الأربعاء  27 تشرين الأول 2021
LOGO

الصهيونية في فلسطين

2021-08-18 09:54:44 AM
الصهيونية في فلسطين
صحيفة فلسطين

الحدث الثقافي

أعادت صحيفة فلسطين التي صدرت في يافا خلال الفترة من 1911-1967 مقالا عن صحيفة "البلاغ" المصرية تركز فيه الصحيفة على البعد الاقتصادي في تحقيق وجود سياسي للصهيونيين في فلسطين.

وفيما يلي نص المقال:

لزميلتنا "البلاغ" المصرية الغراء اعمام زائد بشوؤن الشرق، وهي تتابع القضية الفلسطينية باهتمام زائد وتنقلف عنا كثيرا مما نكتبه عنها، وقد اطلعنا لها في المدة الأخيرة على مقال كتبته بالعنوان المتقدم ننقله عنها فيما يلي شاكرين لها اهتمامها بالشؤون الشرقية فوق اهتمامها بالقضية المصرية، قالت "البلاغ الغراء":

كان من رأينا دائما أن الفوز في فلسطين سيكون المنتصر في المعركة الاقتصادية الهائلة التي بدأها الصهيونيون في تلك البلاد، ولذلك أهبنا بالفلسطينيين أن يجمعوا أمرهم ويتجهوا بكل قواهم إلى إحياء المشروعات الوطنية، وإنشاء الشركات الصناعية والتجارية واستثمار رؤوس أموالهم في كل ما من شأنه أن ينميها حتى لا يصل الصهيونيون يوما إلى مركز الرزعامة الاقتصادية، لأنهم إذا وصلوا إلى هذا المركز فقد أصبح من السهل أن تكون لهم الزعامة السياسية، وهي ذلك الشبح الخطر الذي يخشاه الفلسطينيون ويحسبون له حساباً كبيراً، ووفي الحق لقد عرف الفلسطينيون هذا وأدركوا أن عليهم السعير المستمر لا ليحتفظوا فقط بموقفهم من حيث أنهم الأكثرية التي يجب أن تكون لها الثروة الأهلية الكبرى ورأس المال الأكبر وأغلبية ةالمشروعات والمرافق العامة، بل أن يضيفوا إلى ذلك دخولهم في حلبة المنافسة مع الصهيونيين الذين يعتمدون في مشروعاتهم الاقتصادية التي يقومون بها على موارد عالمية مختلفة ومن أجل هذا لا نعود إلى هذا الموضوع لأننا في حاجة إلى إقناع الفلسطينيين أن يضيفوا إلى جهودهم السياسية جهودا اقتصادية من ذلك القبيل، فإنهم جميعاً يقرون هذه النظرية التي تعنى بالدعاية لها صحفهم على اختلاف مذاهبها، حت أنه لما قام المجلس الإسلامي الأعلى بتنفيذ تلك الفكرة السامية وهي شراء الأراضي ممن يرغب في بيعها من الوطنيين حتى لا تتسرب إلى أيدي الصهويونيين، وجد من جميع طبقات الشعب أكبر الارتياح، كمخا وجد في جميع الصحف حتى المناوئة له، أكبر التعضيد والتحبيذ، وإنما نعود إلى هذا الموضوع بمناسب التصريح الذي أدلى به الدكتور ويزمن رئيس الجمعية الصهيونية العالمي في المؤتمر الصهيوني الذي عقد في زوريخ إذ يقول "سيبحث هذا المؤتمر فيما لم تبحث فيه المؤتمرات الصهيونية السابقة أي في إدخال قوى جديدة على القوى التي تعمل لبناء الوطن المعقود الآن في فلسطين، إن النظام الأول لم يعد كافيا فقد تطورت الأمور تطوراً سريعاً لم نتوقعه بعد وفاة الدكتور هرتسل، إذ أن الصهيونية لم تعد "فكرة روحية" وإنما أصبحات مشروعاً "عمليا" ومن الواجب الآن أن نوفق بين النظريات والعمليات".

ثم يقول "ولقد استرعى تقدم فلسطين انتباه اليهود في أنحاء العالم وأكسبتنا مشاريعنا العملية أنصاراً وضعوا مساعداتهم تحت تصرفنا وأننا نشكر من صمميم أفئدتنا المستر لويس مارشال والمستر فلكس واربورغ "هما زعيما اليهود الأمريكيين غير الصهيونيين" لمساعدتها الثميمنة لنا ولقبولهما أن يتعاونا معنا في العمل. إننا كنا وحيدين عندما كنا نحارب في سبيل "الفكرة" أما الآن ونحن نحارب في سبيل "تحقيق الفكرة تحقيقا عمليا" فإننا نحتاج إلى المساعدة والعون من يهود العالم أجمع".

وإذن ما الفرق بين تلك الفكرة الروحية وذلك المشروع العملي؟ لا نظن أننا في حاجة إلى القول بأن المراد بذلك إنه إذا لم يكن في الإمكان جعل فلسطيني صهيونية بمعنى هذه الكلمة من الوجهة السياسية فليكن أن يسعى الصهيونييون لجعلها هكذا بمعنى هذه الكلمة أيضا من الوجهة العملية، أليس هو يقول "نحن نحارب في سبيل تحقيق هذا الفكرة تحقيقاً عمليا" وإذن قبل أن نستطيع القول بأن الصهيونيين أدركوا أن التشبث "ولو فثي الوقت الحاضر" بتحقيق جميع مطامعهم السياسية غير مؤد إلى النتيجة التي يريدونها من جهة ثم هو قد ينفر منهم اليهود غير الصهيونيين من جهة أخرى فأداروا الدفة إلى اتجاه آخر يجعلونه هدفهم الأول أو سُلما إلى تحقيق تلك المطامع السياسية، ليتفرغوا له من جهة وليضموا مساعدة اليهود غير الصهيونيين من جهة ثانية؟ نعم يمكن القول بهذا وإذن نصل إلى النتيجة التي طالما رددناها في مقالاتنا الماضية وهي ان الفوز في فلسطين سيكون المنتصر في المعركة الاقتصادية دون سواها وقد بنينا هذا الرأي على أن الصهيونية في فلسطين لا يمكن أن تقفد على أقدامها وحدها من الوجهة السياسية لأن السياسة الإنجليزية تأبى ذلك وعلة هذا الادعاء أنها لا يمكن أن تقييم بيدها شبحا قد يزعجها يوما وهي هي التي نعلم أن فلسطين على رمية سهم من طريق مواصلاتها الإمبراطورية، وأنها الطريق المنهتظر لتغذية حوض البحر الأبيض المتوسط بالبترول الذي يقدرون له اليوم أن تخترق أنابيبه الصحراء من العراق إلى فلسطين تحتى تصب في ميناء حيفا، ولذلك فغن السياسية الإنجليزية ترى من صالحها أن تستمر تقلم أظافر الصهيونية كلما رأتها تحاول الوقوف على أقدامها حتى لا يوجد هذا الشبح.

انتهى الصهيونيون إذن إلى السعي في تحقيق فكرتهم من الوجهة العملية وأشركوا في ذلك اليهود غير الصهيونيين ولسنا نقول جديداً إذا قلنا إنهم سعوا في تحقيق الفكرة من هذه الناحية، فالأرقام التي عرضنا لها في مقالاتنا الماضية تكفي في بيان قوة هذا السعي، وشعور الفلسطينيين بذلك وبخطره على كيانهم الاقتصادي الواضح وضوحاً تاماً، وأقوال الصحف الفلسطينية في حثها بني قومها على أن ينافسوا الصهيونيين في مشروعاتهم الاقتصادية تشعرنا بأنهم يدركون حق الإدراك ما يجره عليهم التقاعس عن هذه المنافسة.

وها قد رأينا زعيما من زعماء الصهيونيين يكشف عن أغراضها ونياتها ورأينا قبل ذلك هذه الأغراض والنيات تسير في سبيل التحقيق فبات من واجب الفلسطينيين أن يعملوا لا للوقوف في وجه هذا الخطر الذي يهدد كيانهم الاقتصادي فحسب بل للتغلب عليه والاحتفاظ بمركز الزعامة الاقتصادية في بلادهم باتباع الوسائل التي يتبعها الصهيونييون وهي إنشاء المشروعات الصناعة التجارية والمالية وإصلاح الأراضي وغيرها من ضروب المنافع التي تؤدي إلى تحسين إنتاجهم وزياردة رؤوس أموالهم يساعدهم في ذلك إنهم الأكثرية وإن الصهيونيين لم يبلغوا بعد خمس سكان فلسطين، نعم إن هؤلاء يعتمدون على موارد عالية مختلفة كما قلنا، وكذلك إن الحالة الاقتصادية في فلسطين سيئة بعض الشيء، ولكن هذا لا يمنع في نظرنا من أن يتغلب الفلسطينيون في النهاية إذا وحدوا جهودهم واتجهوا نحو هذه الهدف يؤيدون الوسائل المؤدية إليه بصنوف التشجيع ويذللون العقبات التي قد تقف في سبيلهم إليه.

من أجل هذا قلنا إنه يجب على الفلسطينيين أن يضيفوا إلى جهودهم السياسية في سبيل استقلاله وحريتهم جهودا اقتصادية هم في أشد الحاجة إليها لحفظ كيانهم الاقتصادي ولإبقاء الزعامة الاقتصادية في أيديهم.