الخميس  15 نيسان 2021
LOGO

ذكريات مع مريد ورضوى| بقلم: زياد البرغوثي

2021-03-05 06:16:03 AM
ذكريات مع مريد ورضوى| بقلم: زياد البرغوثي
زياد البرغوثي

 

في يوم من أيام شهر ديسمبر ٢٠١٠ وبعد ساعات العصر؛ زارني في فندق سميراميس في القاهرة، شربنا القهوة وتبادلنا أطراف الحديث عن الوطن والعائلة وتميم..

خلينا نمشي، رضوى بانتظارنا في البيت..

انطلقنا إلى شارع هدى شعراوي حيث الشقة الصغيرة..

 

ما إن دخلنا الشقة حتى انتابني شعور رهبة المكان المقدس، في المدخل الصغير مجموعة من آلات العود من كل الأحجام معلقة بأناقة على الحائط، هي تطور مراحل العزف والموسيقى عند تميم..

 

شربنا أقداح الضيافة وانتقلتُ إلى جولة سريعة في أرجاء الشقة الأنيقة..

هنا غرفة تميم ومكتبته، مجموعة لا تحصى من المؤلفات والمراجع وكتب السياسة والأدب..

 

وهنا غرفة رضوى ومكتبتها ومؤلفاتها ومراجعها التي امتدت على تاريخ الثقافة البشرية والعلوم الإنسانية، كيف لا وهي الأديبة والروائية والأكاديمية والناشطة الحزبية..

 

في غرفة مريد ينتابك شعور أنك تمارس طقوس المحراب المقدس، أوراق ودواوين وروايات ترجمت إلى كل لغات العالم، وسجائر وأدوية كلها بترتيب ونسق وأناقة لا توصف على الورق..

 

انتقلنا إلى المطبخ الصغير، طاولة مع أربعة كراسي..

لا نستقبل أنا ورضوى أكثر من صديقين على مأدبة الطعام.. 

كيف لا وأنت في المحراب الثقافي، لكل كلمة معنى ولكل جملة صدى ولكل حديث ونقاش رسالة..

أوركسترا أدبية، هي بالمختصر العزف بالكلمات..

 

جلست في المطبخ الصغير وأنا أراقب رضوى ومريد وهما يُحضِران الأطباق الصغيرة، هذا يحترف طبخ لحم البيتلو والثاني يحترف طبخ لحم البط، وكأن إبداعهما وخيالهما الأدبي قد وسَمَ كل مناحي حياتهما، في طعامهما وشرابهما وملبسهما وأذانهما الموسيقية.. 

طالت الجلسة وتشعبت الأحاديث عن رواية رضوى (الطنطورية) التي نزلت حديثاً إلى الأسواق وعن الترجمات الصينية والأسبانية لكتاب مريد (رأيت رام الله) وغيرها من اللغات..

 

امتلأت السُفرة بالأطباق المصرية بالنكهة الفلسطينية.. حتى في أطباقهما تجد سحر النكهات وأناقة الضيافة..

تأخر وصول تميم وهو ينتظر البسبوسة الطازجة في محل الحلويات البعيد..

 

افترقنا..

بعد أيام انطلق ربيع مصر، وخيَّم معه الخريف على البيت الصغير، شُخِصَت رضوى بالمرض الخبيث، ولم يمنعها ذلك من الاعتصام اليومي في ميدان التحرير..انقلبت أوضاع العائلة الصغيرة، وتبادلت المهمات وأدوار الرعاية بين مريد وتميم، وخيوط الحزن بدأت تنسج ثوب المأساة على مهل..

انتقلت رضوى إلى الأبدية بعد صراع مع مرض أنهك جسدها وأربك شريك روحها وفلذة كبدها..

 

اليوم رحل شريك الروح الذي فارقته البسمة وهجر قلبه الفرح منذ ذاك الرحيل..

 

وداعاً مريد.. الصبر يا تميم