الإثنين  29 تشرين الثاني 2021
LOGO

حركة فتح.. شماعة الفشل الحكومي| بقلم: د. حسن أبولبده

2021-07-03 10:43:40 PM
حركة فتح.. شماعة الفشل الحكومي| بقلم: د. حسن أبولبده
د. حسن أبولبده

أدمت جريمة اغتيال المرحوم "نزار بنات" مقلة حركة فتح رغما عنها، جرَّاء سوء إدارة المشهد وتصريحات بعض قادتها ومتحدثيها، والزج ببعض كوادرها في معركة لم تكن أبداً طرفا فيها، فواقعة الاغتيال لم تقم بها حركة فتح، ولا أذكر أنه في أي يوم نادت أو تبنت الحركة مبدأ اغتيال أصحاب الكلمة ومعارضي الرأي في وطننا، فهذا السلوك يتناقض مع جوهر إعلان الاستقلال، ومع كل ما تعلمناه حول أهم قيم الثورة الفلسطينية، صاحبة شعار "ديمقراطية غابة البنادق"، والتي اتسعت عباءتها لأكثر الأفكار والمواقف حدة على يسار أو يمين عمودها الفقري، حركة فتح.

منذ قيام السلطة الفلسطينية، أُزهقت بعض الأرواح في أقبية الأجهزة الأمنية خلال التحقيق، وغالبا ما كان ذلك نتيجة للمغالاة في انتهاك كرامة جسد المعتقل خلال التحقيق، وكانت الجهات المختصة تتجمل المسؤولية وتسارع إلى وأد الفتنة المحتملة في كل واقعة.  إلا أن ما جرى بحالة "نزار بنات" فهو اغتيال مع سبق الإصرار والترصد.

ما يهمني هنا هو التأمل والتعقيب على إدارة الحكومة وحركة فتح وباقي مكونات النظام السياسي لتداعيات واقعة الاغتيال وتبعاتها، والتي أرى بأنها زادت من تأجيج وغليان الشارع الفلسطيني، وفتحت المجال لمحاولة البعض استغلال ذلك لتنفيس هذا الغليان بوجه السلطة وحركة فتح ورأس النظام.

بقدر ما أشعر به من استياء لاغتيال "نزار بنات" لآرائه ومنشوراته المكتظة بالموقف المعارض الساخط المستنكر الغاضب والمتألم من سلوك وأداء السلطة الفلسطينية، وتنمر وتنفذ وفساد بعض رموزها واستثمارهم لمواقعهم لتحقيق الثراء الفاحش، وانتهاك المال العام، واستغلال النفوذ في كافة المجالات، فإنني لا أرى في تلك المواقف والشعارات والمنشورات سببا للاغتيال، فهو (ما لم يثبت العكس) لم يعارض أبدا بقوة السلاح أو أعمال التخريب أو الإيذاء الجسدي لأحد، ولم يبع أراض للمستعمرين، أو يوش بمجموعات فدائية، وإنما عبر عن معارضته بالكلمة والشعار والفيديو ووسائل التواصل الإجتماعي مباشرة، وبطريقة سلمية تماما.  وإن أقصى ما كان يجب أن يحدث هو إحالته للقضاء بتهمة الذم والقدح والتشهير والتحريض، ويُترك للقانون أن يأخذ مجراه.

شخصيا، لم أتفق يوما مع طريقة المغدور بالتعبير عن معارضته، التي لم تخلُ من مغالاة في تجريح وتوصيف خارج عن الأصول، ولا مع إطلاقه الأحكام القاسية والارتجالية أحيانا بحق بعض مكونات الحركة الوطنية ورموزها، إلا أنني احترمت دائما حقه بالاختلاف واتفقت مع جوهر بعض ما أدلى به، ولا أرى في الأسلوب أو المحتوى سببا لإزهاق روحه، وأعتقد أن أي مسؤول أو فصيل أو حزب أو جماعة رأت في منشوراته تهديدا وجوديا لها، فهي لا تستحق أصلا أن تكون على هذا التراب الوطني المقدس.

واقعة الاغتيال مستنكرة ويجب أن يحال من قام بذلك للقضاء، وكذلك كل من أصدر التعليمات على كافة المستويات، وعلى وزير الداخلية أن يتحمل المسؤولية لعدم قيامه بواجبه تجاه سلامة وأمن وكرامة المحتجين، وخاصة عندما بات واضحا أن الشارع الفلسطيني في طريقه للاقتتال الداخلي.

ليس مستغربا أن البعض حاول الاستثمار في حادثة الاغتيال، سواء بمحاولة النيل من الحكومة أو بعض رموز الفصيل الأكبر حركة فتح، أو الرئيس، ولكن سوء النصيحة للرئيس، وسوء الإدارة لدى الحكومة، والمراهقة السياسية لدى بعض قيادات حركة فتح، ساهمت في تأجيج الشارع وتوريط الحركة وتكريس عجز الحكومة، وتوسيع الفجوة بين قيادة النظام السياسي والشارع المحلي.

لم تستشعر الحكومة احتمال ردود الفعل الغاضبة، واستخفت باحتمال أن يتحول الغضب إلى ثورة، بل فاقمت الأزمة بصمتها إزاء واقعة الاغتيال، وعدم استنكارها والتحرك الفوري لتطويقها، ولو حتى بالإعلان عن التزامها باتخاذ المقتضى القانوني بحق من نفذوا الاغتيال ومن أصدروا لهم التعليمات بذلك، والاعتذار لعائلة المغدور وتعزيتها بما يليق، وما يظهر التضامن مع مصيبتها. إضافة إلى وقفتها المتفرجة على تفاعلات الشارع الخطيرة، وتسليمها دفة إدارة الأزمة لغيرها.  أما القيادة الفلسطينية، فقد عبرت مجددا عن عجزها في قراءة المزاج العام، ولم تدرك خطورة ما يجري وإمكانية استثماره من قبل بعض أطراف المعارضة لتحقيق مكاسب آنية وتعميق الفجوة مع الشارع الفلسطيني.

أما حركة فتح، فقد وجدت نفسها في معركة لم تخترها وليست طرفا فيها أصلا، وزادت التصريحات العشوائية والنارية من بعض أطراف اللجنة المركزية وبعض المتحدثين الرسميين بحق المحتجين من قسوة المشهد الفتحاوي.  وبينما شعرت الأغلبية الساحقة من الكادر الفتحاوي من مختلف الأجيال بالصدمة مما جرى، ورأت فيه تغولا قاسيا من السلطة التنفيذية، فقد آثر البعض استغلال الموقف وتصوير الحراكات الشعبية ومظاهر الاحتجاج في الشارع وكأنها خرجت ضد حركة فتح، وهنا المصيبة.

عبر تاريخها، لم تكن حركة فتح يوما إلا مرجلا من التضحيات والإقدام وقيادة المشروع الوطني التحرري والتضحية في سبيله، وقد وهبت نفسها وخيرة أبنائها في أتون معركة التحرير والبناء.  فمنذ انطلاقتها قبل أكثر من 60 عاماً، قدمت حركة فتح قوافل من عشرات آلاف الشهداء والجرحى والأسرى في سبيل كرامة أصغر طفل فلسطيني ولتحافظ على علم فلسطين خفاقا، وكأم رؤوم، ساهمت الحركة في ولادة ونمو وحماية معظم فصائل الثورة، ورأت فيها أعمدة وأساسات للبناء الوطني، وشركاء في مسيرة التحرر الوطني.

لقد تم الزج ببعض الكادر الحركي من الشبية ومنتسبي أجهزة الأمن بالزي المدني في مواجهة الشارع الغاضب، تحت شعار الدفاع عن الحركة والسلطة والرئيس، وصُرح لهم قمع المحتجين وإيذاء بعضهم جسديا، في ظل وقوف الحكومة متفرجة على هذا المشهد الدموي، ضعيفة مهزوزة غائبة غريبة، في الوقت الذي من المفروض أن تسعى فيه لاحتواء المشهد بصفتها مرجعا لأجهزة الأمن الداخلي بما فيها الشرطة والأمن الوقائي، ومسؤولة بشكل مباشر عن فرض النظام العام.

إن الزج بالكادر الحركي في مواجهة المحتجين يمثل من وجهة نظري مؤامرة على حركة فتح العملاقة، التي لم تكن طرفا في مأساة الاغتيال، وليست الجهة المرجعية للحفاظ على النظام العام وأمن المواطنين.  وفي الوقت الذي تخوض فيه حركة فتح وغيرها معارك مصيرية في بيتا وسلوان والشيخ جراح والقدس وعلى تخوم غزة وغيرها، بالتزامن مع مأساة الاغتيال، فقد آثر البعض حرف البوصلة وزجها في مواجهة الاحتجاجات الشعبية المشروعة، وإن اختلفتُ شخصيا مع بعض شعاراتها.  وإنني أحمل هذا البعض والحكومة مسؤولية كاملة عن الأذى الذي لحق بحركة فتح والسلطة، وحتى الرئيس، الذي كنت آمل أن يتدخل فور اختلاط المشهد، بصفته المسؤول الأول قانوناً عن استقرار البلاد وسلامة المواطنين واستمرار توجيه البوصلة نحو القدس وقيام الدولة وكنس المحتل الغاصب عن أرضنا.

لقد ساهمت التصريحات المحرضة والمسخنة للشارع، من مسؤولين حكوميين وبعض قيادات الحركة ونفر من الكوادر، في تأجيج الاستياء الشعبي من محاولة قمع مسيرات الاحتجاج السلمية (في غالبها).  وقد برز من بينها بعض التهديدات الخطيرة للحراك الشعبي، وخاصة برفع شعار "شارع_مقابل_شارع" الذي أعلنه بعض المسؤولين.  إنني أعتبر هذا الشعار دعوة صريحة للحرب الأهلية حتى آخر قطرة من دم أبناء حركة فتح.  وكنت آمل أن يصدر الرد المستنكر على هذه الدعوة من أعلى المستويات السياسية، وأولها قيادة حركة فتح.

في ظل ما يجري حاليا بشأن فشل إدارة أزمة الاغتيال، واستفحال ظاهرة تهميش وتغييب مشاركة معظم الكادر الحركي بالقرار، فإن على حركة فتح مراجعة وضعها وموقعها ودورها وسلوكها، حتى تستمر بشرف حمل الأمانة وقيادة الحركة الوطنية.  ولا يليق بحركة فتح، التي من المفروض أنها حاملة وحامية المشروع الوطني، أن تتعاطى بالصغائر، وكنت أتمنى لو أنها تعاطت مع قضية الاغتيال بطريقة مختلفة، تجسد رعايتها وقيادتها للحركة الوطنية، وتؤكد أنها الوعاء الذي يتسع للجميع، وأنها الناموس الأخلاقي بما يتعلق بقدسية الروح الفلسطينية، والحق المقدس بالاختلاف.

فتح ليست حركة هشة هامشية منهارة حتى يهب من تم تحريضهم للدفاع عنها، وكأن القيامة تقوم إن تظاهر الناس ضد السلطة، واعتبار أن حركة فتح هي الوجه الآخر لها، والإيحاء من حيث لا يدرون وكأن فتح هي من اغتالت “نزار بنات”، أو على أساس أن النظام السياسي سينهار بفعل هذه الاحتجاجات المشروعة. 

أنا لا أتفق مع بعض الشعارات التي طرحت وخاصة شعار "ارحل"، لأنه غير واقعي ولأن المطلوب فعليا هو حركة إصلاح عميقة تغير وجه وقلب النظام السياسي ووجهته، ولكن من حق الناس أن تعبر عن رأيها وتنادي برحيل أي مسؤول، ومن حق الناس الضغط للكشف عن المتسببين بجريمة الاغتيال، ومن واجب الرئيس أن يتأمل ويفكر مطولا بشأن ما جرى، والمفروض أن يرى في ذلك دعوة صريحة لتغيير الدفة وآلية إدارة البلاد، ويسارع لعقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، وهذا أقل ثمن يمكن دفعة كـ "دية" للمغدور والمجتمع الفلسطيني. 

وفي ظل قساوة المشهد، يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن منتسبي الأجهزة الأمنية هم أبناؤنا، وإنني واثق بأن أغلبيتهم الساحقة تستنكر الاغتيال والتطاول على المتظاهرين، ولو تحلى النظام السياسي بالقليل من الديمقراطية وسعة الصدر، لانضم بعضهم للحراك الاحتجاجي. المطلوب منا جميعاَ القليل من الحكمة والتذكر دائما بأننا، في معظم الأيام، ننام وادعين في بيوتنا لأن هناك عينا ساهرة على راحتنا، من منتسبي أجهزتنا الأمنية.

أخيرا، بمحاولات تبرير الاغتيال من خلال شيطنة "نزار بنات" تسعى أيد خفية لإلصاق جريمة الاغتيال بحركة فتح.  وباغتياله حصلت جريمة نكراء، وبالصمت المطول قبل استنكارها جريمة أكبر، وبقمع المتظاهرين المحتجين بطريقة وحشية جريمة أكبر وأكبر، وبعدم تحمل الحكومة مسؤولية هذا الفشل في احتواء الموقف تقع أم الجرائم... فارحلي يا حكومة.