الإثنين  21 حزيران 2021
LOGO

نعوم تشومسكي واللسانيات الديكارتية (3/2)*

ترجمة: سعيد بوخليط

2021-02-14 01:42:03 PM
نعوم  تشومسكي واللسانيات الديكارتية (3/2)*
نعوم تشومسكي

أضحى الاتجاه العقلاني العميق لبور رويال تقعيدا لمادة لسانية، بالعمل على إدخالها قسرا إلى وعاء القواعد المعيارية تم الإقرار بأنها مقبولة بشكل عام، والاستخفاف بمعطيات الملاحظة التي أجمعت على أن صنيعا من هذا القبيل يرمي إلى''التحكم ''في اللغة.  يجد هذا الطموح ''الكلاسيكي''كليا ''قصد  تعليل''النحو بتعميم نتائج الاستدلال في صيغة قواعد منطقية، أقصى تعبيراته ضمن ما يمكن تسميته بالأطروحة الرئيسة الثالثة عند بور رويال. 

يتعلق الأمر، حتما بنقطة أساسية للنظرية، لأنها في نهاية المطاف، من ستعطي كل معناها إلى تعبير ''النحو التوليدي"، أقصد: "التأكيد على عمومية البنيات النحوية باسم كليانية الخصائص الأساسية المميزة للإدراك الإنساني.  فضلا عن ذلك، يكتسي تأمل نحاة بور رويال بعدا فلسفيا أصيلا، نتيجة هذا التطلع نحو الكليانية، الذي يتجاوز ارتقاؤه بمستوى السجال اللساني "المهام الصغيرة " للمختصين في اللغات. 

ألم يثبت ديكارت قبل ذلك، أن العقل يمثل''الأداة العامة، التي يمكنها أن تساعد على مختلف أنواع اللقاءات"؟ تأويل، أجاز تحديدا لتشومسكي الاعتقاد بأن ''البنية العميقة الكاشفة عن الدلالة، تظل مشتركة بين مختلف اللغات". 

أيضا، عمومية النحو، ألهمت فيلهلم فون همبولت فكرة ''البناء الداخلي للغة''، صيغة قوام عميق للغة، مستقل تماما عن التغيرات الوطنية والشخصية. أخيرا، لايبدو لنا ملتبسا وجود نوع من التماثل بين مبدأ كليانية بنيات اللغة عامة، مثلما دافعت عنها من جهة، جماعة بور رويال بأقصى صرامة منطقية، ثم فرضية ''الأفكار الفطرية" أو''كلية اللغة" لدى تشومسكي،  من جهة ثانية. 

مع ذلك، وجبت الإشارة إلى الدور الجوهري الذي يؤديه مفهوم الفطري عند تشومسكي بخصوص اكتساب اللغة: كيف نفسر، إجمالا، بأن طفلا ينتسب إلى شروط تهيئ تعليما  مناسبا، يستوعب بذات اليسر، لغات متباينة جدا مثل الألمانية والصينية، أو الفرنسية والباسكية؟ ألن يكون تأويل  الازدواجية أو التعدد اللغويين،  رهينة لنفس الفرضية المتعلقة بالفطري والكلياني؟

يعتبر تشومسكي تبعا لبور رويال بأن الآلية الفطرية لاكتساب اللغة تقتضي نوعا من ''استعداد''الكائن الإنساني لاكتساب بنيات اللغة المشتركة بين مختلف اللغات، مما يسمح ضمنيا بوجود"نحو عام"، مثلما استشرفته بور رويال: "يحدث كل شيء كما لو أن الذات المتكلِّمة، المبدعة تقريبا للغتها تباعا بقدر ماتعبر أو تكتشفها ثانية قدر سماعها للكلام الدائر حولها، قد استوعبت وفق جوهرها الذاتي المفكِّر نظاما متآلفا من القواعد، وكذا قانونا وراثيا،  يحدد بدوره التأويل الدلالي لمجموع لانهائي، من الجمل الفعلية، المتكلِّمة أو المسموعة. هكذا يتبلور كل شيء بكلمات أخرى، كما لو أنها تمتلك نحوا توليديا للغتها الخاصة''. 

هذا ليس ممكنا سوى حين تماثل اللغات جوهريا، بمعنى تجانس على مستوى "بنيتها العميقة''. بحيث أن اللغة ليست مصدرا للمنطق، بل نتاجا له.  بمعان ثانية، مهما كانت الأصول الإثنية والثقافية للطفل وكذا الجماعة اللسانية التي ينتمي إليها، فلن يصادف قط صعوبات لاتقهر بخصوص تعلمه لغة معينة، مادامت اللغة مماثلة لنفسها في كل مكان، أو بشكل أفضل، لأن الإنسان هو ذاته عبر مختلف الأمكنة. إذن، حيال الكثرة اللانهائية تقريبا للغات، تكمن كفاءة لغوية وحيدة.  

بالإحالة ثانية على ''الفطري'' أو "المثالي" (الأفلاطوني)، يحق لنا مناقشة مقاربة اكتساب اللغة مثلما اقترحه علينا فيلهلم فون همبولت،  وجهة نظر سنتحدث عنها باستفاضة أكثر في موقع آخر من فقرات هذا العرض. بالتأكيد،  لايشكل الفطري سوى جانبا واحدا ضمن ظاهرة أكثر اتساعا، سميت بعد تشومسكي، ب''إبداعية" اللغة. 

تبدو الإبداعية والفطرية حقيقتين متلازمتين، غير قابلتين للانفصال عندما نسعى إلى  تحليل أصل اللغة. وحدهما كافيان، لتضليل أيّ محاولة للنظرية السلوكية بخصوص وصف الوقائع اللسانية تبعا لمفاهيم ''المحفزات''و''الشَّرطية" أو''السلوك اللغوي"، مادامت إحدى شروط إمكانية اكتساب اللغة، نكرر قول ذلك، إشارة تشومسكي إلى "الوظيفة التي تمكن من إدراك منظومات قواعد ضمنية مجردة''.   

ساهم نحاة التصور الشمولي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، حسب تشومسكي، في إعطاء اللسانيات توجها جذريا جديدا، عبر الولوج بها من نظام ''تاريخ طبيعي" (ارتبطت به سلفا، وكذا إبان القرن العشرين، جراء تأثيرات الوضعية، و البنيوية وكذا التجريبية)إلى نظام ''فلسفة طبيعية''، اهتمت بتوطيد مبادئ كونية حول التفسير العقلاني للوقائع اللغوية. 

 تصور اختلف معه جورج مونان، الذي آخذ أساسا على نحو بور رويال ''كبحه خلال فترة طويلة، تطوير تأمل في اللغة أكثر موضوعية. رغم ثناء بهذا الخصوص، دال ومبرَّر،  صادر عن فرديناند دي سوسير''(1)يقول: "لأنَّ النحو العام القديم، مثلما ترمز له تسمية بور رويال، بَحَث بشكل أقل عن قوانين مشروعة لكل اللغات ولم يتوخ فرضها خارجيا بقوة،  باسم دواعي منطقه، فقد مَثَّل ثانية محاولة أكثر إخفاقا مقارنة مع التاريخ السابق عن لسانيتنا العامة". 

* فيلهلم فون همبولت:

وجدت اللسانيات الديكارتية في الألماني فيلهلم فون همبولت أكبر ممثل لها.  يجسد عمله التعبير الأكثر اكتمالا عن الاتجاهات والخاصيات التي بوسعنا معاينتها قبل ذلك مع التحليل الديكارتي للغة وكذا النحو العام لبور رويال. بالتالي، عوض أن يشكل مشروعه هذا،   نقطة انطلاق بخصوص تأمل جديد في اللغة، سيظهر مثل فضاء تتلاقى عنده وتنتهي مختلف تطورات اللسانية الديكارتية. مع ذلك، حينما قصد التجريبي ليونارد بلومفيلد الثناء على الرجل الكبير همبولت وإنصاف عمله،  سيعتبره ''أول عمل كبير في اللسانيات العامة''. 

يعكس فيلهلم فون همبولت، كما الشأن بالنسبة لتشومسكي، حصيلة تركيب، يتموقع عند ملتقى تيارين على الأقل: العقلانية الديكارتية والمثالية الرومانسية.  

*السياق التاريخي: 

من بين المصادر التاريخية –طبعا متشعبة ومتعددة- لفكر همبولت، نرصد هنا تلك الموصولة بعلاقة مباشرة مع الموضوعات الأساسية التي طورتها اللسانيات الديكارتية (الصوت/المعنى،  اللغة/المنطق،  الكلية،  الفطرية،  الإبداعية). في المقابل، لن نتكلم عن الإرث المعروف عن ليبنتز  وكذا كانط. أيضا، أثار انتباهنا بشكل خاص، مصدران غير معروفين بالتأكيد:الرومانسية الانجليزية (هاريس،  تايلر كولريدج)وكذا الرومانسية الألمانية (غوته، الأخوان أوغست فيلهلم وفريديريك شليغل). 

شكَّل جانب من الاعتبارات الجمالية والفلسفية لدى جيمس هاريس، تلميذ ينتمي إلى مدرسة شافتيسبري ومؤلف كتاب عنوانه(Hermés) (الصادر سنة 1751)، مصدرا لمفهوم همبولت الخصب والثري في دلالته،  عن ''شكل اللغة''. 

لقد تصور هاريس اللغة أساسا مثل مجموع مهيكِلٍ ومهيكَلٍ، بمعنى مثل نظام تزامني للوحدات المعجمية. يتأتى شكل اللغة، من كلية الدلالات، التي تحيل إليها الكلمات باعتبارها رموزا تمثل أفكارا. تؤسس الأصوات مادة اللغة، والجوهر المادي لشكلها. تحيل بالتأكيد، ثنائية الشكل(الدلالة)/والمادة(الصوت)على الثنائية الديكارتية الصوت/المعنى.  لكنها ربما أيضا أكثر اقترابا من الثنائية المفهومية الأرسطية للشكل والمضمون. مهما يكن، فالذي يميز في نهاية المطاف مفهوم شكل الخطاب لدى  همبولت عن ''الشكل'' حسب تصور هاريس، يكمن في محتواه أكثر من أصله:ديناميكية عند الواحد وساكنة لدى الثاني. 

بالنسبة لهاريس فالشكل مبدأ نظام، وبناء نسقي، وتنظيم، وتصنيف للعناصر اللسانية،  بالتماثل أو التشابه،  ثم التعارض أو الاختلاف. ولايهتم، مثلما أوضح تشومسكي،  ب"لانهائية تنوع الأفعال اللسانية''. فهذه الأخيرة بمثابة تفعيل للقوة الإبداعية عند الشخص المتكلِّم. سنقارب فيما بعد هذه الإشكالية. 

ما أتينا على ذكره بالنسبة لهاريس، لا ينطبق قط سلفا على مواطنه، الشاعر صامويل تايلور كولريدج. لقد وطد هذا المعاصر لغوته،  و همبولت وكذا الأخوين شليغل، فصلا جليا بين''الشكل الميكانيكي"، و''الشكل العضوي"(2). يقتضي مفهوم الشكل الميكانيكي حسب كولريدج، الحتمية، والإكراه الخارجي.  يعتبر ميكانيكيا كل مبدأ للشكل ينزع بكيفية متكاثرة نحو ترسيخ تركيب محدد قبليا،  لن يدرج سلفا بين طياته تلك المميزات  التأسيسية والفارقة ضمن معطيات مادة البناء خلال تبلوه الفظ. على النقيض، من ذلك، يعتبر الشكل العضوي فطريا، يتجه تطوره من الداخل إلى الخارج. يتزامن اكتمال هذا التطور ل"الشكل" الداخلي مع تكامل الشكل الخارجي. هكذا، يتطابق الشكل الداخلي و السيمياء الخارجية وفق تناغم رائع.   عضوية، هي الأشكال الحية والطبيعية، الحياة والطبيعة ثم حياة الطبيعة وكذا طبيعة الحياة. 

فيما يخص الآن، شكل اللغة الخاص، فلا يمكنه سوى أن يكون عضويا. تشتغل اللغة، على قوة الفكر الإبداعية، في إطار تعدديته اللانهائية، ضمن نطاق قواعد اللغة النحوية تبعا لحتمية عددها المحدود. لا تتعارض العبقرية المبدعة مع القواعد. بالتالي، لاتكمن في خضم وضعية نزاعية، بل تتجلى حركة جدلية. 

تتعالى العبقرية على المعيار، تتجاوزه، رغم أنها فضلا عن ذلك لايمكنها الاستغناء عنه. خاصية العبقرية، من خلال الطاقة الحيوية والمبدعة، اشتغالها تحت سقف إمبراطورية القواعد، والضوابط المنتسبة إلى "جيلها" الخاص(الأصل، الإبداع،  الخلق). هنا أيضا يكمن إرغام، يبقى عضويا، بمعنى داخليا كليا. هكذا، استمر اندهاش  كولريدج أمام معجزة شكل للغة من هذا القبيل، يعكس خلال الوقت نفسه مصدرا ونتيجة لأفعال شخصية مبدعة ومتعددة.  

كي ننهي الحديث عن هذه الإشكالية المتعلقة بأصول مفهوم همبولت للشكل، يلزمنا،  وقد أشرنا إلى تصور هاريس ل"الشكل" وكذا ''الشكل العضوي" عند كولريدج، الإدلاء أيضا بكلمة عن ''الشكل الأصلي'' كما أورده غوته. مفهوم، نحته الأخير في إطار أبحاثه المتعلقة بالعلوم الطبيعية(البيولوجية، علم الحيوان، علم النبات). يشير، من خلاله إلى مايشبه ''نموذجا'' لكل الأشكال، الواقعية والممكنة، للطبيعة. إنه الرحم الأصلي، والقالب الأولي، الذي تشتق من تطوره الديناميكي، مختلف الأشكال الطبيعية التي نلتقيها أو يمكننا مصادفتها ذات يوم. 

يلزم النموذج  المفهومي ل''الشكل الأصلي"، بين طيات فكر مبدعه، إتاحته مفتاح تلك المفارقة بين اتساق الطبيعة ثم لانهائية تنوع ظواهرها الخاصة. قضية الوحدة في إطار التعدد. الطبيعة (بالتشديد على الكلمة) جهاز عضوي كبير، بوسعنا تناول قصديته، عبر شكله الأصلي، وفي نفس الوقت نمطه الأولي الأسمى مع آخر تجلياته. 

ربما، مثلما أوضح تشومسكي، تقدم لنا فلسفة الطبيعة لدى شلينغ  توجيهات إضافية بخصوص فحوى مفهوم غوته. هل وضع همبولت دائما بناءه اللساني على طريقة تصور  غوته للشكل الأصلي، ضمن  نطاق ضرورة استيعابه باعتباره مبدءا كليا شارحا لحشد من الأنشطة ''اللغوية'' الفردية، بمعنى كفاعل ضمني موحِّد لمتواليات كلامية متعددة. لذلك يضمن  الشكل الأصلي مبدئيا كليانية النحو ويحدد، بالتالي، البنية المعقولة لكل لغة، سواء كانت طبيعية أو''اصطناعية''، حية أو ميتة، واقعية أو ممكنة. 

مع الأخوين أوغست فيلهلم وفريدريك شليغل، حدث التخلي مؤقتا عن سجال الشكل، رغم أنه فيما يتعلق بمشروع أوغست فيلهلم، فقد شغلت قضية الشكل الميكانيكي والشكل العضوي، موقع الصدارة كما الحال أيضا عند  كولريدج. 

بالنسبة لتشومسكي، تعتبر أساسا ديكارتية، الكيفية التي ميز بحسبها أوغست شليغل اللغة الإنسانية عن الحيوانية. يعيش الحيوان ضمن سياق حالات، في المقابل، يمضي الإنسان،  بين ثنايا عالم (الأشياء). يجهل الحيوان التمييز ذات/ موضوع، نقطة انطلاق التأمل الفلسفي –لاسيما، الكوجيطو الديكارتي- ويحدد إمكانية وعي تأملي بالعالم. الإنسان رهينة لهذا العالم، ويعيش تحت كنفه. لكن، بفضل اللوغوس، سيمتلك هذا الإنسان قدرة التحكم في التدفق الهيراقليطيسي، وكذا التوحيد المفهومي نتيجة عمل اللغة. 

تبدو اللغة محض ميكانيكية، بقدر''حديث'' الحيوان- مفترضين إمكانية استثمار دلالة تعبير ''اللغة الحيوانية''- ثم لا تستوجب أي أثر للإبداع الخلاق. أيضا، ينتفي التلفظ بالنسبة لهذه اللغة الحيوانية، الذي يمثل خاصية نوعية للغة الإنسانية، يشْرِف على تقطيع الخطاب إلى عناصر لسانية وتنظيم الأجزاء أو تجزئتها في إطار كلٍّ مترابط ودال. 

بغير التلفظ، لايقوم خطاب معلَّلٍ، بل على الأكثر صرخات عشوائية أو تعابير من نمط المحاكاة الصوتية، تترجم عبر تناغم ينهض على التقليد، بعض الانفعالات الأولية. أيضا،  ديكارتيا تعريف فريدريك شليغل للغة، باعتبارها''جهازا للفكر''، وثانيا ك ''أداة تواصل''. 

تبنى شليغل الخاصية الأخيرة، بحيث شدد من جهته في كتابه "تاريخ الأدب القديم والجديد'' (1812)، على هوية التطورات اللسانية والفكرية. فاللغة بمثابة مرآة الفكر. اللغة والفكر غير منفصلين:بما أن الفكر والكلمة، يشكلان حقيقة واحدة. تتأتى اللغة والفكر، من نفس القوة، الفضاء المشترك للسانيات الديكارتية، بحيث لا يبدو حاليا مجديا، التركيز عليها كثيرا (نتذكر، على سبيل المثال، المبدأ الثاني لبور رويال ! ).   

*بعض تيمات فيلهلم فون همبولت:

بعد هذه الجولة الاستعراضية لبعض جوانب السياق التاريخي، سنهتم ضمن إطار المخطط الإجمالي لنظرية همبولت، بإبراز  ثلاث خطوط جوهرية ذات طابع ديكارتي أساسا،  مع الاعتقاد بأن تلك المعطيات تكفي تمثيليا، ليس فقط بالنسبة للسانيات همبولت، بل-على الأقل المحورين الأولين- ما تعلق باللسانيات الديكارتية عموما. 

*شكل اللغة: 

أقل ما يمكننا قوله، أن مفهوم الشكل حسب المعطيات الظاهرة، عرف حظا استثنائيا ضمن مسار تاريخ الفكر الغربي، منذ البدايات غاية الآن، من أرسطو إلى ليفي ستراوس. ربما،  اندرج اليوم أكثر من ذي قبل، عند طليعة انشغالات العلوم الإنسانية. ألا تمثل البنيوية، حقا "شكلانية"؟ بالتالي، يجازف السعي نحو وضع تعريف دقيق لمفهوم واسع التداول إلى إثارة مشاكل جدية. 

أيضا، تكمن قاعدة منطقية جراء التناسب العكسي بين استيعاب مفهوم ثم تمدده؟فكلما توسع مجال تطبيقه، بقدر ما تختزل حمولته الدالة والعكس صحيح. إذن "شكل منطقي، شكل قانوني، شكل سياسي، شكل إيستيتيقي،  شكل فلسفي، هكذا تتجلى اللائحة المختصرة للأشكال''.  باختصار، هناك ملاحظة أولى تفرض ذاتها: من المتعب بل يمثل مجازفة التطلع نحو إمكانية وضع تحديد لمفهوم الشكل.  

يضاف إلى ما سبق، بخصوص الهاجس الذي يشغلنا هنا، سنعاين غالبا بأن مفاهيم همبولت تغمرها بالمعنى الحرفي للكلمة سحابة من الالتباسات. وضع يعقِّد قضية تأويلها. يبدو،  في هذا الإطار، بأن مفهوم الشكل اللغوي "sprachform'' يقدم نموذجا جليا عن تعدد المعاني، أي متعدد الأغراض على مستوى الدلالات والتأويلات. 

أكدت صيغة شهيرة، لهمبولت ما يلي: "نقصد بشكل اللغة التقديم النسقي – وإذا أمكن الشامل- لخاصية الفكر الثابتة والمتجانسة في خضم مجهوده كي يجعل من الصوت المتلفظ  مؤهلا للتعبير عن الفكر''. 

يحدد تعريف الشكل بهذه الكيفية، نوعا من التماثل النسقي بخصوص نشاط الفهم(حيث يركز النشاط كي يجعل من الصوت المفصلي قادرا للتعبير عن الفكر). لنتوقف لحظة عند كلمتي هذا التعريف: "ثبات(تجانس) و"ممنهج". يقتضي شكل اللغة في الوقت نفسه فكرة الثبات، الاستمرارية، التماثل، وكذا فكرة الكليانية والنسق والبنية. 

من ناحية، تعني استمرارية الشكل بأن الشكل اللغوي(sprachform) مميز في ثباته ذاته: جميع اللغات متماثلة رغم تعدد أشكالها الظاهرية (النحوية)، في نطاق كونها تعكس نفس ''الشكل اللغوي''، بحيث تجسد مجرد مرايا عدة لذات العمل الذهني كي تمنح الفكر قالبا،  وثباتا،  وجسدا. أو،  بتعابير أخرى، عرض مبدأ كليانية نحو بور رويال. 

أيضا، ''النحو التوليدي" قياسا لمفهوم تشومسكي، شريطة –حسب ملاحظة تشومسكي نفسه- استيعاب معنى "شكل اللغة" ك"امتلاك للمعرفة'' بدل كونه ''تمرينا فعليا" (تحيين بالمعنى الأرسطي) لهذه الأخيرة، بالأحرى الكفاءة أكثر من الإنجاز. 

من ناحية أخرى، ولأنه خطاطة عامة وحيدة، تقتضي إذعان كل نحو خاص، يصبح الشكل اللغوي ( sprachform)نسقا كليا، مجموعا نسقيا، كيانا مبنيِناً ومبنيَناً.  إنه المظهر ''البنيوي'' للتعريف: الشكل باعتباره تزامنية (سانكرونية)، وكذا "خطاطة مكوِّنة ثابتة''. بالتالي،  لا يفاجئ أحدا، تركيز البنيوية المعاصرة على هذا الجانب. 

من المهم خاصة اقتفاء خطى التأويل الزاخر براعة،  الذي أعطاه تشومسكي للشكل اللغوي. بتعميم، دون السقوط في تقدير استقرائي مبالغ،  لبعض حيثيات هذا التأويل، نخلص إلى أن الشكل اللغوي يحوي جل مفاهيم تشومسكي عن الكفاءة، والفطرية والإبداعية ثم النحو التوليدي. مفاهيم تتقاطع جميعا فيما بينها وتنتهي مندمجة داخل المفهوم المتكامل للشكل.  إذا كان الأمر كذلك،  فبالتأكيد يعود جانب جزئي منه إلى الغموض الإجرائي الجلي لمفهوم همبولت (مثلما أشرنا إلى ذلك سابقا). 

بالتالي، وقبل التقييم، نطلب من همبولت تدقيق تعريفه. ذلك، أن مفهوم الشكل اللغوي،  قياسا لفكر صاحبه، يتبنى في الوقت نفسه القواعد التركيبية، تلك المرتبطة بتشكيل الكلمات داخل الجملة، ثم القواعد المعجمية، أي تشكل الكلمات؛ ثم القواعد الصوتية، التي تحكم التمييز بين الأصوات، ثم القواعد المنطقية، وهي تحدد مختلف أصناف المفاهيم الجوهرية. 

يعكس الشكل اللغوي، باعتباره بناء نسقيا ومنهجية لتشكيل اللغة، تجريدا للتجريد،  تمثيلا للتمثيل،  مبدأ ثابتا يسمح بتثبيت حركة اللغة اللانهائية.  فكرة أفلاطونية تجعل معقولية الواقع ممكنة،  لوغوس موحِّد ينظم، و''يعلل'' التدفق المتلاشي ل"الظواهر" والسديم الأصيل- ماقبل الإسنادي وكذا اللساني- لعالم المظاهر، ذي البعد الوقائعي الحقيقي. 

تظهر الوظيفة الإبداعية للشكل في الاستعمال اللامحدود(مكونات الخطاب التركيبية والدلالية) لعدد محدود من الوسائل(الجذور الثابتة للكلمات). "خاصية القوة التي تحدث هوية الفكر واللغة،  تمكينها شكل اللغة كي يخلق بوسائل نهائية استعمالا لا نهائيا". إنه الجانب التركيبي للغة "الميكانيزمات الثابتة، التي تبلور من خلال تمثيلها المنهجي وإطارها الموحِّد،  شكل اللغة،  ويلزمها أن تجعل الأخير قادرا على إنتاج مجموع لانهائي من التعابير التي تتطابق مع الشروط التي توجهها عمليات التفكير…، يجب أن تتجسد الخاصية الجوهرية للغة في قدرتها على خلق مجموعة وقائع لسانية لامحدودة وغير متوقعة، بناء على عدد محدود من الميكانيزمات الصريحة". 

مظهر ثان للشكل، أوضحه همبولت، يتمثل في معارضته للجوهر أو المادة. يقوم الشكل كخطاطة جوفاء: تصميم للتلفظ،  شبكة مفهومية،  قالب صوتي،  جدول دلالي، نموذج تركيبي.  مبدأ محدّد، ماهيته النفي حسب هيغل. مادة اللغة، بمثابة صوت غير متلفظ به: مجموع مركَّب ومعتم لانطباعات حسية، وانفعالات وحركات للروح، تلتمس التجلي والتبلور خارجيا والإفصاح عن نفسها. إنه محض يقين، ومبدأ يمكن تحديده. 

أيضا يتعارض ضمن  نطاق مصطلحات همبولت، مفهوما الشكل اللغوي (sprachform) والخاصية اللغوية(sprachcharakter). الشكل، مثلما قلنا، بناء تركيبيا ودلاليا، بينما ينطبق الطابع(charakter)على مختلف أنواع استعمالات اللغة وأنماطها:  مثلا، الطرق التي نعتمدها بين طيات حديثنا اليومي (اللغة الأدبية،  اللغة المتداولة،  لغة العامة،  اللهجة المحلية)أو مختلف الأجناس الأدبية (الشعر،  الرواية،  المسرح،  الملحمة،  الفلسفة).  باختصار، إنه أسلوب شخص (الإبداعات اللسانية للشاعر العبقري) أو أيضا، عبقرية وطن (الخاصية الوطنية للغة). 

سيكون مع ذلك، مجازفة توخي استخلاص مقاربة لشكل اللغة دون التكلم عن جانبه الجوهري باعتباره جهازا عضويا. بالتالي، فالشكل ليس نسقا ميتا، بناء غير متغير كليا، مجموعا جامدا، أو آلية ضمن مدار منغلق. بل على العكس، الشكل منفتح،  ديناميكي،  تطوري،  عضوي،  "توليدي" (تشومسكي). هانحن ثانية نجدنا حيال التعارض الرومانسي بين الشكل الميكانيكي والعضوي. اللغة جهاز عضوي حي؛كل شيء متماسك كما الشأن بالنسبة للمعطى العضوي للكائن الحي:عضو لكل وظيفة، ثم وظيفة لكل عضو. من يقول جهازا عضويا،  يتحدث عن توزيع وتنسيق للمهام أو الوظائف (ترابطات،  تعارضات) داخل مجموع متجانس، منسجم ومهيكَلٍ. يحُول هذا الجانب العضوي كي نكتفي بتقييم اللغة على أنها مجرد''كيس من الكلمات''، تآلف متنافر للعناصر، معجم، ثم جرد أو تصنيف لجذور الكلمات،  باختصار اللغة مشروع.  

*اللغة كمشروع:

تتجاوز اللغة/الطاقة(energeia) بشكل لانهائي اللغة / المشروع(ergon).  اللغة نشاط إبداعي عفوي، طاقي.  مثلا،  تظل لغة الكتابة بمعنى اللغة/الموضوع، نتيجة فقط، وحصيلة فعلية لطاقة اللغة المبدعة. هكذا الانتقال الرئيسي للمدخل(l einleitung)، الذي سعى في إطاره همبولت تحديد نموذج وجود اللغة عبر تعريف''وراثي''(أو توليدي وفق معنى تشومسكي ): "حقا، اللغة شيء يحدث على الدوام بل خلال كل لحظة. حتى صيانتها بين طيات الكتابة يظل مجرد صيانة غير مكتملة، متحولة، يلزمها خلال كل لحظة الانبعاث عبر الكلام: "اللغة ذاتها ليست عملا(ergon)، بل نشاطا طاقيا(energeia). لذلك لن يكون تعريفها الحقيقي سوى توليديا''.                                                        

 (يتبع)

مرجع المقالة: 

*Josef Voss: Chomsky et la linguistique cartésienne ; Revue Philosophique de Louvain ; Année 1973 .   pp.  512-538

(1) نشير بهذا الخصوص أن سوسير في كتابه: ''دروس في اللسانيات العامة"، تحدث بوجهة نظر إيجابية''لاتشوبها بالمطلق شائبة''، عن نحو بور رويال. 

(2) ليس كولريدج وحده من أقام هذا التمييز، بل بلورته أيضا كتابات  أوغست فلهلم شليغل. يتعلق الأمر فعليا، بلازمة حاضرة كليا،  تشغل الأدب بأكمله- الرومانسي وغيره- خلال تلك الحقبة مع هاريس و ليسينغ، غاية كولريدج وغوته، مرورا بفينكلمان، همان، كانط،  شيلر، شيلينغ، شليغل،  هيغل،  همبولت.