الإثنين  25 كانون الثاني 2021
LOGO

مختل أسود.. محتل أبيض/ بقلم: محمد عيد

2020-11-23 10:46:51 AM
مختل أسود.. محتل أبيض/ بقلم: محمد عيد
محمد عيد

يعتريني شعور بالإعجاب بمدى نضج عمق ووضوح خطط وبرامج المحتل في صياغة علاقة أحادية معنا على المستويين الرسمي والشعبي. يحيلني هذا إلى العودة لأدبيات العديد ممن تحدثوا تحليلا وتوصيفا لماهية العلاقة التي تربط المستعمر -بكسر الميم- مع المستعمر -بفتحها-، تلك العلاقة التي أزعم بأن أهم من عبر عنها بمجالها الفلسفي والنفسي هو الثائر الأممي "فرانز فانون" من خلال كتاب "معذبو الأرض wretched of the Earth" وكتاب "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء Black Skin,White Masks". استئناف العلاقة مع المحتل دون الربط الموضوعي بالحالة الراهنة على الأرض والمتمثلة بانتهاك واستباحة كل ما عليها، يجعلني مضطرا بالضرورة لتذكير أصحاب القرار بإرث الشعوب المحتلة ومناصريها، مناضليها وفلاسفتها، لا لشيء سوى لمحاولة محاكاة تجارب شعوب عانت كما نعاني من ويلات ومكائد هذا المحتل الفاشي المجرم في سبيل أخذ الدروس والعبر. 

يحاول المحتل بين فترة وأخرى وفقا لموقفه تجاه قضاياه المرتبطة بالفتك بنا، إشعارنا بأننا ندٌ له من خلال التعامل معنا تارة بالأطر الرسمية-البروتوكولات- وتارة أخرى عبر تفعيل وإحياء قنوات اتصال لم تغلق مع شخصيات اجتماعية بالية كالمخاتير ورجال العشائر والعائلات ورجال المال والأعمال!

للاحتلال مصلحة جمة في بناء كيانات هرمية تشبهه من حيث تكوينها وبنيتها، فتجده يدعم بإسناد ملفت أي اتجاه يحاكيه بغية منه لتفويض بعض من أعبائه إلينا، مما يعني أنه لم يتوقف مطلقا عن تجسير علاقته مع شخوص على شاكلته حاثا اياهم على القيام بدور القيادة المجتمعية! بجانب هذا وذاك، يتم وبشكل ممنهج الفتك بالهوية الوطنية الأصيلة وإحلالها بغيرها عبر برامج أسرلة منتظمة محبذا إقحام أوسع قاعدة فلسطينية مجتمعية بتلك النشاطات، الأمر الذي يفضي إلى حالة من الانقطاع عن الموروث العربي الفلسطيني وإخلاله بالإسرائيلي، أي أن إعادة صياغة الإنسان الفلسطيني باتت هدفا استراتيجيا لهذا الاحتلال الغاشم. ما فتئ يذكرنا الاحتلال بين فينة وأخرى أننا الطرف الهش المترهل، مما يعني أنه صاحب المنة واليد ذات الفضل على وجودنا، ذلك بمحاذاة بسط وغرس ثقافة التمايز بينه وبيننا بمنطق "إلزم نفسك أيها الفلسطيني غير اللائق للحياة" ومنطق التعنصر المعشش في عقليته "الأخيار والأغيار". على متخذي القرار السياسي أن يعلموا يقينيا بأن الاحتلال يريدنا أن نكون كما يحب هو أن نكون وهو يسعى جاهدا لأن نصاب بداء مركب المقص" inferiority complex" التنسيق الأمنى يسعى لهذا المبتغى بالأساس، وما يجعلني أرجح ذلك هو ببساطة يتمثل في أنه نجح في غرس مفاهيم حديثة بحداثة أوسلو في أذهاننا "كالتنسيق الأمنى" وغيرها من مفردات مستحدثة احتلاليا.

آمل من المستوى القيادي لدينا أن يقوموا بمراجعة الأداء سيما ذلك المتعلق بالتعامل مع الآخر الذي تهيمن عليه ثقافة الإسرائيلي الأبيض والفلسطيني الأسود.

أختم قولي أنني أزعم أن الخلل أعمق من اختزاله بالمستوى القيادي والفصائلي، إذ أن على الشعب أيضا التحرر من شعور الريبة والخوف من الاحتلال وأعوانه على حد سواء.