الجمعة  09 كانون الأول 2022
LOGO

الإعلام واغتيال عالم البدائل| بقلم: د. محمد عمارة تقي الدين

2022-02-20 12:12:00 PM
الإعلام واغتيال عالم البدائل| بقلم: د. محمد عمارة تقي الدين
د. محمد عمارة تقي الدين

واحدة من الجرائم الكبرى التي ترتكبها وسائل الإعلام المؤدلجة بحق الجماهير، هي اغتيال عالم البدائل الكامن في وعيهم الجمعي وإطلاق وابل من النيران الكثيفة على قدرتهم على الخيال وتجاوز الواقع بكل سلبياته وارتهاناته، بحجة أن ليس في الإمكان أعظم مما هو كائن ومُتحقَّق بالفعل.

ويجري ذلك عبر اتباع واحدة من المغالطات المنطقية الشهيرة التي عبرها تقوم وسائل الإعلام بخداع متابعيها، ولها مسميات كثيرة منها مغالطة الثنائية الزائفة (false dilemma) أو مغالطة الأبيض والأسود (black-and-white thinking) أو مغالطة الاختيار الزائف، أو مغالطة الاحتمالين، أو مغالطة المأزق المفتعل، أو مغالطة البديل الزائف.

وتقوم بنية هذه المغالطة على أساس افتراض وجود احتمالين فقط لأي قضية، فهي إما أبيض أو أسود، خير أو شر، ولا بديل آخر، وهو أمر من شأنه أن يقود إلى إصدار أحكام خاطئة.

إذ أن كل مشكلة أو قضية في الحياة عادة ما يكون لها أكثر من خيار وأكثر من سيناريو للحل، تمامًا كما أن الألوان ليست الأبيض والأسود فقط.

وتُستخدم هذه المغالطة إعلاميًا وبشكل فج في المجال السياسي بمحاولة إقناع الرأي العام بأن هناك خيارين فقط لا ثالث لهما.

إذ تُردد الأنظمة السلطوية دائمًا (إما أنا أو الفوضى)، والحقيقة أنه لا أنت ولا الفوضى بل ربما خيار ثالث حضاري كما فعلت كل الأمم في السابق عندما أرادت أن تنعتق من تخلفها الحضاري فاختارت مسارًا خارج هذا الصندوق.

ومن ثم يتم ارتكابها عند إيهام الطرف الآخر بأنه ليس أمامه إلا خيارين لا أكثر، أحدهما سيء وبشع ومرفوض من الجميع لدفعه إلى تبني الخيار الآخر الذي يبدو أنه مقبول غير أنه في عمقه وفي تحليله الأخير أكثر بشاعة من سابقه.

ففي المثال السابق (أنا أو الفوضى) تجد أن الفوضى خيار مرفوض من الجميع ولن يختاره عاقل وبالتالي فالبديل الآخر يتحتم اختياره وهو ( أنا) أي استمرارية بقاء النظام السلطوي جاثمًا على صدر الأمة.

كذلك يتم استخدام هذه المغالطة كثيرًا من قِبل السياسيين، حيث يتم إيهام الناس بأنه لا توجد أي خيارات مطروحة للوقوف على الحياد في الأزمات، فإما التزام الجانب الصحيح (وهو جانبهم طبعًا) أو التزام جانب الأعداء.

ومن ثم ينبثق عنها حالة من الاستقطاب الحاد (مع أو ضد)، إذ تردد الأنظمة المستبدة عبر وسائل إعلامها مقولة: "إما معنا أو أنك خائن للوطن".

ومن ناحية أخرى تطرح قوى المعارضة ونتيجة لغلق المجال العام أمامها مقولة: "إما معنا أو أنك تابع للنظام" في مواجهة المقولة الأولى، وهنا وفي ظل تلك الحالة ينهار التماسك الاجتماعي ليجد المجتمع نفسه على حافة الفوضى.

كما توظف جماعات العنف الديني هذه المغالطة بشكل مركزي في خطابها الأيديولوجي حيث تعيش في ثنائيات مغلقة على الدوام: جانبنا هو الخير ورأينا هو الصواب وهو شرع الله، في المقابل فإن الجانب الآخر هو الشر والكفر والضلال، وذلك بحسب زعمهم، فيضرب الصراع كافة تضاعيف المجتمع ليسقط في فوضى مطلقة إن لم يتم التصدي لتلك الأطروحات.

ومن أشهر الأمثلة على استخدام تلك المغالطة ما طرحه جورج بوش الإبن ليحشد الجميع ورائه في الحرب التي أعلنها حين قال: من ليس معنا فهو ضدنا، إما أن تكون معنا، أو أنك في صف الإرهابيين وأعداء الإنسانية، فالمثال يتجاهل الخيار المحايد (لست معك ولا مع الإرهابيين).

فعبر هذه المغالطة، وكما يذهب عادل مصطفى في مؤلفه المغالطات المنطقية، جري تقليص عالم البدائل الممكنة إلى خيارين اثنين لا ثالث لهما، أحدهما واضح البطلان والثاني هو رأيه الذي يريدك أن تعتنقه، أي يتم عبرها دفعك لوجهة معينة ومقصودة كفأر تجري قيادته للمصيدة.

ومن ثم عليك صديقي القارئ أن تتجاوز الخيارين الذين يطرحهما الإعلام أمامك والنظر خارج الإطار للخيارات الأخرى التي هي في حقيقة الأمر كثيرة ومتعددة، وذلك إذا ما أدرت آلة عقلك بأقصى طاقة ممكنة، فهي منحة الله للإنسان بأن أعطاه عقلًا مُبدعًا وخلَّاقاً لا يكف عن مفاجأتنا بالجديد والرائع المرة تلو الأخرى.

من هنا أهمية التفكير خارج الصندوق الذي يراد حبسك رهين جدرانه فلا تتجاوزه أبداً، وكما يقول الفيلسوف البريطاني أرنولد توينبي: "التفكير الخلاق هو مسألة حياة أو موت لأي مجتمع"، وهو ما دفع باتجاهه الحكيم كونفوشيوس فقد كان يردد: "لا يمكن للمرء أن يحصل على المعرفة الحقية إلا بعد أن يتعلم كيف يفكر"، تلك المعرفة التي هي الشرط المركزي لتقدم الأمم، ومن ثم عليك أن تقود ثورة بداخلك من أجل الانفتاح على عالم البدائل، ذلك المَعين الذي لا ينضب أبداً.