الخميس  11 آب 2022
LOGO

الدروس الخصوصية وأعمال الغش وآلام الفقراء وغياب تكافؤ الفرص| بقلم: ناجح شاهين

2022-07-01 10:38:29 AM
الدروس الخصوصية وأعمال الغش وآلام الفقراء وغياب تكافؤ الفرص| بقلم: ناجح شاهين
ناجح شاهين

لتوجيهي يمثل عاماً كاملاً من المعاناة المالية والعصبية للأهالي وأبنائهم على السواء. هناك حرب تستمر تسعة أشهر، كأصعب ما يكون الحمل والولادة، حرب تستخدم فيها الأسلحة الرئيسه بنوعيها: الدروس الخصوصية من ناحية، وأعمال الغش من ناحية أخرى. لكن الغش يحتاج إلى المال الوفير، والدروس الخصوصية تستنزف بدورها مالاً كثيرا. فأين موقع الطلاب اللفقراء وأهلهم في هذه المعادلة السخيفة؟ حدثني صديق من غزة أن تكلفة حصة الفيزياء سبعون شيكلاً. ترى كم قطعة من فئة السبعين شيكلا يحتوي دخل العامل أو الموظف الغزي يومياً؟ يعني هل يمكن لعامل أو موظف عادي أن يغطي خبز أسرته إضافة إلى دروس الفيزياء والرياضيات والكيمياء واللغة الإنجليزية واللغة العربية التي تعد ميداناً مفروغاً منه للدورات والدروس الخصوصية للتوجيهي؟

بالطبع لا. يبدو أن هذه النفقات كفيلة بأن تقضي على الدخل كله، وربما يحتاج الأهل إلى الاستدانة من أجل تغطية تكلفة الحصص وحدها ناهيك عن توفير متطلبات الحياة من فواتير باهظة وطعام وملبس ومواصلات.

لكن أليس التعليم مجانياً في مرحلة المدرسة؟ إن كان التعليم مجانياً حقاً فلا بد أن يجسد الواقع ذلك، وليس الكلام المكتوب على الورق فحسب. عندما تكون الخدمة الصحية مجانية مثلاً بينما تحتاج إلى عام من أجل الحصول عليها، فذلك يعني أنك ستلجأ إلى الخدمات الطبية المدفوعة الثمن حتى لو كانت مكلفة. من البدهي أنك لن تنتظر أن تموت حتى يأتي "دورك" الواقع في ذيل قائمة طويلة من المرضى. وهذا هو الحال مع التعليم. إن كان ما يحصل فعلياً هو تنافس شرس من أجل الحصول على العلامات التي ستضمن المنحة الجامعية أو المقعد الدراسي على الأقل، فذلك يعني أن الناس سيبذلون وسعهم من أجل تمكين أبنائهم وبناتهم من الحصول على العلامات العليا التي تضمن لهم ذلك. في هذا السياق لا بد أن الأهل سيبتاعون "سماعة الغش" التي يزرعها الأطباء في الأذن والتي تكلف بحسب ما سمعت عشرة آلاف شيكل. بعد ذلك يقوم الأهالي بشراء الأسئلة بطريقة أو بأخرى، ويتفقون مع مدرسين في المواد المختلفة ليحلوا الأسئلة، ثم قد يكون هناك حاجة لمن يقوم بتنتقيل الأجابات للطلبة بشكل محترف يضمن لهم أفضل النتائج.

بعد هذه الحرب الطويلة تأتي النتائج المتفوقة المذهلة التي تشهد حصول آلاف الطلبة ممن لا يتقنون مبائ القراءة والكتابة على علامة 99 لينضموا إلى الجامعات ويتخرجوا بدون أي مهارات تذكر.

يمكن لنا ببساطة أن نوجه أصابع الاتهام إلى وزارة التعليم، ولكن ذلك تبسيط مخل لا أكثر. فلو لم تكن الجامعات متواطئة في هذا "البزنس" الجماعي لتوقف الطلبة و"النظام" كله عن هذه الممارسات فوراً. لو كانت الجامعات ستطلب من التلاميذ إظهار المهارات والقدرات العقلية الضرورية للعلم والتعلم لانكشف الخلل وتم استبعاد آلاف الطلبة الذين لا يحوزون الحد الأدنى الضروري للتعلم الحقيقي. لكن الجامعات تطم الوادي على القرى سامحة بتواصل اللعبة ذاتها: في الجامعة يواصل الطلبة أعمال الغش بيسر أكبر مما يحصل في التوجيهي. وقد تجلى ذلك على نحو كوميدي فاضح فترة التعليم الإلكتروني أيام الكورونا "الجميلة" عندما حقق الأكاديميون أرباحاً كبيرة عن طريق إجابة الامتحانات مباشرة بالنيابة عن الطلبة القادرين على دفع التكلفة. ومن ناحية أخرى تنتشر كالفطر البري المراكز المختلفة التي تحل الواجبات وتقوم بأعمال التحليل الإحصائي وكتابة الأبحاث ورسائل التخرج ورسائل الماجستير وصولاً إلى الدكتوراة. ومع "التساهل" في مراقبة التكنولوجيا يستطيع الطالب في أي سياق أن يحصل على أعلى العلامات دون أن يتعلم شيئاً.

هذا الوضع الذي نعيش يثير السخرية والحزن على السواء. من ناحية هناك حالة من التردي التعليمي التي لم تشهد لها البلاد مثيلاً، ومن ناحية أخرى هناك "ظلم" صارخ يلحق بالفقراء الذين لا يقدرون على تحمل أعباء هذه السباق الماراثوني المخيف. وإذا أرادوا أن "ينتحروا" من أجل أن يحصل أولادهم على فرص قريبة من فرص المقتدرين مالياً، فإن ذلك إنما يكون على حساب مأكلهم ومشربهم وملبسهم وحاجاتهم الأساسية.

هل هناك من مخرج من هذا البؤس الأسطوري الذي نعيشه ويعيشه العلم والتعليم في هذه اللحظات الغريبة؟

نعم هناك مخرجان واضحان. أولهما أن يفرض مجلس التعليم الأعلى في الجامعات نظاماً تعليمياً يتمتع بالكفاءة مما يضطر وزارة التعليم إلى تحسين مخرجاتها والتخلص من العملية "الهبلة" التي تعتمد الحفظ الصم وما يرافقه من تقنيات الغش السهلة. ثانياً أن يتم الضغط على وزارة التعليم لإلغاء التوجيهي واستبداله بنظام فعال لا فرصة للغش والحفظ الصم فيه، أو على الأقل تنتفي فيه الحاجة إلى الصراع المحموم من أجل العلامات. بالمناسبة تستطيع الجهات التي تشرف على التعليم العالي أن توجه، لو أرادت، ضربة قاضية لنظام التوجيهي من أساسه، عن طريق الإصرار على امتحان ومقابلة تحدد القبول في الجامعات بغض النظر عن علامة التوجيهي المقدسة.

لكن ذلك كله يتطلب وجود قوى لها مصلحة في التغيير. ويبدو لنا أن هناك قطاع "بيزنس" واسع يستفيد من الخراب السائد ويرعاه ويدافع عنه سراً وعلناً، وإلا ما الذي يسمح لهذا النظام العبثي أن يتجدد عاماً بعد آخر مع إدراكنا جميعاً على وجه التقريب أنه يضر بالعقل والجيب والصحة والوطن والمواطن؟