الأربعاء  06 تموز 2022
LOGO

الراب الفلسطيني بين الماضي والحاضر.. ما علاقة السياسة وكيف أثر وتأثر فيها؟

2021-08-08 02:25:48 PM
الراب الفلسطيني بين الماضي والحاضر.. ما علاقة السياسة وكيف أثر وتأثر فيها؟
الفنانون المشاركون بحوارية mic vs mic

الحدث- سوار عبد ربه

ما قبل الأحداث الفلسطينية الأخيرة ليس كما بعدها، وجهة نظر تبناها محللون سياسيون كثر بعد الأحداث السياسية المتسارعة التي شهدتها المنطقة في الأشهر القليلة الماضية، لكن الأمر لم يقف عند السياسية فحسب، إذ حظي الفن الفلسطيني وتحديدا فن "الراب" بنصيب وافر من التغير، على اعتبار أن الفن ينتج تبعا للتفاعل مع المجتمع ويأتي متشابكا مع متغيراته المختلفة.

وكان للراب الفلسطيني حضور جلي في الأوساط الفلسطينية في الأحداث الأخيرة، إذ ظهرت نهاية نيسان الماضي، أغنية راب لمغنيين فلسطينيين معروفين باسم "شب جديد" و"ضبور" حملت اسم "إن أنّ"، استطاعت أن تحصد ملايين المشاهدات، واعتبرها كثيرون أنها أغنية المرحلة، كما أنها فتحت المجال أمام العديد من الشبان كي يدخلوا المجال ويعبروا عما يجول في أذهانهم بلغة بسيطة وعفوية.

وللوقوف عند دور الفن في تشكيل الثورة والحرية، ومساهمة صوت الشابات والشباب الفلسطيني في المقاومة والتحرير، وخلق أدوات فنية جديدة لتغيير الواقع الاجتماعي والسياسي في فلسطين، استضافت مؤسسة عبد المحسن قطان أمس السبت، عددا من مغني الراب الفلسطينيين الذين حاورتهم، ياسمين قعدان، وهم: تامر نفار، ميساء ضو، محمود جريري ( فرقة الدام)، ماكي مكوك، أبو العيس، الفرعي، والعاصفة، للحديث مفصلا عن المحاور السابقة وللإجابة على سؤالين رئيسيين لماذا نكتب ولمن نكتب، ضمن  حوارية Mic vs Mic.

وأوضحت قعدان في افتتاحية الحوارية أنها تهدف إلى استنطاق الرؤى الفنية في فلسطين، ففن الراب يعتمد على قوة الكلمة، مشيرة إلى أن الفن يعمل على التحفيز السياسي من أجل التغيير والثورة والتحرر، والفنانون والفنانات هم جزء من مجتمع مستعمر ومأزوم، يسعى لإعلاء صوت قضيته الاجتماعية والسياسية والخلاص من هذا الاستعمار، هن وهم عيون واعية يستخدمون مقاربات مختلفة في فنهم، نقد الاستعمار، وخطاب الإرهاب، العنصرية والهيمنة الذكورية.

وردا على سؤال قعدان حول سبب هذا الحضور المكثف للراب في الأحداث الأخيرة، وما إذا كانت الحرب مفصلا في العلاقة بين الفن والسياسة، وعن فائدة الراب في مرحلة تحفيز التفاعل والانفعال السياسي قال عاصفة وهو منتج ومغني راب: "توجد علاقة قوية بين الفن والسياسية، وهذه الفترة أعادتني إلى زمن الانتفاضة الثانية، فكان الدافع آنذاك هو الوضع الذي عايشناه، لما رأيناه من اجتياحات ومنع تجول، الأمر الذي تحول إلى طاقة وأفكار نرغب في روايتها وإيصالها إلى العالم وهكذا بدأت".

وقارن عاصفة بين "الراب" في هذه المرحلة والمرحلة السابقة، حيث أوضح أنه لم يكن منتشرا كما الآن فالناس لم تكن تسمع "الراب" العربي، لكن اليوم عاد "الراب" بشكل قوي أكثر ومكثف أكثر، ومع تصاعد الأحداث، استطاعت الأغاني السياسية التي ظهرت أن تحصد ملايين المشاهدات وأثرت على كثيرين، حتى أنها وصلت إلى أوروبا لأناس لا يتحدثون العربية أصلا، حسبما رأى عاصفة المقيم في مدينة فيينا في النمسا.

وتابع عاصفة: "كما استخدمت أغاني الراب في الأحداث الأخيرة في الأنشطة السياسية والمظاهرات ما أثر على شعبيتها".

أما الفرعي وهو منتج ومؤلف موسيقى ورابر، فيرى أن الراب مر بنقلات كثيرة، كانت أهمها أغنية "دورك جاي" للفنان المصري "ويجز" والتي أحدثت نقلة نوعية لكل مشهد الراب العربي لأنها وصلت إلى أرقام عالية وحملت كلمات غريبة وجديدة، وليست مألوفة، وفلسطينيا، عندما طرحت أغنية "إن أنّ" حصدت أرقاما عالية أيضا، وأحدثت نقلة، سيما أنها كانت مختلفة ومرتبطة بخضم الصراع.

من جهته، اعتبر أبو العيس وهو رابر ومنتج وفنان وسائط متعددة من حي الشيخ جراح، أن التطور الذي حصل في هذه الفترة كان لا بد منه، موضحا أن أي نوع موسيقى يدخل إلى البلد يحتاج إلى وقت لجمع الجمهور، والاستقرار وتكوين نفسه.

ويرى أبو العيس أن الهيب هوب فن موجود منذ زمن لكن مشهده كان منقوصا من ناحية الإنتاج والجمهور، مبينا أن زيادة العوامل السابقة ستؤدي  إلى زيادة الفن والإنتاجية والمستمعين والمشاهدين والفهم بشكل عام لأنه يصبح شيئا واضحا بالنسبة للجماهير التي سيعرض عليها أكثر من مثال وهذه الأمثلة تعطيهم الفرصة للإعجاب بهذا النوع من الفن.

كما يعتبر أبو العيس أن ظهور فنانين جدد، ساهم في مواكبة الأحداث بشكل أفضل، إذ أنه في الفترات السابقة، كان الراب يتناول موضوعات حاصلة أصلا وليست وليدة اللحظة.

أما ماكي مكوك وهي مغنية وكاتبة أغاني ومؤلفة موسيقية وفنانة دي جي، فعادت من خلال إجابتها لبدايات فن الهيب هوب لمحاولة الربط بين الفن والسياسة، إذ قالت: "بدأ الهيب هوب بأمريكا كردة فعل اجتماعية أكثر من كونها سياسية على موسيقى الديسكو، فجاء الهيب هوب وكسر الموسيقى الميلودية التي تعتمد على الغناء بشكل كبير، لأشخاص لا يغنون ولكن لديهم الكثير لقوله، فتطرقوا للمشاكل الاجتماعية والمشاكل التي يعيشونها، مشيرة إلى أن الفن مرتبط بالسياسة حيث أننا نعايش وضعا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا غير طبيعي، والهيب هوب ينقل الصوت".

من جانبه، يرى محمود جريري وهو أحد أعضاء ومؤسسي فرقة الدام التي ظهرت نهاية التسعينات، أن الربط بين الفن والسياسة له علاقة بالمكان المتواجدين فيه كفنانين (فلسطين)، حتى لو أردنا أن نبتعد عن السياسة، هي موجودة في حياتنا اليومية وجزء من واقعنا وهذا يؤدي إلى أن جزءا كبيرا منا مجبور على تناول السياسة في أغانيه".

أما عن انتشار الراب فبحسب جريري كان للتطور التكنولوجي وسرعة التواصل بين الناس والتطور الموسيقي والإنتاجات التي نسمعها اليوم، أثر في زيادة الشعبية، بالإضافة إلى التوقيت، فعندما ظهرت الدام عام 2000 لم تكن التطبيقات موجودة كـ تيك توك وغيرها، ونشرنا الأغنية فقط على موقع إلكتروني وحصدت مليون مشاهدة، وذلك لأنها طرحت في التوقيت المناسب وتناولت مشاعر الناس في تلك الفترة، كما أن أغنية "إن أنّ" تعتبر أغنية ممتازة، وعامل التوقيت لعب دورا مهما في انتشارها.

وبالنسبة لميساء ضو والتي انضمت إلى "الدام" عام 2015 ، فإن "الجيل والواقع الذي نعيشه يؤثران على الموسيقى التي تخرج والموسيقى توثر على الجيل والواقع أي أن الاثنين يؤثران على بعضهما وفي الأحداث الأخيرة الموسيقى الشائعة كانت الراب، أما في الانتفاضة الثانية فالفن كان مختلفا، بسبب اختلاف الواقع والجيل".

وترى ميساء أن الأمر المختلف في الفترة الحالية هو أن الراب أعطى فرصة للناس التي لا تغني أن تعبر عن رأيها، كما نزل الراب بالفن من موقع الرقي وأن تكون فيه كل كلمة محسوبة، إلى مكان مكن الشباب والشابات المتواجدين في الشارع من إعلاء صوتهم.

وحول أهمية الفن بشكل عام تعتبر ميساء أنه مهم لما يقوم به من توثيق للأحداث، معتبرة أنه أسهل طريقة للتواصل، إلى جانب أنه يعطي شعورا للمستمع أن أحدا يعبر عن كلمات موجودة في داخله لا يستطيع التعبير هو عنها.

ووفقا لتامر نفار وهو رابر وأحد أعضاء ومؤسسي فرقة الدام، فالراب يعد أكثر موسيقى صريحة ومباشرة.

وتتطرق نفار في حديثه، إلى النقلات التي مر فيها الراب العربي والفلسطيني منذ عام 2000، حتى الفترة الحالية، إذ اعتبر أن أغنية "مين إرهابي" لفرقته، أحدثت نقلة، وكانت مفتاحا للحديث عن وجود هذا النوع من الفن في البلاد، وفي أحداث "ما يسمى الربيع العربي" كانت النقلة مع أغنية راب للجنرال، وبعد الأحداث، أحدثت فرقة مشروع ليلى نقلة أخرى، ولاحقا، استطاعت فرقة 47 soul  الفلسطينية التي أدخلت ثقافتنا والمجوز واللهجة الفلاحية أن تنقل الراب إلى مكان مختلف، وبعدها أخذت المشهد أغنية يا ليلي للفنان "بلطي".

وأشار النفار إلى أن الراب دائما حاضر، ويضع يده على النبض، كما أنه كان أمينا للشارع ومعه، والمختلف هو أن آليات التوزيع اختلفت وتطورت والناس بدأت تتقبل وتفهم أكثر، ملخصا الوضع بجملة: "الدينين انفتحت أكثر إحنا تمنا مفتوح صارله 25 سنة".

وخلال الحوارية تطرقت المحاورة ياسمين قعدان إلى الأحداث التي مرت بها المنطقة العربية في السنوات القليلة الماضية من توقيع اتفاقات تطبيع بين عدد من الدول العربية و"إسرائيل" لمحاولة فهم الصعوبات التي ستقع على عاتق فناني الراب في مواجهة هذه الأحداث من خلال أغانيهم ورسائلهم، بالإضافة إلى الصعوبات التي سيواجهونها في حال المشاركة في الأحداث الفنية العربية مع أحداث التطبيع العربي.

وأجمع الفنانون السبعة على أن الجمهور يعطي الفنانين مسؤولية أكبر من دورهم، وهذا ما عبرت عنه الفنانة ميساء ضو في حديثها الذي تمحور حول أن "الجمهور يعطي الفنانين مسؤولية دول كاملة، ويتناسون أنهم أناس يقدمون فنا وليسوا سياسيين" مضيفة: "ليست مسؤولية كل فنان فلسطيني أن يتحدث بالسياسة بل عليه أن يقوم بالفن الذي يحب، والفنان إن تطرق إلى السياسة في أغانيه فهو لأنه يعايشها بشكل شخصي، وتؤثر عليه بشكل مباشر".

أما "عاصفة" فأجاب على الشق الثاني من السؤال بأمثلة تعرض لها في حياته اليومية بعد أحداث التطبيع العربي، حيث خسر فرصا كثيرة نتيجة الأحداث، آخرها رفضه دعوة لعرض بسبب طلب القائمين عليه الاطلاع على كلمات أغانيه تحسبا لأي أجندات مخالفة لهم، إلى جانب الدعوات التي تكون تحت مسمى "السلام" أو الممولة "إسرائيليا"، مؤكدا أن الفلسطيني في المهجر يتعرض لتحديات من نوع آخر.

في سياق مختلف، تناولت الحوارية موضوع الهيمنة الذكورية والمسؤولية التي تقع على عاتق الفنانات المؤديات لفن الراب، لما يواجهن في أعمالهن المقدمة من معركة مركبة ما بين هيمنة الخطاب الذكوري وبين المعركة مع الاستعمار، ومن وجهة نظر ميساء ضو؛ الصعوبة الأساسية تكمن في الجمهور وردود الفعل، حتى وصلت لقناعة تامة أنها ستقدم الفن الذي تحبه بالكلمات التي تناسبها بعيدا عن أي اعتبار وغير مكترثة ما إذا كان أحد سيسمعها أو لا.

وفي سياق آخر، تطرق محمود الجريري إلى موضوع هيمنة الخطاب الديني على المجتمع مشيرا إلى أنه لا توجد حرية مطلقة في التطرق  إلى موضوع الدين من خلال أغاني الراب، لأسباب لها علاقة بالمكان الذي نعيش فيه.

وختم الفنانون الحاضرون على المسرح الحوارية التي استمرت لثلاث ساعات بفقرة غنائية، حيث أدى "أبو العيس" أغنية تتحدث عن الأحداث الأخيرة، أما ماكي مكوك فأدت أغنية "طرطقة" والدام أدوا أغنية "حقيقي كفاية".