الثلاثاء  26 كانون الثاني 2021
LOGO

ترجمة لما جاء في كتاب أرض الميعاد لباراك أوباما (1)/ ترجمة: عبد الله أبو شاويش*

2020-12-17 10:02:39 AM
ترجمة لما جاء في كتاب أرض الميعاد لباراك أوباما (1)/ ترجمة: عبد الله أبو شاويش*
غلاف كتاب "أرض الميعاد"

 

بتاريخ 17 نوفمبر 2020، أصدر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما مذكراته، التي تحدث فيها عن فترة حكمه وما تخللها من أحداثٍ جسام. الصين والشرق الأوسط وإيران وأوروبا كانت جميعها جزءا أساسيا في أجندة عمله. المهتمون والدارسون والسياسيون تهافتوا على اقتناء هذا الكتاب وقراءته، أو على الأقل تصفح الأجزاء الخاصة بهم، المعارضون السياسيون أيضا وظفوا ما يمكن توظيفه مما جاء في هذه المذكرات لخدمة أهدافهم السياسية.

القضية الفلسطينية حظيت بنصيب في مذكرات أوباما، وتحديداً في الفصل الخامس والعشرين، وفيها تطرق بشكل عام لمجريات الأحداث، ومحاولاته تحريك المفاوضات السياسية التي ورثها متوقفة عن سلفه.

مذكرات أوباما هي إضافة جديدة ومهمة لمكتبة السياسيين والدارسين والمحللين الفلسطينيين لمعرفة طرق وآليات عمل ودوافع السياسة الأمريكية الخارجية، والتي نحن أحوج ما نكون لمعرفتها وسبر أغوارها بطرق علمية قائمة على القراءة والتحليل، في ظل صراع غير متكافئ بيننا وبين دولة الاحتلال، إسرائيل.

التالي، ترجمة للجزء المتعلق بفلسطين من كتاب الرئيس الرابع والأربعون للولايات المتحدة الأمريكية باراك حسين أوباما.

 

على مدى يومين مارثونيين قضيتهما في إسرائيل والضفة الغربية، التقيت خلالهما بشكل منفصل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس، فعلت كل ما بوسعي كي أفهم ليس فقط المنطق، بل العواطف الكامنة وراء صراع قديم وعصي عن الحل. في سيديروت استمعت للأهالي الذي وصفوا رعب القذائف الصاروخية التي تطلق من غزة وتسقط على بعد أمتار قليلة من غرف أطفالهم، وفي رام الله سمعت الفلسطينيين يتحدثون عن الإهانات اليومية التي يتعرضون لها على نقاط التفتيش الأمنية الإسرائيلية.

كانت لدي مجموعة كبيرة من الأفكار في ذهني صباح يوم 24 يوليو، وذلك عندما وصلت إلى حائط المبكى في القدس، والذي بني قبل ألفي عام لحماية جبل الهيكل المقدس، ويعتبر بوابة إلى الألوهية، ومكانا يَقبل فيه الله صلوات الجميع.  منذ قرون اعتاد الحجاج من جميع أنحاء العالم كتابة صلواتهم على قطع من الورق وحشوها في شقوق الجدار، وهذا ما فعلته صباحاً في غرفتي بالفندق، حيث كتبت صلاتي على قطعة من ورق الفندق.

 افترضت أن هذه الكلمات كانت بيني وبين الله فقط، ولكن في اليوم التالي كانت هذه الكلمات منشورة في صحيفة إسرائيلية قبل أن تُنتشر إلى الأبد عبر الإنترنت

في ضوء الفجر الرمادي، محاطاً بالمضيفين الإسرائيليين والمساعدين ورجال الحماية وكاميرات الإعلاميين، أحنيت رأسي أمام الجدار، فيما قرأ حاخام ملتحي مزمور يدعو للسلام في المدينة المقدسة، وكما جرت العادة، وضعت يدي على الحجر الجيري الناعم، وأنا في تأمل صامت، ثم حشوت قطعة الورق الخاصة بي ودفعتها عميقاً في شق في الجدار، والتي كتبت فيها "يا رب، إحميني وعائلتي وسامحني على خطاياي، وساعدني على الاحتراز من الكبرياء واليأس، أعطني الحكمة لأعمل الصواب والعدل واجعلني أداة لمشيئتك".  افترضت أن هذه الكلمات كانت بيني وبين الله فقط، ولكن في اليوم التالي كانت هذه الكلمات منشورة في صحيفة إسرائيلية قبل أن تُنتشر إلى الأبد عبر الإنترنت، من الواضح أن أحد المارة سحب ورقتي من الشق العميق عقب مغادرتنا، وهذا تذكير بالسعر الذي جاء مع الصعود للمسرح العالمي، حيث كان الخط الفاصل بين حياتي الخاصة والعامة يتلاشى، وأَصبَحت كل فكرة أو إيماءة، جزء من الاهتمام العالمي، فقلت لنفسي، يجب أن تعتاد على ذلك، إنه جزء من الصفقة.

 

الفصل الخامس والعشرون

مع نهاية العام 2010، لو سألني أي شخص أين ستحدث الأزمة الرئيسية القادمة في الشرق الأوسط، لقدمت له قائمة غنية من الاحتمالات، واحدة من ضمن هذه الاحتمالات، والتي تأتي بعد العراق وإيران واليمن، هي القضية الفلسطينية، مع وجود مئات الأميال من الحدود المتعرجة والمُتنازع عليها والتي فصلت إسرائيل عن الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.  إن الصراع بين العرب واليهود كان قرحاً مفتوحاً في المنطقة منذ قرن، ويعود تاريخه إلى عام 1917، أي وعد بلفور، حينما كان البريطانيون يحتلون فلسطين، والتزموا بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي، في منطقة ذات أغلبية ساحقة من العرب، وخلال عشرين سنة وأكثر حشد القادة الصهاينة، موجة من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ونظموا قوات مسلحة مدربة تدريباً عالياً للدفاع عن المستوطنات.  وفي العام 1947، وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية وفي ظل الهولوكوست؛ الجريمة التي لا توصف، أقرت الأمم المتحدة خطة التقسيم لإقامة دولتين مستقلتين، واحدة يهودية والأخرى عربية، فيما تُدار القدس؛ المدينة التي تُعتبر مقدسة للمسلمين والمسيحيين واليهود على حد السواء، من خلال هيئة دولية. القادة الصهاينة احتضنوا الخطة، ولكن الفلسطينيين العرب، والعالم العربي المحيط الذي خرج للتو من تحت الاستعمار رفضوها بشدة، ومع انسحاب البريطانيين، انخرط الجانبان في الحرب، وبإعلان الميليشيات اليهودية النصر عام 1948، فإن دولة إسرائيل ولدت بشكل رسمي.

بالنسبة للشعب اليهودي، فإن هذا حلمٌ قد تحقق، دولة لهم على أرضهم التاريخية بعد قرون من المنفى والاضطهاد الديني وأهوال الهولوكوست الأخيرة.  لكن بالنسبة لسبعمائة ألف عربي فلسطيني تقريبا، وجدوا أنفسهم بدون دولة وأخرجوا من أرضهم، فيما عرف بالنكبة.  في العقود الثلاثة اللاحقةـ انخرطت إسرائيل في سلسلة من النزاعات مع جاراتها العربية، أبرزها حرب الأيام الستة في العام 1967، حيث هَزم الجيش الإسرائيلي فائق العدد جيوش مصر والأردن وسوريا مجتمعة، في عملية سيطرت فيها إسرائيل على الضفة الغربية وشرق القدس من الأردن، وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء من مصر، ومرتفعات الجولان من سوريا. ذكرى هذه الخسائر والذُل الذي صاحبها أصبح وجهاً محدداً للقومية العربية، وأصبح دعم القضية الفلسطينية ركيزة أساسية في السياسة العربية الخارجية.

في نفس الوقت، فإن الفلسطينيين الذي يعيشون في الأراضي المحتلة، أغلبهم في مخيمات لاجئين، وجدوا أنفسهم تحت حكم جيش الدفاع الإسرائيلي، مع تقييد لحركتهم ونشاطاتهم الاقتصادية بشدة، الأمر الذي أثار الدعوات للمقاومة المسلحة، وأنتج قيام منظمة التحرير الفلسطينية.  شَجَبَ السياسيين العرب، وبشكل روتيني، إسرائيل، وغالباً بعبارات لا سامية واضحة، فيما احتضنت معظم الحكومات في المنطقة، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عرفات، كمقاتل من أجل الحرية، حتى مع تورط منظمته وأتباعها في التصعيد والهجمات الإرهابية الدموية ضد مدنيين عزل.  الولايات المتحدة لم تكن متفرجة في كل هذا، اليهود الأمريكيون عانوا عقودا من التمييز في بلدهم، ولكنهم وغيرهم من الذين هاجروا إلى إسرائيل من الغرب لا يزالوا يتشاركون اللغة والعادات والمظهر مع إخوتهم المسيحيين البيض، وبالمقارنة مع العرب فإنهم أي اليهود، لا يزالوا يتمتعون بتعاطف أكثر من قبل عامة الأمريكيين.  كان هاري ترومان أول رئيس أجنبي يعترف بشكل رسمي بإسرائيل كدولة مستقلة، فيما ضغطت الجالية اليهودية على المسؤولين الأمريكيين لمساعدة الأمة الوليدة.  مع تنافس القوتين العظمتين في الحرب العالمية الباردة في العالم للتأثير على الشرق الأوسط، فإن الولايات المتحدة أصبحت حليف إسرائيل الأساسي، وبهذا فإن مشكلة إسرائيل مع جيرانها أصبحت مشكلة الولايات المتحدة أيضا.

بشكل عملي، فإن كل رئيس للولايات المتحدة حاول أن يجد حلاً للصراع العربي الإسرائيلي، مع نسب متفاوتة من النجاح.  اتفاقيات كامب ديفيد التاريخية التي تم التوصل إليها بواسطة جيمي كارتر في العام 1978، حققت السلام الدائم بين مصر وإسرائيل وأعادت سيناء للسيطرة المصرية.  هذه الاتفاقية التي مُنحت بموجبها جائزة نوبل للسلام لكل من رئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيجن، والرئيس المصري أنور السادات، ونقلت مصر بعيداً عن الفلك السوفيتي وجعلت من البلدين شريكين أمنيين مهمين للولايات المتحدة الأمريكية، وأكبر متلقين للمساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية في العالم.  لكنها، أي الاتفاقية تركت الموضوع الفلسطيني بغير حل، خمسة عشر عاماً بعدها ومع نهاية الحرب الباردة وفيما النفوذ الأمريكي في قمته، جمع الرئيس بيل كلنتون، كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين وعرفات سويا لتوقيع اتفاقية أوسلو الأولى.   فيها اعترفت أخيراً منظمة التحرير الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود، بينما اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ووافقت على إقامة السلطة الفلسطينية التي لديها حكم محدود، ولكنه ذو معنى على الضفة الغربية وقطاع غزة.

الأردن تبعت مصر ووقعت معاهدة السلام الخاصة بها مع إسرائيل، وفرت أوسلو إطاراً لإنشاء دولة مستقلة في نهاية المطاف، دولة تتعايش بشكل مثالي مع إسرائيل آمنة وفي سلام مع جيرانها، ولكن الجروح القديمة وإغراءات العنف غلب التسوية عند الفصائل من كلا الجانبين.  رابين تم اغتياله بواسطة متطرف يميني إسرائيلي  في العام 1995.  وخدم خليفته الليبرالي، شمعون بيرس، لمدة سبعة أشهر قبل أن يخسر في الانتخابات المبكرة أمام بنيامين نتنياهو من الجناح اليميني وتحديداً حزب الليكود، الذي تضمن برنامجه يوماً الضم الكامل للأراضي الفلسطينية.  المنظمات المتشددة غير الراضية عن اتفاقيات أوسلو، مثل حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين شرعوا في تقويض مصداقية عرفات وحركة فتح بين الفلسطينيين داعين إلى الكفاح المسلح لاستعادة الأرض العربية وإلقاء إسرائيل في البحر.

عقب هزيمة نتنياهو في انتخابات 1999، فإن إيهود باراك الذي تلاه بذل جهود لإقامة سلام أوسع في الشرق الأوسط بما في ذلك تحديد الخطوط العريضة لحل الدولتين، مقترح إسرائيلي لم يسبق من قبل. عرفات طالب بمزيد من التنازلات وانهارت المحادثات بتوجيه الاتهامات.  في نفس الوقت، وفي يوم من أيام سبتمبر 2000 قاد زعيم حزب الليكود ارائيل شارون مجموعة من المشرعين الإسرائيليين في زيارة استفزازية مُتعمدة وبتغطية إعلامية واسعة إلى أحد أقدس الأماكن الإسلامية جبل الهيكل في القدس.  لقد كانت حيلة تهدف إلى التأكيد على مطالب إسرائيل بأراضي أوسع، حيلة فيها تحدٍ لقيادة إيهود باراك وأغضبت العرب القريبين والبعيدين.  بعدها بأربعة أشهر، أصبح شارون رئيس وزراء إسرائيل ليحكم في فترة ما عرف بالانتفاضة الثانية، أربع سنوات من العنف بين الجانبين اتسمت بقنابل الغاز والأعيرة المطاطية الموجهة إلى المتظاهرين الذين يلقون حجارة؛ انتحاريون فلسطينيون فجروا أنفسهم خارج ملاهي ليلية وفي حافلات تقل كبار السن وتلاميذ المدارس، غارات انتقامية قاتلة للجيش الإسرائيلي واعتقال عشوائي لآلاف الفلسطينيين، حماس أطلقت صواريخ من غزة على البلدات الحدودية الإسرائيلية وردت طائرات هيلوكوبتر أباتشي كانت قد زودتها الولايات المتحدة لإسرائيل بتسوية أحياء كاملة بالأرض. تقريبا ألف إسرائيلي وثلاثة آلاف فلسطيني ماتوا خلال هذه الفترة بمن فيهم الأطفال، ومع الوقت هدأ العنف.  في العام 2005، تغيرت بشكل جذري آفاق حل الصراع، تركيز إدارة بوش على العراق وأفغانستان والحرب على الإرهاب ترك لها هامشا صغيرا للاهتمام بالسلام في الشرق الأوسط، وفيما كان بوش داعما بشكل رسمي لحل الدولتين، فإنه كان مترددا في الضغط على شارون في هذه القضية.  في العلن؛ واصلت السعودية وغيرها من دول الخليج تقديم الدعم للقضية الفلسطينية ولكنهم كانوا أكثر اهتماماً بالحد من النفوذ الإيراني واستئصال تهديد المتطرفين لأنظمتهم.  الفلسطينيون أنفسهم انقسموا بعد وفاة عرفات في العام 2004، وأصبحت غزة تحت سيطرة حماس، وسرعان ما وجدت نفسها تحت حصار إسرائيلي مُحكم، فيما استمرت فتح بحكم السلطة الفلسطينية التي أدارت الضفة الغربية، فيما اعتبرها حتى بعض مؤيديها، فاسدة وعاجزة.

الأكثر أهمية هو أن المواقف الإسرائيلية تجاه محادثات السلام قد تشددت، ويرجع ذلك بشكل جزئي إلى أن السلام لم يَعد مُهما لضمان سلامة البلاد وازدهارها، لقد تحولت إسرائيل الستينات والتي اتسمت بحياة الكيبوتسات الجماعية، والتقنين للإمدادات الأساسية، إلى قوة اقتصادية حديثة، وداوود الشجاع لم يعد محاطاً بالجالوثيين المعادين وذلك بفضل عشرات المليارات من الدعم العسكري الأمريكي، والقوات المسلحة الإسرائيلية التي لا يوجد لها مثيل في المنطقة. لقد توقفت عمليات القصف والهجمات الإرهابية داخل إسرائيل بشكل كبير، وذلك مرده إلى حد ما إلى إقامة إسرائيل لجدار يزيد طوله عن 400 ميل بينها وبين المراكز السكانية الفلسطينية في الضفة الغربية، يتخلله نقاط تفتيش موضوعه بشكل استراتيجي للسيطرة على تدفق العمال الفلسطينيين من وإلى إسرائيل.   في كثير من الأحيان، ظل إطلاق الصواريخ يشكل خطراً على أولئك الذين يعيشون في البلدات الحدودية وأدى وجود المستوطنين إلى وقوع هجمات مميتة في بعض الأحيان، لكن وبالنسبة لسكان تل أبيب أو القدس، فإن الفلسطينيين عاشوا بعيدا إلى حد كبير، وصراعاتهم ومشاكلهم كانت مقلقة ولكنها بعيدة عنهم.

مع كل ما هو موجود أمامي عندما بدأت عملي كرئيس، كان من المُغري أن أبذل قصارى جُهدي لإدارة الوضع القائم، وقمع أي اندلاع للعنف بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، أو أترك كل الفوضى وشأنها. لكن وأخذاً بعين الاعتبار الاهتمامات السياسية الخارجية الأوسع، قررت أن لا أسير في هذا الطريق، فإسرائيل لا تزال حليف الولايات المتحدة الأهم، ومع انخفاض حجم التهديدات؛ إلا أنها أي إسرائيل، لا تزال عرضة للتهديدات الإرهابية التي لا تُعرض حياة مواطنيها فقط للخطر؛ بل حياة آلاف الأمريكيين الذين يعيشون فيها أو يسافروا إليها.  في نفس الوقت، فإن كل دول العالم تقريباً تَعتبر أن استمرار إسرائيل في احتلال الأراضي الفلسطينية هو انتهاك للقانون الدولي.  ونتيجة لذلك، فقد وجد دبلوماسيونا أنفسهم في وضع مُحرج عندما يدافعون عن إسرائيل في أعمال نعتبرها نحن أنفسنا مرفوضة.  كان على المسؤولين الأمريكيين توضيح لماذا لا يُعتبر نفاقاً بالنسبة لنا ونحن نقوم بالضغط على بلاد مثل الصين وإيران في سجلات حقوق الإنسان، فيما نهتم قليلا بحقوق الفلسطينيين. في نفس الوقت فإن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال يؤجج المجتمع العربي والمشاعر المعادية لأمريكا في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي.  بكلمات أُخرى، فإن غياب السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل يجعل أمريكا أقل أمناً، ومن جانب آخر، فإن التفاوض بين الجانبين يقوي موقفنا ووضعنا الأمني ويُضعف أعداءنا، ويجعلنا أكثر مصداقية في الدفاع عن حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، كل ذلك في ضربة واحدة.

في الحقيقة، لقد أثقل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي علي شخصياً، وبعض أقدم التعليمات الأخلاقية التي تلقيتها من والدتي كانت حول الهولوكست، الكارثة غير المعقولة، التي تشبه العبودية، والتي كانت متجذرة في عدم الرغبة في الاعتراف بإنسانية الآخرين. مثل العديد من الأطفال الأمريكيين من جيلي، كانت قصة الخروج محفورة في رأسي. ففي الصف السادس، كانت إسرائيل مثالية بالنسبة لي بناء على ما وصفها لي مستشار المعسكر اليهودي الذي عاش في كيبوتس، مكان يتساوى ويشارك فيه الجميع، فيه يتم الترحيب بنضالات الجميع من أجل إصلاح العالم.

في الجامعة وأثناء دراستي لحركة الحقوق المدنية كنت مفتونا بتأثير الفلاسفة اليهود أمثال مارتن بوبر على خطب وكتابات الدكتور كنج، لقد أعجبني كيف أن الناخبين اليهود كانوا تقدميين أكثر من غيرهم من المجموعات العرقية الأخرى، وفي شيكاغو كان الكثير من الأصدقاء والمناصرين من الجالية اليهودية.

اعَتَقدت أن هناك رابطاً جوهرياً بين تجارب السود واليهود، القصة المشتركة عن المنفى والمعاناة، والتي تعني في النهاية العطش المشترك للعدالة والتعاطف العميق مع الآخرين والشعور المتزايد بالمجتمع، لقد حملني ذلك على أن أكون مؤيداً لحق الشعب اليهودي في أن تكون له دولته الخاصة به، ومع ذلك فإنه من سخرية القدر أن هذه القيم نفسها جعلت من المستحيل بالنسبة لي أن أتجاهل الظروف التي أُجبر الفلسطينيون على العيش فيها في الأرض المحتلة.

صحيح أن الكثير من تكتيكات عرفات كانت بغيضة، صحيح أن القادة الفلسطينيين غالباً ما أضاعوا فرص السلام، ولم يكن بينهم غاندي ليقوم ومن خلال تعبئة حركة لا عنفية لها القوة الأخلاقية التي تستطيع التأثير على الرأي العام الإسرائيلي، ومع ذلك، فإن هذا لا ينفي حقيقة أن ملايين الفلسطينيين يفتقرون إلى تقرير مصيرهم، والعديد من الحقوق الأساسية التي يتمتع بها حتى مواطنو الدول غير الديمقراطية.  وهناك أجيال منهم نمت في عالم جائع ومنكمش لا يمكنهم الهروب منه، فيما حياتهم اليومية تخضع لأهواء سلطة معادية في غالب الأحيان وشكوك الجنود الذين يحملون البنادق والذين يطالبون برؤية أوراقهم عند كل نقطة تفتيش يجتازونها.

بحلول الوقت الذي توليت فيه منصبي، كان معظم الجمهوريين في الكونغرس قد تخلوا عن أي إدعاء باهتمامهم بما يحدث للفلسطينيين، في الواقع اعتقدت الغالبية العظمى من الإنجيليين البيض وهم الكتلة الانتخابية الأكثر موثوقية للحزب الجمهوري؛ أن إنشاء إسرائيل وتوسعها هو تحقيق لوعد الله لإبراهيم وبشرى لعودة المسيح في نهاية المطاف. الديمقراطيون حتى التقدميون منهم كانوا لا يفضلون أن يبدو أقل تأييداً لإسرائيل من الجمهوريين، سيما أن العديد منهم إما يهود أو يمثلون جماهير يهودية كبيرة.

كذلك، فإن أعضاء من كلا الحزبين كانوا قلقين من تجاوز لجنة الشؤون الأمريكية الإسرائيلية العامة "الأيباك" وهي منظمة ضغط قوية، مُكرسة لضمان الدعم الأمريكي الثابت لإسرائيل. الأيباك لها تأثير على كل سياسي في واشنطن بمن فيهم أنا، فأعضاء الأيباك من الداعمين والمانحين الرئيسيين.  في الماضي تعاملت الأيباك مع مجموعة من وجهات النظر بشأن السلام في الشرق الأوسط، وأَصرت على أن من يرغب بالحصول على تأييدها ودعمها عليه أن يدعم استمرار المساعدات لإسرائيل، ومعارضة الجهود الهادفة لعزل وإدانة إسرائيل في الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات الدولية الأخرى.  لكن مع جنوح السياسة الإسرائيلية نحو اليمين توافقت الأيباك معها أيضا، لقد جادل موظفوها وقادتها وبشكل متزايد بأنه لا يجب أن يكون هناك خط فاصل بين إسرائيل والولايات المتحدة، حتى عندما تتخذ إسرائيل مواقف تتعارض مع السياسة الأمريكية. الذين غامروا بانتقاد السياسة الإسرائيلية بصوت عالٍ تم وصفهم بأنهم معادون لإسرائيل، وربما معادون للسامية، وواجهوا خصوماً ممولين جيداً في الانتخابات اللاحقة.

أثناء حملتي الانتخابية كنت في الطرف المتلقي لبعض مما سبق، حيث أفاد بعض الداعمين اليهود أنهم اضطروا للتراجع عن هذه التأكيدات في معابدهم وعلى سلاسل الرسائل الإلكترونية بأنني لم أكن أؤيد إسرائيل بشكل كافٍ أو حتى معادٍ لها.  لقد نسبوا حملات الهمس هذه، ليس فقط لأي من المواقف التي اتخذتها كدعمي لحل الدولتين ومعارضتي للتوسع الاستيطاني والتي تتطابق مع مواقف المرشحين الآخرين، ولكن إلى تعبيري عن قلقي تجاه الفلسطينيين العاديين، وإلى صداقتي مع مُنتقدي السياسة الإسرائيلية بمن فيهم رشيد الخالدي، الناشط والباحث في شؤون الشرق الأوسط، وفي الحقيقة وكما قال بن "أحد مساعدي أوباما" وبشكل صريح "أنت رجل أسود وباسم مسلم تعيش في نفس الحي الذي يعيش فيه لويس فراخان وذهبت إلى كنيسة "جيرميا رايت".   في يوم الانتخابات، حصلت على 70% من أصوات اليهود. لكن بالنسبة للعديد من أعضاء أيباك ما زلت رجلا مشتبه به ومنقسم الولاءات، رجل لم يكن دعمه لإسرائيل محسوساً أو شجاعاً.

بينما كنا نناقش عودة بيبي نتنياهو رئيساً لوزراء إسرائيل بعد أن تمكن حزب الليكود من تشكيل حكومة ذات ميول يمينية على الرغم من فوزه بفارق مقعد واحد على منافسه حزب كاديما الأكثر وسطية، حذرني رام ( أحد مساعدي أوباما ) في العام 2009 "لن تحقق تقدماً في عملية السلام عندما يأتي الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي من خلفيات سياسية مختلفة".

رام الذي عمل متطوعاً مدنياً في الجيش الإسرائيلي لفترة قصيرة، وجلس في الصف الأول في مفاوضات أوسلو التي رعاها بيل كلينتون، وافق على ضرورة محاولة استئناف محادثات السلام الإسرائيلية الفلسطينية إن لم يكن لأي سبب آخر؛ فلأنها ستُحافظ على الوضع من التدهور، لكنه لم يكن متفائلاً، وكلما قضيت المزيد من الوقت مع نتنياهو ونظيره الفلسطيني محمود عباس كلما فهمت السبب.

نتنياهو كان ذكياً وماكراً وصعباً وموهوباً في التواصل باللغتين العبرية والانجليزية ( ولد في إسرائيل لكنه قضى معظم سنواته الأولى في فيلادلفيا ولذا فإن لهجة تلك المدينة ظاهرة في لغته)، عائلته لها جذور عميقة في الحركة الصهيونية، فجده حاخام هاجر من بولندا إلى بريطانيا التي حَكمت فلسطين عام 1920، بينما أصبح والده اُستاذ التاريخ المعروف بكتاباته عن الاضطهاد الذي تعرض له اليهود أثناء محاكم التفتيش الإسبانية، وقائداً للجناح الأكثر تشدداً للحركة قبل إنشاء دولة إسرائيل، وعلى الرغم من نشأته في منزل علماني، إلا أن نتنياهو ورث إخلاص والده في الدفاع عن إسرائيل، وكان عضواً في وحدة القوات الخاصة في جيش الدفاع الإسرائيلي، وقاتل في حرب يوم الغفران ومات شقيقه الأكبر بطلاً في غارة مطار عنتيبي الأسطورية عام 1976، عندما انقذت القوات الخاصة الإسرائيلية 102 راكباً من الإرهابيين الفلسطينيين الذي خطفوا طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية الفرنسية.

 

* المستشار: عبدالله ابو شاويش  بعثة فلسطين لدى الأمم المتحدة - نيويورك