الثلاثاء  02 آذار 2021
LOGO

كيف عذبت إسرائيل فلسطينيي الداخل في عقودها الأولى وحاولت التستر على ذلك؟

2021-01-14 10:02:58 AM
كيف عذبت إسرائيل فلسطينيي الداخل في عقودها الأولى  وحاولت التستر على ذلك؟
صورة أرشيفية من مجزرة كفر قاسم

ترجمة الحدث- براء بدر

نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، مقالا للباحث في معهد أكيفوت لأبحاث الصراع الإسرائيلي الفلسطيني آدم راز.

 ترجمته الحدث وجاء فيه: 

-"لا ينبغي قتل شخص يخرق حظر التجول، ربما يمكن صفعه وضربه ببندقية فحسب".

-وثائق رفعت عنها السرية حديثًا تكشف عن الطرق التي غيّر بها الحكم العسكري حياة فلسطينيي الداخل

-أصول الوحشية الموثقة بكل قبحها 

 إطلاق جندي إسرائيلي النار على فلسطيني أعزل كان يحاول حماية المولد الكهربائي الذي يحتاجه ليعمل وسط الفقر المدقع في جنوب تلال الخليل - يعيدنا إلى عقود مضت، إلى فترة الحكم العسكري في إسرائيل.

 ألقت شهادة من وثائق رفعت عنها السرية مؤخرًا، جنبًا إلى جنب مع السجلات التاريخية في الأرشيف، الضوء على العنف الحاد الذي ساد بين عام 1948 حتى عام 1966، الذي فرضته إسرائيل على مناطق واسعة من البلاد حيث يعيش الفلسطينيون.

لأكثر من 18 عامًا، كان حوالي 85٪ من الفلسطينيين في البلاد يخضعون لنظام قمعي. من بين التضييقات الأخرى التي كانوا يتعرضون لها هي الحاجة إلى استصدار تصاريح رسمية للتنقل خارج قراهم حيث كانت مجتمعاتهم تخضع لحظر تجول دائم، وتم حظر معظم التنظيمات السياسية والمدنية، وأصبحت مناطق بأكملها كانوا يعيشون فيها قبل عام 1948، الآن، مغلقة أمامهم. على الرغم من أن هذا الجزء من الماضي قد تم قمعه إلى حد كبير بين معظم السكان اليهود في إسرائيل، إلا أنه يشكل جزءًا لا يتجزأ من الهوية والذاكرة الجماعية لفلسطينيي الداخل.

كتب يهوشوا بالمون، مستشار رئيس الوزراء دافيد بن غوريون للشؤون العربية، إلى مقر الحكومة العسكرية - في رسالة في أكتوبر 1950 تم استبعادها من أرشيف الدولة - بأن التقارير قد وردت وفقًا لأفراد الحكومة العسكرية في المثلث ( تمركز تجمعات عربية مجاورة للخط الأخضر في وسط البلاد) تمارس "ضغوطًا غير قانونية أثناء استجواب السكان، مثل استخدام الكلاب ضدهم والتهديدات وما شابه".

بعد عام ، أوضح باروخ ييكوتيلي، نائب بالمون، لسكرتير مجلس الوزراء أن الوضع في المناطق العربية يتطلب أحيانًا "يدا قوية من جانب السلطات". على الرغم من أنه لم يخض في التفاصيل حول هذه السياسة، إلا أن الشهادات التي تم الإعلان عنها تصف تنفيذها - وكلها تعكس تجربة الإذلال والقهر.

وبذلك أصبح معروفاً أن ممثلين عن الحكومة العسكرية قاموا بتهديد الفلسطينيين لمنعهم من الشكوى من الإجراءات المتخذة بحقهم.  كان الجنود يسلون أنفسهم عند ترهيب مواطن فلسطيني بالاستناد عليه بوضع سلاح ناري على كتفه؛ وآخرون منعوا المواطنين المسلمين من الصلاة. وفي حالات أخرى، قام ممثلو الحكومة العسكرية بمضايقة المزارعين وتدمير ممتلكاتهم؛ تعرض الناس للإذلال بانتظام، وقد تعرض الأطفال للعنف، ووجه أفراد من الحكومة العسكرية تهديدات للفلسطينيين إذا لم يصوتوا في الانتخابات للمرشحين الذين تفضلهم السلطات.

أكد الحاكم العسكري في النقب، يهوشوا فيربين، في شهادته التي أدلى بها في أوائل عام 1956 أمام لجنة حكومية - وتم الإعلان عنها مؤخرًا بناءً على طلب من معهد أكيفوت لأبحاث الصراع الإسرائيلي الفلسطيني - أن "الحكومة العسكرية ليبرالية ومعتدلة جدا". وأضاف: "دعونا لا نتحدث عن القسوة على الإطلاق، إنه افتراء لا أساس له من الصحة ".

لكن تصريحات محافظ المثلث، زلمان مارت، في شهادته عام 1957 في محاكمة تتعلق بمجزرة كفر قاسم العام السابق - عندما أطلقت شرطة حرس الحدود النار وقتلت 49 فلسطينيا لم يكونوا على علم بفرض حظر تجول - تدحض تأكيدات فيربين. حيث إنه، وفقًا لمارت، لم يكن هناك أمر بقتل شخص انتهك حظر التجول، ولكن كان هناك نوع من بروتوكول العقوبة: "يمكنك أن تصفعه، وتضربه ببندقية على ساقه، ويمكنك أن تصرخ فيه"

مشاهد من مجزرة كفر قاسم

- "إذا صادفت رضيعًا قد انتهك حظر التجول - قد يبدو الأمر قاسيًا، لكنني سأطلق النار عليه".

تقدم مجموعة من الشهادات المطولة لأفراد حرس الحدود الذين عملوا كقوة شرطة في القرى العربية، صورة للحياة اليومية في ظل الحكم العسكري.

سُئل ضابط في محاكمة مجزرة كفر قاسم المروعة: "هل كنت مشبعاً بشعور أن العرب أعداء دولة إسرائيل؟"  - فأجاب، ببساطة، "نعم".  وسئل ضابط الشرطة هل تقتل أي أحد؟ حتى امرأة أو طفلا؟ " كرر: "نعم".  ليضيف ضابط شرطة آخر بأنه لو أُمر بذلك، لكان قد أطلق النار على حافلة مليئة بالنساء الفلسطينيات. وأوضح آخر: "قيل لي دائمًا أن كل فلسطيني وعربي هو عدو للدولة".

لم يظهر الضباط إحساسًا بالشفقة عند سؤالهم عن إطلاق النار على أفراد لا حول لهم ولا قوة، وأكد معظمهم أنهم سيفعلون ذلك إذا لزم الأمر. وصرح أحدهم أنه "إذا صادفت رضيعًا قد انتهك حظر التجول - قد يبدو الأمر قاسيًا، لكنني سأطلق النار عليه".

ألقت العديد من الشهادات من قرية الجش (غوش حلف)، التي يعود تاريخها إلى عام 1950 والمخزنة في أرشيف ياد ياري، الضوء على ما حاولت الحكومة العسكرية أن تبقيه في الخفاء.

وروى أحد السكان المحليين كيف اقتحم أفراد منزله في منتصف الليل واقتادوه للاستجواب. حيث اتهم أنتاناس بشراء زوج من الأحذية المهربة.  قال له المحققون إنه إذا لم يتحدث، سوف يجبرونه على فعل ذلك. وتفيد شهادته: "وسط هذا كله، أُمرت بخلع حذائي. وعندما فعلت ذلك، أجبرت على الجلوس على الأرض ورفعت ساقي ووضعتهما على كرسي. وفي تلك اللحظة اقترب مني جنديان وشرعا في ضربي على أخمص قدمي بعصا خشبية مصنوعة من غصن خشن لشجرة تمر". بعد ذلك، رماه الجنود وهو غير قادر على المشي.

وفي رواية أخرى لشخص، يُدعى الطافي، أن قوات الأمن اقتحمت منزله وضربته بلا رحمة.  وأوضح مسؤول حكومي عسكري أنهم سوف يعدمونه وأمروه بالصعود إلى سيارة، بينما كانت زوجته تقف في حالة ذهول.  وبعد قطع مسافة قصيرة بالسيارة، توقفت السيارة إلى جانب الطريق وضغط مسدس على رأس الطافي. بعد أن تعرض للضرب مرة أخرى وألقي به في حظيرة حيوانات، حيث بقي هناك لمدة أسبوعين.

وتعرض حنا يعقوب جراسي لمعاملة مماثلة، بعدما قال لها الحاكم العسكري إنه مجرد "قمامة". وضُرب على يديه حتى نزفتا". ويقول جراسي: "بعد ذلك تم إخراجي وإحضار أحد أصدقائي، وفعلوا نفس الشيء معه. ثم أحضروا ثالثا وكرروا ذات الفعل معه ".

بالنسبة للكثيرين كان هذا هو الروتين

دفعتنا الشهادات المتنوعة التي اكتشفناها إلى الشك في كلام مشعل شاحم، قائد الحكومة العسكرية بين عامي 1955 و 1960. وفي عام 1956، حيث قال أمام لجنة حكومية كانت تناقش مستقبل تلك الهيئة إنها "ليست جادة". وأنه "حتى يشكل عنصرًا من عناصر التربية على المواطنة الصالحة".

من الواضح أن إسرائيل اتخذت خطوات لإخفاء المعلومات العامة عما حدث في نطاق الحكم العسكري.

في فبراير 1951، غضب رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي آنذاك، ييجيل يادين، من نشر تقرير عن طرد 13 قرويًا فلسطينيا من قراهم. وبحسب يادين، فإن "التقارير من هذا النوع قد تكون ضارة بأمن الدولة، ولذلك يجب إيجاد طريقة للرقابة لتأخير نشرها". كان الشاعر ناتان الترمان يعرف ما يتحدث عنه عندما كتب قصيدة "اهمس سرًا"، وهي قصيدة انتقدت نظام الرقابة الصارم، بعد عام.

حلت إسرائيل جهاز الحكم العسكري منذ سنوات. لكنها لم تستطع محو الذكرى والمشاهد التي تسبب بها. في ذلك الوقت، كان هذا الجهاز يشرف على المواطنين الفلسطينيين "داخل الخط الأخضر" ويحكمهم، بينما يقوم الجنود الآن بأعمال الشرطة ضد السكان المدنيين عبر "الخط الأخضر". وهناك تشابه آخر، الآن، كما كان الحال آنذاك، تعيش غالبية الجمهور الإسرائيلي مع ارتكاب الأخطاء وتلتزم الصمت.