الجمعة  27 أيار 2022
LOGO

مقال ليهودا شنهاف: من المفارقات أن اليمين الإسرائيلي هو الذي يعترف بالنكبة

2021-12-13 01:27:03 PM
مقال ليهودا شنهاف: من المفارقات أن اليمين الإسرائيلي هو الذي يعترف بالنكبة
الكاتب الإسرائيلي يهودا شنهاف

ترجمة الحدث- عبد الله أبو حسان

تنشر الحدث ترجمة لمقال نشرته صحيفة هآرتس للكاتب الإسرائيلي يهودا شنهاف. وشنهاف هو أستاذ علم الاجتماع في جامعة تل أبيب وزميل باحث في معهد فان لير في القدس، صدرت له عدة مؤلفات عن الصراع الفلسطيني مع الاستعمار الصهيوني الإسرائيلي.

وفيما يلي ترجمة للمقال:

 حدث تحول مثير للاهتمام في الاعتراف بالنكبة ("الكارثة") هذا الأسبوع من صحفي يُدعى إيتامار فليشمان، وهو المتحدث السابق باسم رئيس الوزراء نفتالي بينيت. خلال برنامج تلفزيوني على القناة 14 قال فليشمان: "في النهاية ما يحدث هنا هو أن العرب قد نسوا النكبة وقد حان الوقت للبدء في تذكيرهم بها".

 حتى لو تم عكس الكلمات ("العرب نسوا .. ويجب تذكيرهم") ، فلا يحدث هذا الأمر كل يوم، أن يقوم فيه يهودي صهيوني ويعترف بالمأساة الفلسطينية بكل صراحة.

 على الرغم من أن النكبة هي الثقب الأسود في إقامة دولة إسرائيل، وعلى الرغم من أن الاعتراف بالنكبة هو شرط مسبق لحياة مشتركة، إلا أن إسرائيل ذات السيادة لا تزال تنكرها تمامًا. ومن خلال تدخل الدولة في تكنولوجيا الذاكرة وفاعليها الثقافيين، فإن النقاش حول النكبة ما زال ممنوعاً. إن أي محاولة للإحالة إليها يعيقها حاجز من المحرمات، وتم إغلاق "نقاط الدخول" إلى مناقشة نقدية للنكبة.

 لا تتضمن الكتب المدرسية في النظام المدرسي الاعتراف بالنكبة، وتقدم منظورًا تاريخيًا سطحيًا قام بتعليم أجيال من الطلاب الإسرائيليين الجهل المنظم. كما أن تاريخ النكبة غير واضح في تصور الحكومة وفي التفكير السياسي المتجسد في نموذج "دولة يهودية وديمقراطية"، ويتضمن تبريرات ملتوية ("العرب هم الذين بدأوا"، "لم يوافقوا على قرار التقسيم، "لم يفوتوا أية فرصة"، "أمرهم قادتهم بالفرار").

 سبب الإنكار الكاسح هو الحقائق المحرجة التي ترغب إسرائيل في إخفائها، والتي تنذر في حال الكشف عنها في تعكير الوضع الأخلاقي لإسرائيل. إنكار النكبة هو الدعامة الأساسية للحكومة الإسرائيلية، أما الحقائق المحرجة التي تخفيها إسرائيل فهي التطهير العرقي عام 1948، والمذابح، وتدمير القرى والمدن، وسرقة الأراضي والممتلكات الفلسطينية.

 كلمة النكبة نفسها لوصف المأساة الفلسطينية لم تكن معروفة للإسرائيليين تقريبًا حتى عام 2011، وبفضل قانون أحمق يُطلق عليه قانون النكبة، تعرف كل بيت إسرائيلي على المصطلح باعتباره يصف المأساة الفلسطينية. في ذلك الوقت كان الاستخدام المحدد لكلمة النكبة يعيد شحن عملية الإنكار، والتي اتخذت وجهاً مختلفًا، على سبيل المثال، مثلما جاء، وبطريقة مبتذلة في كتيب قبيح (ومعاد للسامية) بعنوان "هراء النكبة" Nakba Bullshit  والذي تم توزيعه من قبل ايم تيرتسو Im Tirtzu.

يجب الاعتراف أنه في خلال العقدين الماضيين حدثت شروخ في جدارن الإنكار، ويرجع ذلك بالأساس إلى تيارات التأريخ التي راجعت تاريخ 1948، وإلى الاكتشافات الأرشيفية الجديدة (بما في ذلك باللغة العربية) التي تصف التطهير العرقي لفلسطين، وعمل المنظمات التخليدية والتي من أبرزها منظمة "ذاكرات Zochrot".

 فمن هذه الاكتشافات علمنا أنه حتى لو قبلنا الادعاء المشكوك فيه بأنه في كل حرب من المحتمل أن يكون هناك طرد، في هذه الحالة لن يكون الأمر أكثر من مجرد نتيجة ثانوية للحرب، لأنه حتى بعد انتهاء الحرب، منعت إسرائيل ذات السيادة عودة اللاجئين إلى ديارهم وصادروا أراضيهم ونهبوا ممتلكاتهم. لهذا السبب لا يشير مفهوم "التطهير العرقي" فقط إلى حرب عام 1948، بل إلى منع عودة اللاجئين بعد إقامة السيادة اليهودية ومحو التاريخ الفلسطيني. وهذا أيضًا أحد أسباب الادعاء بأن النكبة لم تنته أبدًا، وفي الخطاب الفلسطيني تسمى "النكبة المستمرة".

 كلمات فلايشمان تمنحنا خطوة إلى الأمام في الاعتراف بالنكبة، وليس من المستغرب أن البيان يأتي من صفوف اليمين المتطرف. ومن الشذوذ المذهل في الخطاب الإسرائيلي أن اليمين يسبق اليسار دائمًا في مسألة الاعتراف بالنكبة، حتى لو كان ذلك لغرض التحدي والاستفزاز.

قبل حوالي 10 سنوات، عندما جاء إيتامار بن غفير للتظاهر أمام جامعة تل أبيب، زاعمًا أنها تقع على أنقاض الشيخ مؤنس، خرج الطلاب والمحاضرون اليساريون لإبعاد المتظاهرين. إن إعادة طرح سؤال عام 1948 للمناقشة يقوض فكرة دولتين لشعبين على أساس حل الصراع دون الاعتراف بالنكبة، وإدراك الصراع وكأنه بدأ عام 1967.

لكن لنعد إلى فليشمان. فيما بعد لم يكلف نفسه عناء الحديث عن ذكرى النكبة أو تاريخها. بدلاً من ذلك، يقدم لنا رؤيته للمستقبل.

"إذا لم يعودوا إلى رشدهم قريبًا، وإذا استمروا في محاولة قتل أطفالنا، فإن محطتهم التالية هي الانتقال إلى الأردن، أو إلى مخيم اليرموك في سوريا. سيحدث ذلك إذا استمرت الأمور على هذا النحو. المأساة الكبرى للعرب هي ... أننا سنأخذهم ببساطة في شاحنات ونلقي بهم عبر الحدود، وهكذا سينتهي الأمر".

يرسم فلايشمان خطاً مستقيماً بين الماضي والمستقبل عن طريق التهديد بالطرد، أو من خلال تبرير الطرد التالي. التهديد بنكبة ثانية هو الثمن المرتبط بالاعتراف بالنكبة الأولى. هذا التهديد بالنكبة ليس له تاريخ انتهاء صلاحية. وستستمر في مرافقة الفلسطينيين مثل سيف دامقليس ما داموا يعيشون ويتنفسون. تاريخ انتهاء الصلاحية الوحيد المرتبط بالتهديد هو الكارثة. اعتراف اسرائيل بالنكبة هو الفرصة التي ستثير نقاشا يمنع النكبة الثانية.