الخميس  03 كانون الأول 2020
LOGO

اشتراطات التمويل الجديدة ومستقبل الفضاءات المدنية في فلسطين/ بقلم: عدي أبو كرش

2020-10-20 10:30:39 AM
اشتراطات التمويل الجديدة ومستقبل الفضاءات المدنية في فلسطين/ بقلم: عدي أبو كرش
عدي أبو كرش

عكفت المؤسسات الأهلية الفلسطينية عبر عقود عملها  على  تحسين الفضاءات المدنية، وخلق مساحات تفاعلية آمنة للجمهور الفلسطيني، وقد تبلور معظم عملها باتجاه تعظيم الحريات العامة، والضغط بشأن تعزيز سيادة القانون والنظام، وشراكة الجمهور الفلسطيني في صناعة القرار وفي الرقابة على مؤدي الخدمات العامة إلى جانب عملها في رصد ومتابعة التعديات على حقوق الإنسان، والعنف على أساس خصائص الهوية.

وعملت هذه المؤسسات -باختلاف طبيعة التحفظات على نشاطها- كمحرك تفاعل بين مختلف المكونات المجتمعية، بهدف حماية مصالح جمهورها المستهدف في القدرة في الوصول إلى الخدمات العامة، ومناهضة علاقات القوة بين الطبقية، والتوعية الحقوقية، والتمكين والتنمية الاجتماعية والاقتصادية. 

 عانت المؤسسات الأهلية لاحقاً لنشأتها الأولى عدداً من الأزمات طالت شرعيتها وذلك بوصمها تارة بتبنيها "أجندات" غربية، وبالتالي اللاعضوية في مجتمعها، وتارة بضعف الأثر المتحقق في مقابل المستثمر من الأموال، ومع تنامي الاصطفاف في داخل المجتمع الفلسطيني لاحقاً للانقسام السياسي، أصبحت المؤسسات الأهلية أكثر عرضة للتوصيم، وأقل اثراً في هذا الخصوص، وذلك لوجود خلافات بنيوية، واجتماعية تعيق تدخلاتها المدنية.

 وخلافاً لما يجري في  الكثير من دول العالم، فقد حظيت المؤسسات الأهلية باهتمام مؤسسات الدولة الفلسطينية من حيث التشريع والممارسة والذي - وإن اختلف البعض حول ذلك-  برأيي ساهمت في ديمومتها وتطورها، فيما كانت أوروبا على وجه التحديد، والشركاء الدوليين يشكلون الركيزة الرئيسية في إسناد القطاع الأهلي مالياً، وتعظيم صوتها في المستوى الدولي، وذلك انسجاماً مع دورهم في منظومة الشرعية الدولية والمتمثل في حماية القيم الديمقراطية، والحريات العامة، والحريات الفردية، والإدماج، والتعددية الفكرية.

 وعلى الرغم من أن التجارب المختلفة حول العالم، خاصة في أوروبا أوجدت نماذج مؤسسات أهلية تتبع أحزابا سياسية، غلا أن المؤسسات الأهلية الفلسطينية حافظت على حيادها واستقلالها عن التبعيات الحزبية والفصائلية، إنفاذاً للقانون الفلسطيني، مع احتفاظها بأجندتها السياسية، والإنسانية، والتي لا تكاد إحداها تخلو من حلم تقرير المصير، وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة، وحرية الإنسان الفلسطيني، ورفاهه، وذلك ليس بمعزل عن للقانون الدولي.

شهد قطاع المؤسسات الأهلية في الأشهر القليلة الماضية، صرامة في شروط التمويل، في الوقت الذي تضاعفت فيه الأزمات السياسية والاجتماعية في المجتمع الفلسطيني، ما شكل خيبة أمل كبيرة من الحليف، وتضاؤل الأمل في مستقبل الأثر المتوقع من هذه المؤسسات، سيما أن هذه الشروط تخلق ثلاثة شروخ كبيرة في قطاع العمل الأهلي على النحو التالي:

 أولاً| الاستقطاب على أساس الموقف من تلك الشروط، والذي يقود إلى تشظي وحدة المجتمع المدني، وإيجاد مساحات استقطابية في داخله، وبالتالي إضعاف نتائج  تدخلاته.

ثانياً| تراجع شرعية المؤسسات في نظر مستفيديها، وهذا سوف يساهم مستقبلا في ضعف الشراكة المدنية ضمن برامج المؤسسات الأهلية، وانحسار المساحات التفاعلية، بين الجمهور الفلسطيني.

 وثالثها| الخلافات القانونية على أساس تضارب تلك الشروط مع القانون الفلسطيني.

وهنا لا بد لنا من التفكير عميقاً في انعكاسات تلك الشروط وآثارها المتوقعة على المشهد المدني الفلسطيني في المراحل القادمة، والذي بظني سوف يكتنف تلقائياً على انخفاض قدرة المؤسسات الأهلية على العمل مع قطاعات موسعة من المجتمع الفلسطيني، وبالتالي تراجع قدرتها على إحداث الوعي الحقوقي المدني، وتراجع قدرتها على الضغط والمناصرة في الفضاء العام، وصعوبة تدخلها في إحداث تفاعلات مدنية نتيجة للاصطفاف الحاصل على شرعيتها.

لقد تمتعت المؤسسات الأهلية الفلسطينية، بحرية كبيرة وتصدرت مشاهد تغيير بنيوي، واجتماعي على مدار سنوات عملها، غير أن أي تسييس لعمل تلك المؤسسات يضعها مباشرة في موقع التناقض مع قوى مختلفة، وإضعاف حياديتها، ووضعها موضع الطرف الذي يسترعي التحالف معه أو ضده وبالتالي تراجع قدرتها في التأثير، وتراجع هامش الحرية التي حظيت بها.

 برأيي أن الاشتراطات التمويلية الجديدة تعزز من عزلة المؤسسات الأهلية، وتضيق المساحات المدنية، وتزيد من الاستقطاب والتشظي في قطاع العمل الأهلي بصفة عامة، وتفقد هذه المؤسسات مبرر حيادها، بل تزج بها في خضم جدلية (إما /أو)  التي كافحتها هذه المؤسسات طوال فترة عملها، ما يبقي القلق الفلسطيني، حاضراً فيما إذا كانت اشتراطات الحليف سوف تفتح الباب واسعا أمام تسابق اليمينيين بشأن تغليظ تلك الشروط في محاولة لكسب ولاءات ناخبيهم ما ينذر بانهيار المجتمع المدني بشكل كامل في المستقبل القريب. 

وختاماً لا بد من طرح أسئلة من أهمها، هل تخلى الشركاء الدوليون عن فكرة المجتمع المدني الحيادي غير المحزب؟  أم أن الحليف الأوروبي قد تغيرت أجندته بخصوص التعددية، وحماية حقوق الإنسان؟  وهل سنشهد غيابا لبعض الممولين الذين تعهدوا بحماية الحلم الفلسطيني في بناء دولته المستقلة على أسس الشرعية الدولية، وماهو الدور الدبلوماسي في شقيه الرسمي والشعبي لحماية منجزات هذا القطاع؟ الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها، لا تقع على عاتق هذا المقال، وإنما جمهور المتفكرين في  حلم الفلسطيني ببناء دولته وتقرير مصيره.