصاب السياسي. عندها، وعندها فقط، نعود إلى "جذر الصراع،" لا بين "مطامح" الصهاينة و"مطالب" الفلسطينيين، بل بين مشروع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ومشروع التحرر الوطني الفلسطيني... بغير ذلك، فلينتظر الفلسطينيون والعرب، اتفاقيات قادمة لن تكفي تسمياتها الاستشراقية دزينة أخرى من أنبياء بني إسرائيل وأسباطهم!