الأحد  01 تشرين الثاني 2020
LOGO

فلسطينيو الشتات يعبرون البحر بحثاً عن ملاذ آمن

2014-01-21 00:00:00
فلسطينيو الشتات يعبرون البحر بحثاً عن ملاذ آمن
صورة ارشيفية

لبنان- مصطفى أبو حرب

 

بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان في العام 1975 هاجرت العديد من العائلات الفلسطينية من المخيمات التي تعرضت للتدمير مثل مخيم تل الزعتر واستقر بها الحال في ألمانيا، وكذلك الأمر حصل بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان وتدمير مخيم النبطية في الجنوب اللبناني، وارتكاب مجزرتي صبرا وشاتيلا، وحرب المخيمات في بيروت، كلها أثرت سلباً على حياة الفلسطيني في لبنان فكانت موجات سفر عائلات بأكملها تاركة وراءها كل شيء لتلوذ هرباً بأولادها من أتون الحرب والقتل والاعتقال.

السفر إلى اوروبا كان آمناً

لم يكن السفر أو الهجرة باتجاه أوروبا خطراً، وكانت وجهة العديد من العائلات محصورة بألمانيا في فترة السبعينات وأوائل الثمانينات، ولكن تحولت أنظار ووجهة سفر العائلات الفلسطينية باتجاه السويد في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات ومن ثم الدانمارك والنرويج وهولاندا عبر مطار بيروت وصولاً إلى ألمانيا الشرقية سابقاً ومن ثم اختيار الوجهة اللاحقة باتجاه الدول التي تريد عبر القطارات، وكان يكفي المهاجر أن يسلم نفسه للشرطة في البلد الذي يريد الإقامة فيه كي يتم التعامل معه بطريقة إنسانية والاهتمام به وتأهيله للانخراط في المجتمع.

الهجرة اليوم محاطة بالمخاطر

وما زال الشاب الفلسطيني المقيم في لبنان يسعى حتى اليوم كي يهاجر ويترك المخيمات وذلك هرباً من الحالة المزرية التي يعيش فيها فلا يوجد أمل بتحسن الأوضاع الأمنية وعدم استهداف المخيمات، ولا إمكانية لتوفر فرص عمل في ظل توالي تدفق أعداد اللاجئين السوريين إلى لبنان ورغبة الشباب في تحسين أوضاعهم الاقتصادية ورفع معاناة أهاليهم، وكل ذلك بنظر الشباب يعتبر مبرراً كي يختاروا السفر أو الهروب من الواقع الصعب الذي يحيط بالجميع. ولكن كيف الوصول إلى الغاية، يبدأ الشاب بالعمل بجهد مضاعف ويصبح ويمسي يتحدث عن السفر ويضغط على أهله مادياً ونفسياً ويذهب إلى أحد السماسرة الذي إما أن ينصب عليه فيسرق منه ماله، أو أن يركبه البحر على دفة من خشب فيغدو إما وجبة لسمك القرش، أو سجيناً في أحد السجون في دول شرق آسيا أو إيطاليا أو دول الاتحاد السوفياتي سابقاً.

السيد ابراهيم نهيلي من مخيم برج الشمال (جنوب لبنان) يحدثنا بمرارة الفاقد لأخيه بأن شقيقه منير الذي تخطى الثلاثين من العمر، والحائز على شهادة من معهد سبلين والذي كان يعمل في معمل للدهانات، قام بالعديد من المحاولات للسفر فوقع مرة ضحية للنصب وأخرى فريسة للاحتيال ولكنه بقي مصراً على خوض غمار المجهول بسبب عدم الاستقرار والخوف من المستقبل بسبب القوانين التي تحرم الفلسطيني من ممارسة المهن الحرة أو حتى تملك منزل. 

ويضيف إبراهيم بأن منير بقي عازبا يكد في العمل من أجل تأمين أموال الرحلة والتي تجاوزت العشرة آلاف دولار، ولم يكن يعلم منير بأنه كان يجمع أموالا سوف يدفعها ثمنا لرحلته الأخيرة حيث سافر إلى تركيا عبر سوريا متخطيا كل الأخطار الأمنية وذلك في شتاء العام 2013، حيث ركب ومعه مجموعة من الشباب مركباً لا يصلح للإبحار ولا تتوفر فيه أدنى مقومات السلامة  فتعرض المركب لعاصفة ثلجية اضطرته إلى الخروج إلى اليابسة عند الحدود اليونانية التركية وهناك تعرض منير لأزمة صحية  صعبة فتركه المهرب وغادر مع الباقين ليموت منير ويتم العثور عليه جثة متجمدة فوث ثلوج اليونان. وعندما فقدنا الاتصال بمنير قامت عائلته بالبحث والاتصال بالمهرب ونزل شقيقه من كندا ليعيده جثة دفنت في لبنان تحتفظ بأحلامها وأمانيها التي لم تتحقق.

ورغم كل التجارب الصعبة والقصص المرعبة وتعرض الكثيرين من أبناء المخيمات للنصب والاحتيال والمخاطر التي ترافق الهجرة غير الشرعية إلا أنك تجد الشباب الفلسطيني يصر على المغامرة بحياته وحياة أفراد من عائلته وبماله للهرب من واقع مذل إلى مجهول لا يعرف ما ينتظره وكل ذلك هربا من ظلم ذوي القربى.

أما السيد محمد ياسين فيتحدث عن معاناة ابنته ايمان وزوجها هاشم الهنيني وطفليهما بحسرة حين تم اعتقالهم في مصر وهم في طريقهم إلى السويد عبر إيطاليا إلا أنه تم اعتقالهم في مصر بتهمة الإقامة غير الشرعية وتم ترحيلهم إلى لبنان، ومن ثم، وتحت إصرار العائلة على الهجرة سافروا إلى تايلند كمحطة الى السويد الا انه تم اعتقالهم من قبل السلطات التايلندية ولا زالوا يقبعون في السجن هناك ولا يعرف هذا الوالد مصير ابنته وعائلتها.

مازن علي كروم من مخيم العائدين في حمص  يقول بأنه ترك المخيم منذ ما يزيد عن العام نتيجة الأحداث الدامية التي عصفت بسوريا، خصوصاً أننا كفلسطينيين لسنا طرفاً في الحرب الدائرة هناك حيث فر هو وعائلته الصغيرة نحو مصر حيث حطت به الرحال في مدينة الاسكندرية، ظنا منه بأنها أرخص معيشة من لبنان ولكن للأسف يقول مازن بأنه قد تعرض لمضايقات عديدة في مصر، وبعد أن زادت المضايقات ولم يعد يحتمل دفع مبالغ مضاعفة لبدلات الإيجار بدأ يفكر بالهجرة إلى أوروبا.

ولأن مازن رب لأسرة مؤلفة من ولدين وزوجة، ولم يجد عملا يساعده في سد الرمق ولأن الإيجارات تضاعفت عليه، فقد قرر أن يهاجر إلى السويد عن طريق إيطاليا بحرا مخاطرا بولديه وزوجته، يقول: “تعرفت على أحد الأشخاص الذي طلب مني مبلغ ستة آلاف دولار لتسفيرنا ولقد جهدت لتأمين المبلغ عن طريق الأهل والأصحاب وغادرنا الإسكندرية صبيحة يوم 2012-9-11 قاصدين إيطاليا بقارب صيد على أن نجد باخرة كبيرة بانتظارنا في عرض البحر لنقلنا إلى إيطاليا ولكن للأسف فوجئنا بعدم وجود تلك الباخرة وبأنه علينا أن نسافر مبحرين على مركب الصيد إلى إيطاليا وكان على متن القارب 111 شخصاً بينهم أطفال ونساء ورجال. وصرنا تحت رحمة المهرب ووافقنا على السفر بقارب الصيد وعندما وصلنا إلى المياه الإقليمية الليبية أخبرنا الربان بأن القارب قد ثقب ولم يعد أمامنا اي حل سوى أن نستمر مبحرين باتجاه ايطاليا ومن المحتمل أن يغرق القارب أو العودة إلى مصر، حيث كنا نعلم بأننا سوف نجد  خفر السواحل المصري والسجن بالانتظار، ولكن فرص النجاة بالسفر إلى مصر كانت أكبر من الاستمرار في الإبحار باتجاه ايطاليا لأسباب عدة منها أننا سوف نواجه الأمواج  العاتية التي سوف تكسر قارب الصيد فكان لخيار العودة إلى مصر الأولوية.

وعن رحلة العودة الى مصر يقول مازن: «مكثنا في البحر ستة أيام في طريق العودة فقدنا الماء والطعام. كانت أياماً صعبة للغاية من جوع وتهديد وشمس حارقة، وكانت حياتنا مهددة لحظة بلحظة خائفين من أن يغرق المركب أو أن ينفذ الطعام فنموت، ولكن شاءت الأقدار أن نصل إلى الشاطئ حيث كانت الشرطة المصرية بانتظارنا، وأخذتنا إلى فرع شرطة الاسكندرية، فاتصلنا بالقنصلية الفلسطينية والصليب الأحمر والأمم المتحدة ولم يستطع أحد ان يرانا سوى القنصل الفلسطيني الذي لم يتمكن من فعل اي شيء لنا.»

وها أنا ذا في لبنان لا أعرف أحداً وأنا أقيم عند أصدقاء استضافوني، وأنا أبحث عن منزل لاستئجاره ولا أعرف ماذا تخبئ لي الأيام، حتى أنني بت أشعر بأن الفلسطيني قد أُخرج من كل قواميس الإنسانية والأعراف والتقاليد والقوانين الدولية وبأنه لا يتمتع بالحماية والحقوق التي قد تعطى لغير البشر.»

ويضيف: “هنالك الكثيرون مثلي أنا وعائلتي ممن فروا عبر البحر فوصلوا إلى وجهتهم وآخرين قضوا غرقا، وهناك من ينتظر ولكن لا يعرف إلى أين السبيل أو ماذا يفعل لضمان حياة كريمة بعيدة عن الإذلال أو هدر الكرامة الإنسانية”