الخميس  28 كانون الثاني 2021
LOGO

رواتب الأسرى.. إصرار إسرائيلي على إغلاق الملف

2020-12-29 10:28:13 AM
رواتب الأسرى.. إصرار إسرائيلي على إغلاق الملف
أرشيفية

خاص الحدث

يبدو أن قضية رواتب الأسرى والأسرى المحررين لم تجد طريقها إلى الحل، في ضوء الإصرار الإسرائيلي على ممارسة أقصى الضغوط من أجل إنهاء هذا الملف، الذي أصبح في نظر الإسرائيليين والأوروبيين والأمريكيين حجر الزاوية في تقدم أي مسار سياسي مع السلطة الفلسطينية أو على الأقل دلالة على حسن نواياها في ما تصفه الأطراف الثلاثة بدعم "الإرهاب"، الذي هو في حقيقته نضال مشروع كفلته القوانين الدولية والإنسانية.

السلطة من جانبها وعلى لسانها مسؤوليها، سواء الرئيس محمود عباس أو رئاسة الحكومة، دائما ما تشدد على أن صرف مستحقات الأسرى والمحررين لن يخضع للابتزاز الإسرائيلي، وقد شهدت السنوات الأخيرة عدة أزمات ارتبطت بأموال المقاصة بسبب هذا الملف، لكن وكما يبدو فإن السلطة تحاول الآن تجاوز المحاذير الإسرائيلية من خلال التكيف معها دون الاستجابة لها، أي صرف رواتب الأسرى لكن بدون الشكل والطبيعة، التي تزعج الأطراف الضاغطة.

تشير مصادر مطلعة لصحيفة الحدث، إلى أن السلطة واجهت عقبات في صرف رواتب الأسرى عن الأشهر القادمة بدءا من يناير/كانون الثاني 2021 وذلك في ضوء أن القرار الإسرائيلي بمعاقبة البنوك الفلسطينية التي تدير حسابات بنكية للأسرى يدخل حيز التنفيذ في 31 ديسمبر/كانون الأول، وبالتالي لم تعد هذه البنوك قادرة على صرف الرواتب خاصة وأن السلطة غير قادرة في النهاية على توفير الحماية لها في حال تعرضها للاقتحام من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وتبين المصادر أن الخيار كان صرف الرواتب عن ثلاثة أشهر قادمة دفعة واحدة، وهي: ديسمبر/كانون الأول، يناير/كانون الثاني، فبراير/شباط. إذ أن التوجه كان صرف رواتب أربعة أشهر بمعنى إلحاق شهر مارس/آذار، لكن وزارة المالية أبلغت الحكومة أنها تدرس الأمر وفق إمكانياتها المالية، وبذلك أبقت الباب مفتوحا أمام صرف رواتب أربعة أشهر قبل يوم الأربعاء 30 ديسمبر/كانون الثاني الجاري.

وأوضحت مصادر "صحيفة الحدث" أنه إلى حين إيجاد البدائل لصرف الرواتب، فإن الحكومة ستمضي في مسألة تفريغ الأسرى المحررين على الوزارات والمؤسسات المختلفة، بهدف دمجهم ومنعا للابتزاز الإسرائيلي المتعلق برواتبهم، وقد يتم تحويل جزء كبير منهم إلى التقاعد بناء على المعطيات الصحية والعمر والمؤهلات، على أن يحصل الأسير على راتب تقاعد بنسبة 100% من راتبه، الذي يتقاضاه لكونه أسيرا، لكن هذه الخطوة قد تحتاج إلى عدة أشهر من أجل إتمامها وبالتالي كان الخيار حلا تكتيكيا بصرف رواتب الأشهر القادمة.

رواتب الأسرى.. من يسعى لتحويلها لأزمة؟

يترك الأسير فراغا مهما في المحيط الاجتماعي بعد اعتقاله، وهذا الفراغ المتعدد الأنواع، أحد أشكاله الفراغ المادي، وعندما يصبح الأسير عاجزا عن سد احتياجات أسرته، بسبب اعتقاله على نضاله ضد الاحتلال، تتحول مهمة سد الفراغ للمجتمع. لكن وفي الحالة الفلسطينية حيث إن هناك سلطة ونظام سياسي، فإن هذه الوظيفة تقع على عاتق السلطة، التي لا تزال تعترف بأن هؤلاء الأسرى جزء من النضال الفلسطيني الممتد على سنوات الصراع، وهذا لا يُعفي المجتمع أيضا من المساهمة في ذلك، إلا أن المساهمة الرسمية ضرورية لأنها تغلق الباب أم بعض الآثار السلبية للتضامن، التي قد تنتج عن حالات الاستغلال.

وهذا يعني أن مهمة السلطة في هذا السياق ليست وطنية فحسب، بل وأخلاقية اجتماعية. ومع ذلك، فإن تجريد القضية من بعدها السياسي، كما تريد بعض الأصوات داخل السلطة، وفقا لمصادر مطلعة على الملف، من شأنه أن يضر بقيمة قضية الأسرى، كقضية إلى جانب بعدها الإنساني الاجتماعي، هي أيضا قضية ذات بعد وطني مرتبط بالصراع مع الاحتلال، وأي تفكيك لهذا الإطار المنظم لعلاقة المؤسسات الرسمية بالقضية، وهو اعتراف ضمني بعدم شرعية قضية الأسرى، وهو تهديد لها وتجاوز لكل الاعتبارات التقليدية في هذا الملف.

تحويل ملف الأسرى إلى أزمة تمس المجموع الفلسطيني، كانت المهمة الإسرائيلية الأهم خلال السنوات الماضية، فقد بدأت الدبلوماسية الإسرائيلية بالتوازي مع الدبلوماسية العامة الإسرائيلية، التي أحد أطرافها الإعلام، بتصوير السلطة الفلسطينية على أنها داعم رئيسي للمقاومة، من خلال نقل كشوفات الرواتب للجهات المانحة، والتي تظهر فيها رواتب بعض الأسرى الذين قاموا بعمليات فدائية في الداخل المحتل، بالإضافة لنشر التقارير الإعلامية التي تحاول إبراز التناقض بين شعارات السلطة السلمية ودورها في دعم شريحة تعتبرها إسرائيل عنيفة.

أما المرحلة الثانية، فقد تمثلت بموافقة الكابينيت الإسرائيلي في فبراير/شباط 2019 على خصم قيمة رواتب الأسرى من أموال المقاصّة الفلسطينية، والتي تُقدّر بنصف مليار شقكل سنويًا، وذلك بعد إقرار قانون في الكنيست بالخصوص في يوليو/تموز 2018، وهكذا أصبح أمر الخصم ملزما لأي حكومة إسرائيلية إلا في حال تغيير القانون عبر الكنيست ضمن المراحل المعروفة، ورغم محاولة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تعديل بعض البنود المتعلقة بطريقة الاقتطاع، بناء على توصيات الجهات الأمنية، بحيث يصبح القرار بيد رئيس الحكومة ووزير الجيش وحسب تقديرهما للمرحلة، إلا أن الكابينيت رفض، ومرر القرار كما هو.

خلقت موافقة الكابينيت أول أزمة مالية بين السلطة وإسرائيل بسبب رواتب الأسرى، وهذا بحد ذاته كان هدفا إسرائيليا، من أجل تكريس ملفهم كأزمة في الذهنية العامة للموظفين الفلسطينيين، الذين يتضررون بكل أزمة مالية. وفي فبراير/شباط 2019 أعلنت السلطة الفلسطينية رفضها استلام المقاصة بسبب قرار الكابينيت، وشددت على أنها لن تستلم أموال المقاصة، التي تشكل 70% من الموارد المالية للسلطة، وبدأت أزمة مالية استمرت لثمانية أشهر، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2019 استلمت السلطة أموال المقاصة رغم الخصومات الإسرائيلية.

البنوك في قلب العاصفة

لكن التضييق في هذا الملف لم يقف عند هذا الحد، فقد كشفت وثائق حصلت عليها "صحيفة الحدث" في أبريل/نيسان 2020 عن توجيه رئيس الدائرة القانونية في معهد "نظرة على الإعلام الفلسطيني"، ومسؤول النيابة العسكرية الإسرائيلية سابقا، إيتمار ماركوس، تحذيرا إلى البنوك الفلسطينية من مغبة الاستمرار بالاحتفاظ بحسابات الأسرى البنكية، التي تدفع لهم السلطة الفلسطينية من خلالها الرواتب.

وجاء في التحذير، أن البنوك، التي تستمر بالاحتفاظ بالحسابات البنكية للأسرى، ستعرض نفسها وموظفيها للإدانة، وهو ما تترتب عليه عقوبات بالسجن تصل إلى سبع سنوات وغرامات مالية باهظة. ويوجه التحذير، البنوك، إلى ضرورة تجميد حسابات الأسرى أو من ينوب عنهم، وتحويل الأموال الموجودة فيها إلى قائد جيش الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة، وإلا فإنها ستعتبر "هيئات تقدّم مساعدة حقيقية للإرهاب".

والمعهد، الذي يديره ماركوس، كان قد نشر في نهاية عام 2019 تقريرا خاصا حول قيمة الأموال، التي دفعتها السلطة الفلسطينية للأسرى، والتي وصلت 517 مليون دولار، وفق التقرير، داعيا حكومة الاحتلال والإدارة الأمريكية إلى ممارسة المزيد من الضغوط على السلطة لوقف دفع رواتب الأسرى.

تحذير المعهد الإسرائيلي جاء مستندا إلى أمر وقعه القائد العسكري لجيش الاحتلال في الضفة الغربية في 9 فبراير/شباط الماضي، بشأن التعليمات العسكرية المتعلقة بحسابات الأسرى في البنوك.

وجاء في أمر القائد العسكري، أن العواقب المحتملة لاستمرار البنوك في فتح حسابات للأسرى، تشمل: الحجز على الأموال في الحسابات المصرفية (من خلال حجز الحسابات لدى البنوك الإسرائيلية أو حتى أموال المقاصة). وكذلك، اعتقال وملاحقة موظفي البنوك، وتعرض البنوك لدعاوى تعويض بمئات ملايين الشواقل.

ووفق الأمر العسكري، فإن البدء باتخاذ الإجراءات والتعليمات المنبثقة عن التشريع الإسرائيلي الجديد يبدأ في 9 أيار/مايو 2020، وسيحاكم على أساسه الموظفون الإداريون في المؤسسات المعنية بشؤون الأسرى بالإضافة إلى موظفي البنوك.

السلطة مرتبكة في التعامل مع الملف

السلطة، كما في كل مرة، ردت بأنها لن تقبل بأي ابتزاز إسرائيلي في موضوع رواتب الأسرى والمحررين، وحتى خلال الأزمة المالية التي نشأت عن مقاطعة السلطة للاحتلال الإسرائيلي بدءا من أيار/مايو 2020 وحتى نوفمبر/تشرين الثاني 2020، كان مسؤولو السلطة يؤكدون في كل مناسبة أن هذا الملف غير قابل للابتزاز، وأنهم لن يقبلوا باستلام أموال المقاصة منقوصة، وهو ما حدث بالفعل مع انتهاء الأزمة المالية، التي انتهت بعودة العلاقات مع الاحتلال، وقد تم استلام الأموال غير منقوصة، لكن مبدأ الخصم ظل حاضرا، وقد أشارت مصادر إسرائيلية إلى أن خصم قيمة رواتب الأسرى سيتم على 12 شهرا بدءا من ديسمبر/كانون الأول 2020.

وعمل الإعلام الإسرائيلي بالتوازي مع الدبلوماسية الإسرائيلية، وتبنت أو اختلقت وسائل الإعلام الإسرائيلية رواية أن أهم المعايير في قيمة راتب الأسير هي عدد الإسرائيليين، الذين قتلهم، وهذا أمر غير دقيق، فبحسب قانون الأسرى والمحررين فإن المعيار الأساسي هو عدد سنوات السجن، التي يقضيها أو قضاها الأسير، لكن الرواية الإعلامية الإسرائيلية، التي لا تمت لحقيقة قانون الأسرى ومعاييره بصلة أخذت بعدا عالميا، إلى درجة أن صحفا عالمية مثل نيويورك تايمز تبنتها في تقاريرها.

 

نيويورك تايمز لم تكشف فقط عن انحيازها للرواية الإسرائيلية بالخصوص، وإنما أيضا عن الارتباك لدى السلطة الفلسطينية في التعامل مع الملف، فقد نقلت تصريحات لرئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين قدري أبو بكر، إن الاقتراح الذي تم وضعه بخصوص رواتب الأسرى؛ سيعطي عائلات الأسرى الفلسطينيين رواتب على أساس احتياجاتهم المالية بدلا من المدة التي يقضونها في السجن، وأن الحاجة الاقتصادية يجب أن تكون هي الأساس، بما يعني أن رجلا واحدا لا ينبغي أن يأخذ راتبا مثل شخص لديه عائلة، وأن تفاصيل التغييرات المقترحة على نظام دفع الأسرى لم يتم الانتهاء منها بعد، وستتطلب موافقة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.

الصحيفة الأمريكية قالت إن الفلسطينيين بدأوا بوضع أسس لتغيير طريقة التعامل مع قضية رواتب الأسرى التي لطالما انتقدتها إسرائيل ومن يؤيدها، خاصة وأن المدفوعات للأسرى تستند إلى مدة الحكم، مشيرةً إلى أن المسؤولين الفلسطينيين "حريصون على بداية جديدة مع الإدارة الأمريكية الجديدة، لإلغاء الإجراءات العقابية بتقليص المساعدات على خلفية دفع السلطة رواتب الأسرى".

في اليوم التالي، نفى أبو بكر ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز بوجود مقترح لتعديل صرف مخصّصات الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، بحيث يتم منح عوائلهم مخصّصات بناء على أوضاعهم الاجتماعيّة، وليس على طول مدة بقائهم في السجن، وقال تحدثت في المقابلة المذكورة بالتفصيل عن قضية الأسرى المحررين واستيعابهم في الأجهزة الأمنية والمؤسسات المدنية للسلطة الفلسطينية، وحين سئلت عن الأسرى في السجون قلت: إن هناك مقترحات لم يتم التطرق لها ونقاشها.

لكن مصادر مطلعة على الملف قالت لصحيفة الحدث إن السلطة بقدر ما تحاول الحفاظ على استمرار صرف رواتب الأسرى، تحاول أيضا بكل طاقتها وخياراتها الحفاظ على مزاج المانحين وخاصة الأوربيين وأيضا الأمريكيين في ضوء فوز جو بايدن في الانتخابات الأمريكية، وإلى حين انتهاء الأشهر الثلاثة القادمة، ستبقى السلطة تبحث عن خيارات لإدارة هذا الملف، الذي يبدو أنه استنزف كل خياراتها في ظل إصرار إسرائيلي على إنهائه.