السبت  21 أيار 2022
LOGO

واقع المقاومة في مخيم جنين.. المتغيرات بين عام 2002 واليوم

2021-10-02 10:17:24 AM
واقع المقاومة في مخيم جنين.. المتغيرات بين عام 2002 واليوم
مقاومون

 خاص الحدث

منحت معركة سيف القدس بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي في مايو الماضي، المقاومة، شرعية إضافية في كل أماكن تواجد الفلسطيني، وقد انعكس ذلك على دخول الداخل المحتل عام 48 لخط المواجهة بطريقة غير مسبوقة. وإذا كان هناك انتصار حقيقي للمعركة، فهو الذي تشكل في الوعي العام للفلسطينيين، الذين شعروا بقدرة المقاومة على شل الكيان الإسرائيلي بكل مكوناته، وهو ما دفع مجموعات ومقاومين منفردين للتحرك في الضفة الغربية في ذروة الأحداث التي شهدها مايو 2021.

مخيم جنين ما بعد سيف القدس

في مخيم جنين، كانت مجموعات مسلحة تابعة للفصائل الفلسطينية قبل مايو أشبه بالخلايا النائمة، وتتسم باللامركزية التنظيمية، حيث لا تتبع لقرار مركزي وليس لديها سلاح تنظيمي أو مصدر تمويل منتظم، لكن إرث المخيم وتاريخه والحالة الوجدانية التي سادت في معركة سيف القدس، حركت هذه المجموعات التي بدأت تبادر بإطلاق نار على أهداف إسرائيلية في محيط جنين وتحديدا حاجز الجلمة، كما أنها بدأت بالاشتباك مع القوات التي تقتحم المخيم، لكن على أسلوب حرب العصابات.

في 10 يونيو قتلت قوة إسرائيلية خاصة جميل العموري، صاحب فكرة نقل الاشتباك من المخيم إلى المحيط. يبلغ العموري من العمر 24 عاما وهو قائد إحدى المجموعات التابعة لسرايا القدس الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي. في بيان تلاه قبل استشهاده قال إن المقاومة في الضفة الغربية لا يمكن أن تترك غزة تواجه وحدها، وأنه ورفاقه اتخذوا قرارا بتحويل جنين إلى جبهة أخرى تؤرق الاحتلال الإسرائيلي. كان هذا البيان بمثابة توقيع على قرار اغتياله، فقد نظرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية للأمر بخطورة بالغة انعكست على تقارير المراسلين العسكريين الإسرائيليين.

لكن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حصدت باغتيال العموري مزيدا من المقاومة في المخيم، تشكلت مجموعات باسمه، وأقامت الفصائل الفلسطينية، الجهاد وحماس وفتح، عروضا عسكرية، تأكيدا على حيوية المقاومة في جنين، وبذلك ألزمت نفسها بمواجهة مؤكدة مع كل دخول للاحتلال للمخيم. وهو ما وجه الانتباه الإسرائيلي والفلسطيني إلى تلك البقعة من الضفة الغربية، التي علقت في أذهان الطرفين كبؤرة للمقاومة وكأرض معركة خالدة كرمز للانتفاضة الثانية. إلا أن ما جرى بعد ذلك، من استهداف للمقاومين بشكل مركز ومكثف أثار تساؤلات نقدية عن الحالة ككل.

خصوصية المخيم.. نقد التجربة

في الانتفاضة الثانية تحصن مئات المقاتلين في مخيم جنين، وأعلنوا استعدادهم لصد الاجتياح الذي كان يشرف عليه قادة جيش الاحتلال والمستوى السياسي الإسرائيلي. في حينها اقترح بعض قادة الفصائل السياسيين وحتى العسكريين أن يتوزع المقاتلون على قرى المدينة ضمن مجموعات صغيرة تبادر في تنفيذ عمليات استشهادية وإطلاق نار. كانت الفكرة لدى هؤلاء أن المعركة مع المنظومة الاستعمارية القائمة لا يمكن أن تنتهي بضربة قاضية ولا تحسم في جولة واحدة، وتركز المقاومين في المخيم يعني في النهاية القضاء عليهم. بالنسبة للمقاتلين، كانت المسألة مسألة تحدٍ، وقد أثر احتلال المدن الفلسطينية في الضفة مرة أخرى في تلك الفترة في اعتقاداتهم، إذ بدأوا يرون بأن معركة المخيم قد ترِد للشعب الفلسطيني بشيء من النصر.

اليوم يحدث الأمر ذاته تقريبا، المئات من المسلحين في مخيم جنين عدد منهم أصبحوا مطاردين يتحصنون في بقعة جغرافية لا تزيد عن كيلو متر مربع، يتوعدون بعدم تمكين جيش الاحتلال من احتلال المخيم، وهو تهديد رفع سقف التحدي بالنسبة للشعب الفلسطيني فيما يخص معادلة مخيم جنين. من ناحية عملية يختلف الواقع الآن عن الانتفاضة الثانية، حينها كان الاحتلال مضطرا لاحتلال كل المدن والبلدات،  بالإضافة إلى أن جبهته الداخلية كانت تتعرض لضربات قاسية بفعل العمليات الاستشهادية، أما حالة المخيم اليوم فهي خاصة بالمخيم ولا يوجد لها شريك في الضفة الغربية.

المتغير الآخر بين الحالتين هو أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية قد شاركت فعليا في صد اجتياح المخيم عام 2002، وكان أبو جندل أحد ضباط جهاز الأمن الوطني من قادة المعركة، وقد استخدم مقاتلو الأجهزة بعضا من خبراتهم التي اكتسبوها في التدريبات العسكرية والقتال على جبهات أخرى كلبنان في المواجهة، بالإضافة لوجود عدد كبير من مقاتلي حركة الجهاد الإسلامي، الذين تجمعوا في المخيم كآخر ساحة مواجهة لم يحسم أمرها.

أمر آخر مختلف عن الواقع اليوم، وهو أن القيادة السياسية الفلسطينية كانت قريبة من خط المواجهة بل وتغذيه، ووجهت العناصر الأمنية للدفاع عن هيبة المخيم، بعد سقوط هيبة رام الله في الاجتياح الذي نفذه جيش الاحتلال الإسرائيلي، فكان لا بد من نموذج آخر - بالنسبة لقيادة السلطة وتحديدا الشهيد ياسر عرفات - يستطيع المحافظة على ماء وجه القوات العسكرية الفلسطينية وأيضا الخيار الذي اتخذه بمواجهة إسرائيل رغم احتجاج عدد كبير من المحيطين به، والذين يمثلون اليوم القيادة السياسية.

تكتيك إسرائيلي للتعامل مع المخيم

لكن إسرائيل التي هزمت في أكثر من جبهة في السنوات الأخيرة، تحاول اليوم أن تصنع مخيلة لعدو كبير في الضفة الغربية، بهدف اقتناص انتصارات بين الفينة والأخرى، لصالح المستوى السياسي الذي يتعرض لانتقادات بسبب الردع الذي تحقق على جبهتي لبنان وغزة. لهذا الغرض، بدأوا بالحديث عن مخيم جنين وكأنه قطاع غزة، والحديث عن إمكانية البدء بمعركة واسعة ضده، هو جزء من هذه البروباغاندا التي تحاول إسرائيل تسويقها من أجل خلق العدو وخلق الانتصار، لكن الحقيقة أن واقع المخيم مختلف عن ما يجري الترويج له، فكل ما في الأمر أن هناك مقاتلين من مختلف الفصائل يحاولون تثبيت قاعدة أن لا دخول للمخيم بدون اشتباك.

إلا أن القيام بعملية عسكرية واسعة ضد المخيم، تصطدم بمتغير جديد مختلف، هو معركة سيف القدس التي حاولت تكريس ربط بين مختلف الجبهات، سواء في الضفة أو القدس أو لبنان، وقد نجحت نسبيا في ذلك. ولعل تهديد قادة المقاومة في قطاع غزة من أن مخيم جنين لن يترك لوحده هو السبب الذي يمنع الإسرائيليين من تنفيذ عملية عسكرية واسعة، خاصة وأن الإدارة الأمريكية الجديدة موقفها واضح من تجفيف مصادر التوتر والصراع في الشرق الأوسط، وفي تل أبيب حكومة ضعيفة مضطرة للاستجابة لطلبات الإدارة الأمريكية.

في ضوء هذه القراءة، يبدو أن إسرائيل غيرت من تكتيك تعاملها مع الحالة في مخيم جنين ضمن المحددات التالية: عدم تنفيذ عملية واسعة في مخيم جنين، مع التركيز على فكرة حصار المقاومين بالمخيم، وذلك من خلال عمليات مركزة تنفذها القوات الخاصة ضد المقاومين الذين يخرجون من المخيم، وهذا ما حصل مع المطارد محمد السعدي من كتائب القسام، والذي اعتقل قبل أيام داخل إحدى محطات الوقود بعد دقائق من خروجه من المخيم. لقد شكل اعتقاله، واعتقال الأسيرين المحررين أيهم كممجي ومناضل نفيعات من قبله بعد خروجهم من المخيم، تكريسا لقاعدة أن الخروج من المخيم غير آمن، وبالتالي سيلجأ المقاتلون للتحصن طوال الوقت داخله.

تراهن إسرائيل على استنزاف هذه الحالة من خلال عمليات استدراج للمقاتلين خارج المخيم، وفي كل مرة تنفذ فيها عملية اعتقال أو اغتيال ستسوق لانتصار وحدات النخبة لديها ولمؤسستها الأمنية، وبالتالي اقتنع قادة الاحتلال أن المطلوب هو سلسلة من الانتصارات الصغيرة لمعالجة الخوف الذي تعاني منه الذهنية الإسرائيلية في مرحلة ما بعد سيف القدس. بالإضافة لذلك، فإن هذه الحالة تمنع من امتداد المجموعات المسلحة لخارج المخيم وتعزلها في داخله، وبالتالي فإن تأثيرها يصبح قليلا ونادرا.

وأمام هذا التكتيك الإسرائيلي، لا بد للمقاومة من المواجهة بتكتيك مختلف، يتمثل في عدم زج عدد أكبر من الشباب في الحالة المقاومة في المخيم من أجل عدم "حرقهم" أمنيا، والاستثمار بهم لبناء شبكة مجموعات في محافظة جنين وخارجها، والتركيز على بناء مجموعات صغيرة منفصلة لا تخوض حرب عصابات مع جيش الاحتلال، بل تركز على المبادرة في الاستهداف، ولعل هذا ما سعت إليه حركة حماس، التي كشف جيش الاحتلال الإسرائيلي أنها بدأت ببناء شبكة من المجموعات المسلحة في قرى جنين، وقد داهم بالفعل برقين وقباطية وكفر دان وعدة مناطق لتفكيك هذه المجموعات.

قد يكون التخوف الذي أبداه الإسرائيليون بعد كشف مجموعات حماس نابعا من الخشية من أن تعمم هذه الظاهرة لدى الفصائل الأخرى، والتي بالفعل ستكون استراتيجية خطيرة بالنسبة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ولذلك نفذت قوات الاحتلال عمليات اغتيال واعتقال بشكل مكثف ومركز ومتزامن، معتمدة على أسلوب الصدمة في مواجهة هذه المجموعات. ومن المهم الإشارة إلى أن هذه ليست التجربة الأولى لحماس مع هذا التكتيك، قد استخدمته في الانتفاضة الثانية ونجح نسبيا، حيث أنها قبل اقتحام المخيم، قامت بتوزيع مجموعاتها على القرى والبلدات وقد استطاعت تنفيذ عمليات كبيرة بفعل هذا التكتيك.