الجمعة  16 نيسان 2021
LOGO

الصناديق فارغة والتبرير جاهز| بقلم: د. حسن أبولبده

2021-04-02 05:55:08 PM
الصناديق فارغة والتبرير جاهز| بقلم: د. حسن أبولبده
د. حسن أبو لبده

 

أخيرا أفرج "القيمون" على شعبنا عن قوائمهم الانتخابية، وأصبح متاحا وضع كل منها في ميزان التقييم الموضوعي بانتظار اختيار الأكثر قدرة على التمثيل وصون المصالح الوطنية، عملا بأحكام قوله تعالى "إِنَّ خَيْر مَنِ اسْتَأْجَرْت الْقَوِي الأَمِين".

 

بناءً على مراجعتي، ومن واقع معرفتي شخصيا بمعظم المرشحين فإن القوائم باهتة إجمالا، وكأنها تأتي من أرض جرداء فقيرة بالأبناء المخلصين الأفذاذ المثقفين نظيفي اليد، ذوي العلم والتجربة والتضحية والشجاعة في قول الحق وفعله والاستشهاد في سبيله.

 

قائمة حماس لا تزال من أسرارها حتى الإفراج عنها من لجنة الانتخابات، ولكن ما رشح عن بعض أسمائها يوحي بأن الحراك الحمساوي والاستعداد لهذا اليوم بدأ منذ أمد بعيد، وتعمل فرازة الأسماء لديهم بصمت وسرية لاعتبارات سياسية وأمنية وانتخابية، وقد راعت كما علمت معايير اختيار مشددة لضمان الأحقية والتمثيل الديموغرافي والجهوي والعلمي والنضالي والعشائري والعقائدي. ولعلها بذلك تخطط، إن نجحت بالأغلبية، لاستكمال الانقلاب السياسي عبر الصندوق.

 

في المقابل فإن قائمة فتح مرت بمخاض عسير حتى آخر لحظة، وقد سعى القيمون عليها لوضع معايير غلب عليها الفرز التنظيمي في البداية، ولكنها استسلمت في نهاية المطاف لاعتبارات يغلب عليها عنصر الولاء ومدى الاقتراب أو الابتعاد عن هذا وذاك من القيادة الفتحاوية.  هناك في فتح، التي ترعرعت فيها نضاليا وفكريا وسياسيا وأحفظها عن ظهر قلب، آلاف الكوادر الصلبة المثقفة والمسيسة والمهنية المنتمية لوطنها ومصالح شعبنا العليا، التي لم تنل شرف التسكين في موقع جدي في القائمة، لا لشيء سوى افتقارها لميزة الولاء الأعمى أو عدم رضى هذا وذاك، أو عدم القبول في قمة الهرم الحركي.

 

إن فوز حركة فتح في هذه الانتخابات (إن حصلت) وتأمين الأغلبية المطلقة في التشريعي أمر هام ومصيري لمستقبل العلمانية والتعددية والقبول بالآخر في فتح، وإن تم الاختلاف معه. ولا أعتقد أن قائمة فتح الرسمية ستستطيع تحقيق أغلبية حاسمة لوحدها، وهي بحاجة ماسة للتحالف مع قوائم أخرى لتأمين ذلك في المحطات التشريعية المفصلية.  

 

ونظرا لظروفها الداخلية التي امتلأت بكل أسباب الانهيار، فإن قيادتها مطالبة بالتنازل عن بعض الكبرياء السياسي والشروع الفوري بالتفاهم مع قائمتي الحرية والمستقبل المنبوذتين على آلية عمل بعد الانتخابات، لأن في كل منها عدد كبير ممن لهم تاريخ طويل في حركة فتح، ولهم فيها وبتاريخها حصة لا يستطيع أي كان إنكارها أو شطبها. وعلى فرض تحقق المستحيل وعقدت الانتخابات، فإن كلا القائمتين المنبوذتين ستتجاوزان نسبة الحسم بنسبة كبيرة، وفي هذه الحالة تقترف قيادة حركة فتح جريمة بنفيهم مجددا إلى صفوف المعارضة، وبالتالي الاصطفاف التلقائي مع كتلة حماس، المتوقع فوزها بحصة محترمة من المقاعد.

 

منذ أن تشرفت بعضوية حركة فتح قبل أربعين عاما وأنا أسمع شعار الشهيد الرمز "ديمقراطية غابة البنادق"، وقد عمل بهذا المبدأ معظم قيادات الحركة من الصفين الأول والثاني في عهده، وبعضهم خالفه علنا وسرا (ومنهم الرئيس)، ولكنني لم أشهد ولم أسمع عن حرق شعرة معاوية مع جميع المعارضين، ما دامت أجندتهم فلسطينية.

 

ما أقصده بذلك، أن يعترف الجميع بمن فيهم الرئيس ومعارضوه بأنه على الرغم من أن لكل منهم مآخذه على الآخرين، ولكن لا مناص من التكامل في المجلس التشريعي.  إن هذه المآخذ والخلافات لا تخول أحداً تجريد أي شخص من إرثه النضالي وتضحياته وحصته في تاريخ هذه الحركة ومستقبلها.  إن فريضة حماية الخيمة الفتحاوية المهلهلة حاليا ملزمة للجميع، ولا يستقيم ذلك إلا بالعودة للعمل بدستور "ديمقراطية غابة البنادق" و"قانون المحبة"، خاصة وأن حركة فتح ليست شركة أو مؤسسة خاصة يحكمها المزاج الشخصي لمالكيها بحق من يعلو صوته ويسبح ولو قليلا أو مؤقتا بعكس التيار.

 

إن حركة فتح في جوهرها إطار وطني يجتمع على الالتزام بقضيتنا وصيانة حقوق شعبنا بالحرية والاستقلال والكرامة الإنسانية، وهي القلعة الأخيرة في مواجهة المد الإخواني المتشدد والإسلام السياسي، والملاذ الأخير للعلمانيين والليبراليين وكل من يؤمنون بالديمقراطية كمنهج حياة. ولذلك فإن صحتها واستمرارها ليس مصلحة حركية فقط وإنما مصلحة وطنية جامعة.  ولا يمكن لها أن تمنع الانهيار إلا بالإصلاح العميق والاعتراف بحق الأجيال الشابة بقيادتها، ونبذ سياسة الإقصاء وإلغاء الآخر من أخوة السلاح ورفاق الدرب، واعتراف قيادتها بفشلها وتنحيها طوعا.

 

شخصيا، أتمنى أن تعقد الانتخابات النزيهة، وأن يتحول يوم 22 أيار هذا العام إلى يوم انبعاث الديمقراطية من جديد في ما تبقى من فلسطين، وإن حصل ذلك فهو بحق يوم خالد وجب الاحتفال به سنويا.  ولكنني لا أعتقد أنها ستعقد، حيث هناك أسباب عديدة تشجع الرئيس ومن حوله على "تأجيلها"، أقلها برأيي مسألة القدس، إضافة إلى الشرذمة الهائلة على المسرح الفتحاوي، والضغوطات الإسرائيلية والإقليمية والعالمية. 

 

آمل أن أكون مخطئا في تقديري، وفي هذه الحالة يجب على الشباب تحديدا أخذ زمام قيادة التغيير الديمقراطي والتصويت بكثافة للقوائم التي تتضمن العدد الأكبر من الشباب.  أنا أعلم جيدا أن الرئيس لم يستمع لنداءاتهم بتخفيض سن الترشح، ولكن هذا لا يمنع من اقتحام الصناديق تصويتا وتحريرها من استمرار هيمنة العشائرية والأبوية السياسية. هذه الانتخابات هي فرصتهم لاستعادة حقوقهم المصادرة بالمشاركة السياسية وفرض حضورهم وقيادة المشهد، وصون حقهم وحصتهم في تقرير مستقبل وطننا، عبر الصندوق. وفي حال لم تتحقق المشاركة الشبابية والتصويت بمعدلات قصوى، فإنني أرى بذلك هروبا من المسؤولية، ومساهمة في استمرار الانهيار والموت البطيء لحلم التحرر والاستقلال.

 

أما إن "أُجِلت" الانتخابات، فإن ذلك سيشكل طعنة أخرى في جسد الديمقراطية واعترافا بالواقع المؤلم لحركة فتح واستسلاما للخوف من النتائج وإذعانا للضغوط الإسرائيلية والإقليمية والعالمية، والأهم من ذلك انقلابا مجدداً على مستقبل الشباب، يستدعي منهم حراكا وطنيا صلبا مستمراً لتصويب المشهد.