الجمعة  27 أيار 2022
LOGO

الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل.. شعارات في الهواء بلا مراجعات على الأرض

2021-12-29 07:56:06 AM
الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل.. شعارات في الهواء بلا مراجعات على الأرض
محمد اشتية

 خاص الحدث

في آب 2018 اتخذ المجلس المركزي الفلسطيني قرارات هامة من بينها ما يتعلق بـالانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل، وفي 3 أيلول 2019، أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية عن بدء حكومته بتطبيق قرارات المركزي، والبداية بخطة العناقيد التنموية، التي تهدف إلى "الانفكاك التدريجي من العلاقة التي فرضها علينا واقع الاحتلال الإسرائيلي وتعزيز المنتج الوطني والاعتماد على الذات"، ونظر مراقبون ومختصون بالشأن الاقتصادي لهذا الإعلان على أنه محاولة لتعزيز الاقتصاد الفلسطيني، في ضوء عدم وجود إمكانية متاحة في المرحلة الراهنة لإلغاء أو تعديل اتفاقية باريس الاقتصادية، ولذلك كان من المهم تعزيز عناصر قوة الاقتصاد الفلسطيني.

المشروع الاستراتيجي الذي جاءت في سياقه خطة العناقيد، كما أشرنا سابقا، هو الانفكاك عن الإسرائيليين تدريجيا، سواء في الاقتصاد أو في الخدمات التي يقدمها الاحتلال في مجالات معينة كالصحة وغيرها. يحاول هذا التقرير الذي أعدته صحيفة الحدث مع نهاية عام 2021 تسليط الضوء على مسار الانفكاك في عدة مجالات، من بينها الصحة والزراعة والعمالة والطاقة.

الخدمة الطبية.. أين وصل الانفكاك؟

في 27 مايو 2019 قرر رئيس الوزراء تشكيل لجنة صحية وطنية بإشراف وزيرة الصحة، تتولى دراسة ومراجعة المنظومة الصحية الحالية بشكل كامل وتقديم التوصيات التطويرية المحددة، مع التركيز على عدة عناصر أساسية، من بينها بروتوكولات التحويلات الطبية، والتي تنظم معايير تحويل المرضى، والآليات التي يتم بموجبها تحويل المريض لتلقي العلاج بالخارج. وكذلك توطين الخدمة الطبية، والتي تتضمن: التوزيع الجغرافي، واحتياجات الكفاءات الطبية، والمعايير الدولية في الخدمة.

تشكيل اللجنة جاء بعد قرار الرئيس محمود عباس في شهر مارس 2019 بوقف التحويلات الطبية إلى المستشفيات الإسرائيلية، لكن ورغم القرار الرئاسي، استمرت التحويلات في ذلك العام، وقد وصل مجموعها إلى 3826، فيما لم تقدم الحكومة أي إيضاحات حول الدافع وراء استمرار هذه الحوالات والسبب الذي دفعها لتجاوز القرار الرئاسي، وفق تقارير رقابية رسمية صدرت بهذا الشأن.

وتكشف معلومات اطلعت عليها الحدث أن عدد الطلبات التي تمت الموافقة عليها إسرائيليا، للعلاج بالمستشفيات في عام 2019، وصل إلى 105,2 آلاف طلب، بينما في العام الذي سبقه 105,8 آلاف طلب، مع الإشارة إلى أنه في العام 2019 كان هناك قرار بوقف الحوالات الطبية إلى إسرائيل. وفي عام 2020، وصل إلى 69,1 ألف طلب موافق عليه، وهو رقم مرتفع مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا العام شهد الموجة الأولى من كورونا، وهي فترة امتلأت فيها المستشفيات الإسرائيلية بالمرضى الإسرائيليين، وأعطيت الأولوية لعلاج الإسرائيليين، بالإضافة إلى أن هذا العام شهد انقطاعا في العلاقة بين الاحتلال والسلطة امتدت لسبعة أشهر بين مايو وديسمبر.

وتحتاج مسألة توطين الخدمة إلى دعم المستشفيات الخاصة، ولكن ما يحدث يبدو وكأنه العكس. فمثلا مستشفى النجاح حذر خلال شهر كانون أول الجاري بتوقف بعض خدماته بسبب تراكم الديون على الحكومة والتي وصلت 420 مليون شيقل. بينما تشير معطيات حصلت عليها الحدث أن ديون المستشفيات الخاصة على الحكومة تجاوزت المليار شيقل، وهو ما هدد القطاع الصحي ككل خلال أزمة كورونا، وقد سلطت صحيفة الحدث في حينه الضوء على القضية.

في أيلول من العام الجاري ظهرت مشكلة أخرى لها بتوريد الأدوية والمستلزمات الطبية، فقد تبيّن أن ديون جميع الشركات الموردة قد تراكمت على الحكومة منذ ما يزيد عن 3 سنوات حتى وصلت 570 مليون شيقل، حيث لم تحصل هذه الشركات خلال هذه الفترة، إلا على 7% من المديونية الكاملة منذ بداية العام الحالي، وهذا لا يكفي حتى لصرف رواتب الموظفين والعاملين في الشركات، وفق ما صرحت به الأخيرة.

هذه المعطيات دفعت مراقبين ومهتمين بقطاع الصحة، للتعبير عن ما يجري بمصطلح "إفشال عملية توطين الخدمة الطبية" رغم أنها ضرورة استراتيجية وطنية كان الفلسطيني يحلم بها، مع الإشارة إلى أن الاتفاقيات الخاصة بتوطين الخدمة الطبية يجب إعادة النظر بها لأنها تسببت بخسارة للمستشفيات، من وجهة نظرهم، وفي النهاية هذا النوع من الاتفاقيات يقف عائقا أمام تطوير الطب في فلسطين، وتمت صياغته في ظروف سياسية معينة ساهمت في ممارسة نوع من الابتزاز على المستشفيات، التي تسعى لتوطين الخدمة.

ملف الطاقة.. أين نحن من الانفكاك؟

في 20 مايو 2019 حدد اشتية بعضا من ملامح خطته التي أقرها لـ 100 يوم، على أن تكون أساسا لنهوض شامل في كافة المستويات، وذكر أن الانفكاك التدريجي عن الاقتصاد الفلسطيني، بدأ بالتوجه نحو الطاقة النظيفة، ووقف التحويلات الطبية للمستشفيات الإسرائيلية، وقد ناقشنا الأخيرة في سياق هذا التقرير، فمن المهم التعرض لما وصل إليه ملف الطاقة في عهد اشتية.

تفيد الإحصائيات التي نشرها مجلس تنظيم قطاع الكهرباء الفلسطيني، أن نسبة الاعتماد على إسرائيل كمصدر مزود للكهرباء زادت لتصبح 94% خلال عام 2020. ورغم هذا الارتفاع غير المفهوم في نسبة الاعتماد على إسرائيل، رغم أنه كان بالإمكان تقليصه عبر مشاريع الطاقة الشمسية، إلا أن اشتية يجدد تأكيده في كل مرة أننا "ماضون في استراتيجيتنا بالانفكاك عن الاحتلال، وقطاع الكهرباء جزء أساسي من هذا الانفكاك".

الطاقة الشمسية كمعيار مهم في الانفكاك، هو أحد القضايا

في 29 مايو 2019 كان التصريح الأبرز لاشتية حول الموضوع، عندما قال من طوباس "سوف نحول الطاقة الشمسية في كل المحافظات إلى طاقة كهربائية، وسنمنح الشركات التي تريد الاستثمار في هذا المجال امتيازات تفضيلية على بقية المناطق والقطاعات الأخرى، وهذا بالنسبة لنا يقع في خانة استراتيجيتنا للانفكاك عن الاحتلال". لقد فتح هذا التصريح طريقا من الآمال أمام الشركات المعنية بالطاقة الشمسية للاستثمار في هذا المجال، لكن ما الذي جرى بعد ذلك؟ .

رئيس اتحاد صناعات الطاقة المتجددة، حسن أبو لبدة، يرى أن تعزيز الاستثمار في الطاقة الشمسية يجب أن يكون أولوية لدى صانع القرار الفلسطيني، لأن ذلك يخدم مبدأ الانفكاك عن الاحتلال، معتبرا أن المعطيات على أرض الواقع تثبت أن السلطة الفلسطينية لم تتمكن حتى الآن من خلق بيئة ممكّنة للمستثمر. وعزا ضعف البيئة الاستثمارية في مجال الطاقة الشمسية، إلى عدم وجود رقابة حقيقية وإنفاذ للقوانين والتشريعات التي صدرت عن السلطة الفلسطينية، وهذا يتحقق من خلال محاسبة المخالفين والمعرقلين لتنفيذ هذه القوانين.

أما رئيس مجلس إدارة شركة قدرة لحلول الطاقة المتجددة عنان عنبتاوي يلخص العراقيل التي تواجه إنتاج الطاقة المتجددة في فلسطين، بالتالي "المعيقات الأساسية متعلقة بالبيئة المحيطة لإدارة الحكومة لملف الكهرباء وقطاع الطاقة بشكل عام، وتحديدا بما يتعلق بالطاقة الشمسية، واستمرار قيام هذه المعيقات حتى الآن، يعطي انطباعا خاطئا بأن الجهات الحكومية لا تعطي جدية عملية للاستثمار في قطاع الطاقة المتجددة، على عكس التصريحات والأهداف المتداولة بهذا الخصوص. بل وعلى ما يبدو، لا ترى الحكومة في الطاقة المتجددة حلاً لأزمة الكهرباء في فلسطين".

وبحسب خطة الحكومة، فإن الاعتماد على الطاقة الشمسية كأحد مصادر الطاقة في فلسطين سيصل إلى نسبة 20% بحلول عام 2025، وهو ما يعتبره مراقبون ومختصون بشأن الطاقة أنه أمر مهم لكنه متواضع لأن النسبة يمكن أن تكون أعلى، وإذا كنا نستطيع أن نشغل 100 ميجا خلال 6 أشهر واستغرق ذلك سنة، فهذا يعني أن هناك جهة تتحمل مسؤولية التأخير، والـ 20% تعني 300 ميجا وات في الضفة وغزة، وهذا يمكن إنجازه في سنة فقط ولا يحتاج لخمس أو أربع سنوات، لكن النسبة مع نهاية 2020 لم تتجاوز 2%، فهل ستقفز مرة واحدة إلى 20%!!.

توفير العمل للأيدي العاملة.. أين العامل الفلسطيني اليوم؟

أثار تصريح لاشتية حول نسبة البطالة وتدنيها في فلسطين، بتاريخ 27 ديسمبر 2021، موجة سخرية واسعة بين الفلسطينيين، الذين اعتبروا أن ما صرح به لا يمت للواقع بصلة. بعضهم كتب على الفيسبوك: اشتية بتسلم عليك فتحة فرعون. في إشارة منهم إلى أن العامل الفلسطيني الذي لم يجد فرصة في العمل بالضفة الغربية، اضطر للعمل في إسرائيل إما من خلال تصريح عمل، أو التهريب.

وبالعودة إلى بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن نسبة البطالة في فلسطين ارتفعت بسبب جائحة كورونا، حيث وصل معدل البطالة في عام 2019 إلى 25.3%. وفي عام 2020 ارتفع إلى 25.9%. أما معدلات البطالة في الربع الأول من العام 2021 فكانت 28% وفي الربع الثاني 26% والثالث 27%.

ووفقا لبيانات الإحصاء المركزي، فإن عدد العاملين في المستوطنات الإسرائيلي ارتفع خلال الربع الثالث إلى 22 ألف مقارنة بـ 19 ألف في الربع الثاني من عام 2021. في حين بلغ العدد الإجمالي للعاملين في إسرائيل والمستعمرات حوالي 145 ألف عامل في الربع الثالث 2021 مقارنة بحوالي 146 ألف عامل في الربع الثاني 2021، وسجلت ارتفاعات في عدد العاملين في قطاع البناء بنحو 3 آلاف عامل ما بين الربعين الثاني والثالث. وعلى مستوى العالم، احتلت فلسطين المرتبة السادسة، والمرتبة الأولى على مستوى آسيا بنسبة  26.4%.

ووفقا لتقارير جهاز الإحصاء، فإن نسبة البطالة انخفضت في عام 2021 من 17% خلال الربع الأول والثاني، إلى 15% خلال الربع الثالث، وعلل الجهاز هذا الانخفاض بارتفاع عدد العاملين في المستوطنات الإسرائيلية وليس بسبب زيادة القدرة الإنتاجية المحلية، كما تحدث اشتية.

ورد مختصون بالشأن الاقتصادي على ما نشره اشتية بالإشارة أن عدد الأفراد في فلسطين الذين يشملهم سن العمل ولا يعملون، رغم بحقهم عن العمل، 529 ألف شخص، بينما تمثل نسبة البطالة البالغة 27.3% تمثل 389 ألف عاطل عن العمل وليس 529 ألفا. وهناك أيضا العمالة الفلسطينية في إسرائيل 145 ألف عامل، وهو بند يضيفه مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد" والبنك الدولي ضمن تقاريرهما عن فلسطين، وفق المختص بالشأن الاقتصادي محمد خبيصة، لأنها عمالة لم تجد فرصتها في السوق الأم. وبذلك، يكون العدد النهائي هو 674 ألف فرد من إجمالي قوة العمل، والتي تشمل العاملين والعاطلين عن العمل، والعمالة في إسرائيل، وعددها 1.42 مليون فرد، ما يعني أن نسبة البطالة في فلسطين هي 47.2%، وفق التعريف الموسع والمباشر للبطالة.

العناقيد الزراعية تعاني من شح المعلومة الرسمية.. هل قلقيلية نموذج مرعب؟

في 13 ديسمبر 2021 عقد اشتية اجتماع حكومته في قلقيلية التي انطلقت منها العناقيد الزراعية في عام 2019. وقال خلال الاجتماع: "ها نحن نعود اليوم لنرى كميات المياه قد تضاعفت حتى وصلت 450 ألف متر مكعب وزادت مساحات الأراضي المروية الى 1055 دونما، بينما بلغ عدد الأشتال المزروعة 83250 شتلة، وتم شق وتأهيل 103 كم من الأراضي والطرق الزراعية، وخلق فرص عمل لنحو 575 عاملا، وإنشاء بيت للتعبئة، بينما بلغ عدد المستفيدين من المشروع 10763 مزارعا ومزارعة".

الغريب أنه في سبتمبر من العام 2020 قال اشتية إن العنقود الزراعي في قلقيلية ساهم في خلق 500 فرصة عمل دائمة و 22 ألف فرصة عمل مؤقتة. وأضاف في مستهل جلسة الحكومة أنه بعد عام على بدء العمل في عنقود قلقيلية كانت هناك زيادة في كمية مياه الري أكثر من 350 ألف متر مكعب. وتابع أن العمل في العنقود ساهم في استصلاح أكثر من 2000 دونم وافتتاح 103 كيلو متر من الطرق الزراعية، وزراعة أكثر من 44 ألف شجرة مثمرة، استفاد من هذا نحو 9 آلاف مواطن، وخلقنا 500 فرصة عمل دائمة و22 ألف فرصة عمل مؤقتة.

والسؤال هو، هل لاحظ أحد الفرق في فرص العمل بين 2020 و2021، في الأول تحدث عن 500 فرصة عمل، في الثاني تحدث عن إجمالي 575 فرصة عمل، أي أن العنقود الزراعي في قلقيلية أضاف خلال عام 75 فرصة عمل فقط، وفي ظل عدم قدرتنا على الحصول على معلومات دقيقة عن ما حققته العناقيد، تطرح هذه الأرقام والمعطيات القريبة جدا المتباعدة زمنا، عن ما حققته العناقيد التي أعلنها اشتية.

وبحسب تقرير صادر عن ائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" حول الخطط والاستراتيجيات الحكومية وفي المقدمة منها "الاستراتيجية القطاعية للزراعة 2021-2023"، فإن الأخيرة قد اشتملت على نصوص ومواد تؤكد على أهمية تعزيز قيم النزاهة ومبادئ الشفافية ونظم المساءلة، لكن من الواضح في الممارسات أن الآليات الخاصة في الوزارات والمؤسسات الحكومية ذات العلاقة ما زالت محدودة في البرامج التي تستهدف دمج الشباب والنساء في القطاع الزراعي.

وأظهر تقرير صادر عن أمان في 6 أكتوبر 2021 أن هناك حاجة ماسة لتعزيز مبدأ التشارك الفعال في عملية إعداد وتطبيق خطة العناقيد، من خلال إشراك أعضاء العناقيد في عملية التخطيط ومشاورتهم، ونشر النتائج وإعلانها بوضوح. موصيا بضرورة مراجعة واقع كل عنقود باستعمال أساليب وأدوات دراسة الاحتياجات المختلفة، بما يضمن إشراك المؤسسات العاملة وممثلين عن المزارعين (كالجمعيات النشطة)، والاتفاق على معايير واضحة لاختيار المبادرات العنقودية ومن ثم المفاضلة بناء على هذه المعايير. بالإضافة إلى ضرورة قيام وزارة الزراعة باعتبارها المرجع الأساس لقطاع الزراعة، بإصدار تقارير دورية عن تقدم سير العمل في العناقيد، ومدى الإنجاز لخطة العناقيد الزراعية في المناطق المختلفة والتحديات التي تواجه إنجازها، ونشرها على صفحة الوزارة الإلكترونية وصفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي، لتكون متاحة للمعنيين.

أما بخصوص نظم المساءلة، فدعا التقرير وزارة الزراعة، إلى إصدار تقارير دورية عن تقدم سير العمل في العناقيد، ومدى الإنجاز لخطة العناقيد الزراعية في المناطق المختلفة والتحديات التي تواجه إنجازها، ونشرها بانتظام عبر الإعلام، إضافة إلى تضمين الخطة نظام متابعة وتقييم ومساءلة وتعلم مبني على الممارسات الفضلى والمبادئ المتفق عليها في هذا المجال، والذي يعتبر من أهم عوامل نجاح الخطة من جهة، كما يسهل عملية متابعة الإنجاز والمساءلة على أي ضعف في التنفيذ.

وأشار التقرير إلى الموازنات التقديرية لمجمل المبادرات العنقودية، وأن التخطيط بني على توقعات تمويلية ومبالغ تحتاج لتوفيرها من الحكومة من خلال وزارة المالية والمؤسسات المختلفة، كما وتعتمد بشكل كبير على مساهمات المستفيدين، والتي اصطدمت لاحقا بحاجة الحكومة لتحويل موازنات لمواجهة الجائحة، ومواجهة خطط الاحتلال بضم الأغوار، وعليه، أصبحت الخطط وتنفيذها مرهونة بالمقدرة على تخصيص الأموال، مع توقعات عالية لمساهمة المزارعين ما يجعل واقعية الخطط العنقودية على المحك.

ورغم إعلان اشتية عن استراتيجية العناقيد، إلا أن  الإنفاق المخصص من الموازنة العامة لقطاع الزراعة، شهد "زيادة محدودة جدا"، حيث لا يتجاوز المبلغ الفعلي للإنفاق المخصص من الموازنة العامة لقطاع الزراعة 65.6 مليون دولار فقط، أي أقل من 1.2% من الموازنة العامة لعام 2021. وبحسب بيان لسلطة النقد، فقد شهدت معظم الأنشطة الإقتصادية تراجعاً ملحوظاً في قيمتها المضافة خلال العام 2020 مقارنة مع العام 2019، وشهد نشاط الزراعة تراجعا بنسبة 11%.

وبما يتعلق بزيادة الاستهلاك من المنتج المحلي الزراعي، والذي يعد من أهم أهداف فكرة العناقيد، فقد كشف تقرير صادر عن ديوان الرقابة في 2021 أن هناك غيابا في دور وزارة الزراعة في مراقبة أسواق الخضار المركزية في الضفة الغربية، للتأكد من مصادر المنتجات الزراعية والرقابة عليها، ولا توجد إجراءات رقابية على إدخال وإخراج المنتجات الزراعية داخل السوق من جهات الاختصاص، وزارة الزراعة والضابطة الجمركية، حيث يتم استقبال المنتجات الزراعية الواردة إلى السوق بغض النظر عن مصدرها. وحاولت صحيفة الحدث الحصول على بيانات دقيقة حول الواردات الزراعية بعد إعلان خطة العناقيد، لكنها لم تتمكن من ذلك، رغم توجهها إلى وزارتي الزراعة والاقتصاد، والمرة الأخيرة التي صدر فيها بيانات بهذا الشأن كانت في 2018، ولكن بعد استلام اشتية للحكومة لم يصدر أي بيانات بالخصوص.

قضايا مهملة.. لكنها تساهم في الاقتصاد

منذ استلام اشتية لرئاسة الحكومة، يتكرر الحديث عن الأزمات المالية التي تواجهها، وهذا بدوره انعكس أحيانا على صرف الرواتب والخدمات المقدمة للمواطنين. لكن خبراء في الشأن الاقتصادي، يعتقدون في حديثهم مع "صحيفة الحدث"، أن نسبة العجز بالموازنة ليست كبيرة إلى درجة أنه يمكن معالجتها من خلال عدة إجراءات وخطوات على أرض الواقع، وأهم ما يمكن التركيز عليه هو عمليات التهريب والتهرب الجمركي سواء من إسرائيل أو الأردن.

المختص بالشأن الاقتصادي جعفر صدفة في مقابلة مع "صحيفة الحدث"، قال إن هناك تسربا ناتجا عن عدم تسليم فواتير المقاصة للسلطة الفلسطينية، أو إدخال شحنات لا تحمل فواتير مقاصة، وهذا التسرب يقدّر بـ حوالي مليار شيقل سنويا، وهو ما يشكل ربع العجز في الموازنة العامة في الظروف الصعبة، والثلث في الظروف العادية. مضيفا أن الحل لهذه المسألة هو ربط المعلومات المتعلقة بموضوع الشحنات عبر حواسيب مشتركة، من أجل تسجيل الشحنات فور دخولها من الموانئ الإسرائيلية إذا كان مقصدها النهائي مناطق السلطة الفلسطينية، وكان هناك اتفاق حول الموضوع، ولكن لا معلومات حول تطبيقه.

وحول التهريب من الأردن، وعلى وجه التحديد تهريب السجائر، قال صدقة إن الدخان هو المصدر الثالث من حيث الأهمية بالنسبة لخزينة السلطة الفلسطينية بعد السيارات والوقود، وخلال جائحة كورونا انخفضت عمليات التهريب، وهو ما يفسر ارتفاع الإيرادات للخزينة الفلسطينية خلال تلك الفترة. وأوضح أن ضبط عمليات التهريب المذكورة يمكن أن يخفف حجم العجز من خلال إحداث فرق كبير، يساهم في معالجة الأزمة المالية، لأن مقدار العجز ليس كبيرا، ويمكن العمل على التقليل منه. وينوه إلى أنه يجب الاهتمام في هذا الجانب من قبل الحكومة. في المقابل، يكشف تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية لعام 2020 أن الضابطة الجمركية كجهة اختصاص في محاربة عمليات التهريب، لم تقم بعمل خطط تشغيلية على مستوى الدوائر بحيث تعكس عمليا تنفيذ الأهداف الاستراتيجية لعمل الجهاز.

وكشف التقرير أيضا أنه على الرغم من حاجة جهاز الضابطة الجمركية المتزايدة للكادر البشري نظرا لطبيعة عمله، وسعيه لاستقطاب أفراد من أجهزة أخرى، فقد تم انتداب عسكريين من جهاز الضابطة الجمركية إلى أجهزة أخرى ولمهام ليست من اختصاص الضابطة، إذ أن النقص في العنصر البشري واحد من أهم المبررات التي تسوقها الضابطة للتأكيد على عدم قدرتها على ضبط نسبة كبيرة من عمليات التهريب.

وبحسب معلومات توصلت إليها "صحيفة الحدث"، في وقت سابق، فقد زادت إيرادات السلطة من الرسوم الجمركية المفروضة على السجائر بين (33 إلى 40) مليون شيقل شهريا خلال إغلاق المعابر مع الأردن الناتج في خضم أزمة كورونا، حيث توقفت عمليات تهريب السجائر بشكل نهائي.

وتزايدت الأصوات المنادية بضرورة التحقيق في عمليات التهريب التي تتم عبر المعابر والحدود إلى الأراضي الفلسطينية التي تحكمها السلطة الفلسطينية، ومعرفة المستفيد من وراء ذلك، في ضوء توسع الظاهرة ووصولها إلى مستويات غير مسبوقة، فقد أثبتت الإحصائيات أن حجم الخسارة التي تمنى بها الخزينة الفلسطينية سنويا بسبب تهريب السجائر من الأردن وصل 500 مليون شيقل.

الباحث الرئيسي في الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" جهاد حرب، قال في مقابلة مع "صحيفة الحدث"، إن أسباب توسع ظاهرة التهريب عديدة، من أهمها وجود أطراف مستفيدة من عمليات التهريب، قد يكون لها تأثير على المعابر، أو أشخاص عاملين هناك، وضعف أجهزة الكشف الموجودة على المعابر، وأيضا هناك نوع من الاعتماد على التفتيش الذي تجريه الجمارك الإسرائيلية. وشدد حرب على أن التهريب يضعف الإيرادات العامة مما يقلل من قدرة الحكومة على الاستثمار في هذه الأموال لإنفاقها على الخدمات العامة كالتعليم والصحة.

وأكد حرب أن انتشار ظاهرة التهريب يؤسس لجرائم أخرى ولا يبقى الأمر مقتصرا على جريمة التهريب بحد ذاتها، ولذلك فإن توسع هذه الظاهرة مقلق ويشجع على انضمام آخرين لها باعتبار أنها قطاع يوفر أموالا للأفراد على حساب الخزينة العامة، مما يؤدي إلى ضرر كبير في إيرادات الحكومة وهذا يؤثر على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

وفي السياق قال الخبير الاقتصادي هيثم دراغمة، إنه لا يريد تقديم إجابات جاهزة حول ظاهرة التهريب، وإنما توجيه أسئلة لرئاسة الحكومة الفلسطينية: كيف يمكن لشخص أن يمر يوميا باتجاه الأردن ثم يعود بحقيبة مليئة بعلب السجائر دون أن يتم توقيفه أو سؤاله؟!. ووجه دراغمة عدة أسئلة إلى الحكومة خلال حديثه مع صحيفة الحدث: كيف يتم تهريب هذه الكميات من السجائر رغم وجود عناصر أمنية وعمليات تفتيش وغيرها من الإجراءات؟ كيف لمواطن أن يهرب عشرات كروزات السجائر عبر الحواجز الأمنية الفلسطينية دون توقيفه رغم أنه يمر يوميا من هناك؟ هل لديه طاقية الإخفاء السحرية؟!. وتابع: كيف يتم تهريب الوقود من داخل دولة الاحتلال إلى محطات في داخل المدن الفلسطينية مثلا؟! وهل نحن عاجزون عن ضبط ظاهرة تهريب السجائر من الأردن؟ أم أن هناك أمورا مخفية لا نعرفها نحن الخبراء في الشأن الاقتصادي؟. مستدركا: هذه أسئلة موجهة لرئيس الحكومة.

 شعارات بلا مراجعات!

في ضوء كل ما سبق من معطيات، يطرح سؤال حول ما مدى مراجعة السياسات الاقتصادية للحكومة، وهل هناك اهتمام لتقييم المراحل. الجواب وفق ما يكشف تقرير رسمي صدر في آب 2021 واطلعت عليه الحدث، أن اللجنة الاقتصادية الوزارية الدائمة، التي تم تشكيلها برئاسـة وزيـر الماليـة وعضويـة كل مـن: وزيـر الاقتصـاد الوطنـي، وزيـر الزراعـة، وزيـر العمـل، وزيـر النقـل والمواصـلات، وزيـر الاتصـالات وتكنولوجيـا المعلومـات، وزيـر الأشغال العامة والإسكان، وزيـر الدولـة للريادة والتمكين، وزيـرة السـياحة والآثــار،  لم تعقد أي اجتماع لها خلال السنة الثانية.

وفي حديثهم لصحيفة الحدث، وصف المختصان في الشأن الاقتصادي هيثم دراغمة، والباحث الرئيسي في معهد ماس سمير عبد الله، أن ما أعلن عنه من قبل الحكومة في سياق الانفكاك الاقتصادي، هو مجرد شعارات وأمنيات لا يتم تطبيقها، لأنه من الصعب تطبيقها إلا بإجراءات وخطوات جدية، وأن هناك الكثير من الإجراءات التي يجب أن تقوم الحكومة بها لم تقم بها. ويشير عبد الله مثلا إلى مسألة التهريب، قائلا إن هذا المجال لوحده مكلف للخزينة العامة بالإضافة إلى أنه مضر لصحة الإنسان الفلسطيني، والتهريب نخسر فيه مرتين، لأن ذلك يكون على حساب المنتج الوطني، وأيضا يكبد الخزينة خسائر كبيرة، وهو المصدر الأهم لخسائر الخزينة.

 ملاحظة: تشير صحيفة الحدث إلى أنها حاولت الوصول لمعلومات عن المواضيع المذكورة في التقرير، لكنها لم تنجح في ذلك.