الخميس  11 آب 2022
LOGO

رحلتي بين القلم والميكروفون والكاميرا (الحلقة 12)/ بقلم: نبيل عمرو

الجزيرة.. حكاية الحضور والصعود والهبوط... والإعلام السياسي

2022-07-03 11:28:07 AM
رحلتي بين القلم والميكروفون والكاميرا (الحلقة 12)/ بقلم: نبيل عمرو
نبيل عمرو

الجزيرة تستحق أن تمنح جائزة عن تميزها في مجال الإعلام السياسي، لقد صعدت لتصل القمة، بفعل مؤهلات جديدة وفرها الفريق الذي أسسها والذي كان ينجح في عمله من خلال الإذاعة العالمية الأولى B.B.C. 

الجزيرة متقنة تماماً من الناحية الفنية، كان شعارها الذي تجسد بكرة تغوص في قاع البحر وتخرج لترسم كلمة الجزيرة بحروف ذهبية بمثابة شكل فني مبتكر، كان واحداً من أهم عناصر الجذب للمحطة الجديدة، حتى أن الشعار المميز تم وضعه على واجهات مطاعم ومحال تجارية، كذلك فإن المذيعين والمذيعات الذين يظهرون على الشاشة، يمثلون كل الدول العربية ما أوحى أنها ليست قطرية ولا قُطرية، فهي تلفزيون العرب جميعاً.

وكل شعب عربي له ممثلون على شاشتها، كذلك لم يكن المشاهد العربي الذي وقع تحت استبداد الإعلام الرسمي تعود على جرأة متمادية في المعالجة فوجدها في الجزيرة، أما الفلسطيني الذي بدأت سلطته وجودها الإشكالي مع انطلاقة الجزيرة ، فقد كان "لُقطة" ثمينة وفق نظرية مجربة تقول، "إذا نجحت قناة أو إذاعة بين الفلسطينيين فإنها تضمن نصف الطريق أو أكثر للنجاح" فالفلسطينيون هم أكثر الشعوب متابعة للإعلام نظراً لارتباطهم بقضية سياسية يلعب الإعلام دوراً هاماً في جذب الجمهور لمتابعتها، أخباراً وبرامج ومعالجات من كل نوع، ثم إن الفلسطيني موجود في كل مكان على سطح الكرة الأرضية، فهو حين تشده الجزيرة وتضمن مواظبته على متابعتها فهي تضرب أكثر من عصفور بحجر واحد. 

متابعة الفلسطيني صاحب القضية المركزية لها، ثم نقاشه مع معارفه وأصدقائه وجيرانه حول ماذا قالت وماذا لم تقل، وهذا يزيد من مساحة المتابعة من حيث الأمكنة وشرائح المجتمعات.

اعتمدت الجزيرة من أجل جذب الجمهور على الإثارة واصطياد الأخبار والأحداث التي لا يجرؤ غيرها على معالجتها، ومن ضمنها "الاتجاه المعاكس" وكذلك إخفاء هويتها القطرية إذ كانت مقلة في نشر الأخبار القطرية الرسمية. كانت جيدة التمويه، وبارعة في اصطياد المتابعين، بمواظبتها على متابعة قضايا تهمهم وهذا ما كانت تفتقر إليه جميع محطات التلفزة العربية المسيطر عليها حكومياً وحتى المموهة ببعض مظاهر الحياد والاستقلالية.

صعدت الجزيرة إلى الذروة من خلال براعتها في التمويه على انتمائها الأصلي، إلا أنها بدأت بالنزول حين اضطرت للإفصاح عن دعمها لقوى وأحزاب تخدم السياسة القطرية، ظلت تهبط من القمة إلى المستوى الذي توازت فيه مع غيرها من المحطات العادية، وإذا ما قورن وضع الجزيرة خلال السنوات الأولى لانطلاقها وتربعها على عرش الفضاء العربي وما هي عليه الآن سنجد الفرق شاسعاً، أما الآن فلا فرق بينها وبين أي محطة حكومية إلا من حيث الشكل والتقنيات.

ساعدني في الإفلات من كمائن المذيعين خصوصاً في الحوارات المطولة، أنني كنت لفترة طويلة في حياتي مذيعاً مثلهم، وكنت في زمن الميكروفون من المحاورين المعتمدين، بحيث أجريت مئات الحوارات مع شخصيات مهمة وكذلك مع أشخاص عاديين من مختلف المستويات والمراتب والاختصاصات، وفي زمن الكاميرا ساقتني أقداري لأن أكون ضيفاً على برامج حوارية، أو متحدثا باسم الجهة التي احتل فيها موقعاً رسمياً، وهنا يتراوح الظهور على الكاميرا بين الدقيقة الواحدة والساعة وأحياناً أكثر. غير أن الأصعب في هذا المجال هو اضطراري للظهور لمدة أقل من دقيقة للإجابة عن سؤال حول أمر إشكالي يحتاج فترة طويلة كي يصل الجواب للمشاهد، وهذا النوع من الظهور غالباً ما يكون عبر رسائل سيوجهها المندوبون إلى محطاتهم ويتحدث أكثر من شخص في الرسالة الواحدة التي غالباً لا تزيد مدتها عن خمس دقائق، أعتبر هذا النوع من الظهور هو الأصعب، فأنت لا تعرف من تحدث قبلك وماذا قال؟

ومن سيتحدث بعدك وماذا سيقول؟ وكيف ستتعامل المحطة التلفزيونية مع تصريحك، هل ستبقيه كما هو أم تحذف منه، لم أكن في بدايات ظهوري كناطق رسمي أعتذر عن هذا النوع من الظهور في البرامج أو نشرات الأخبار، إلى أن تكرر العبث في تصريحاتي المسجلة فصرت أعتذر إلا إذا حصلت على وعد قطعي من المحاور بأن ينقل التصريح كما هو، ولقد طورت موقفي بأن قللت الظهور في الرسائل المسجلة، لأن الأسلم والأكثر ضمانة، هو الظهور على الهواء مباشرة بحيث تكون متحكماً بكل كلمة تقولها، ولن يكون أمام إدارة المحطة أي مدخل للعبث.

المتحدث خصوصاً في مجال الإعلام السياسي، عرضة لأن يواجه مذيعين يتعمدون إيقاع الضيف في خطأ، أو إحراجه بحيث يبدو واضحاً ارتباكه أو تردده أو تلعثمه، هو نوع من البراعة المهنية التي تسجل في مصلحة المذيع على حساب السياسي وصورته وقدراته.

هذا النوع من المذيعين، صار أشبه بموديل تفضله القنوات، فهو الأقدر على لفت الانتباه، وإثارة ردود أفعال لدى المشاهدين تجعل المذيع وضيفه مادة للنقاش والخاسر حتماً هو الضيف خصوصاً إذا ما كان سياسياً قليل الخبرة في مجال التلفزيون، وغير توجيه أسئلة تحتمل مواضيعها إحراجاً للضيف، فهنالك من يربكون السياسيين بالمقاطعة المفاجئة التي من شأنها قطع السياق المنتظم للحديث، وتشتيت إجابات الضيف وأحياناً إذا كان عصبياً تخرجه عن طوره.

الظهور على الشاشة، خصوصاً في مجال السياسة، أشبه بعملية صراع بين المذيع الذي يتلقى عبر جهاز اللابتوب تعليمات رئيس التحرير، وبين الضيف الذي يساق دون علمٍ منه إلى كمين بغية إرباكه وإحراجه أمام الجمهور، نجاة الضيف من كمين المذيع ورئيس التحرير، يتوقف على خبرته في كيفية التعامل مع الكمائن وقوة شخصيته، ودرجة حضور بديهته، التي كلما كانت عالية، تنقل الإحراج إلى المذيع فبدل أن يُربك يرتبِك.

بعض الساسة الذين يحتلون مواقع هامة في بلدانهم أو الجهات التي يعملون لصالحها، كانوا يقعون في كمائن المذيعين، مما يفقدهم الكثير من قوة حضورهم، ويحولهم الى مادة تندر بين المشاهدين، الذين غالباً ما تنطبع الصور السلبية في ذاكرتهم أكثر بكثير من الإيجابية.

واقعتان تصلحان مثالاً على ذلك، الأولى سجلت لمصلحة الضيف، والثانية سجلت لغير مصلحته، الأولى جرت مع السيد حسين الشافعي نائب الرئيس جمال عبد الناصر، فقد حاول المذيع المناكف الذي يخافه السياسيون لجسارته  وتجاوزه الخطوط الحمراء في الأسئلة الاستفزازية "أحمد منصور" أن يجر الرجل الكبير إلى كمين يبدو فيه مجرد ضحية للمذيع وليس كما هو بالفعل شخصية تاريخية لعبت أدواراً كبرى في حياة مصر والمنطقة، لقد أسكت الشافعي المذيع المناكف بتصرف دلّ على قوة شخصيته، حين أزاح الميكروفون جانباً، وغادر الأستوديو بعد أن قال لا تنسى أنك تحاور نائب جمال عبد الناصر.

احترم المشاهدون موقف الشافعي وظلوا ينظرون إليه كمثال على قوة شخصيته واعتداده بنفسه وبكرامته ومكانته.

أما الواقعة المغايرة، فقد حدثت مع المذيع نفسه، الذي بدأ حواراً استفزازياً مع الدكتور صائب عريقات، قلما شهَدتْ مثله الشاشات العربية، بدأ المذيع باستفزاز صارخ حين طلب من المسؤول الفلسطيني البارز أن يتعهد له بعدم الكذب، كنت أراقب الحلقة مع عدد من الأصدقاء، لم يعجبهم رد الدكتور صائب، كان حريصاً على مواصلة الحوار حتى بعد الإهانة، سألني أحد الساهرين حول التلفزيون لو حدث هذا الموقف معك، كيف كنت تتصرف؟

أجبت دون إطالة بالتفكير أتصرف مثلما تصرف السيد حسين الشافعي، مع بعض زيادة في الكلام، مستفيداَ من أن الحلقة تبث على الهواء مباشرة ولا مجال للحذف أو المونتاج، لن أقول إني فلان ووظيفتي هي الفلانية، بل أقول للمذيع "ما تقوله عيب منك ومن القناة التي تعمل فيها، ومن المهنة التي قللت من احترامها وصورتها الأخلاقية"، وأنسحب فوراً.

لو فعل الدكتور صائب هكذا، لسجل تفوقاً يستذكره الناس بكل إعجاب، أما وأنه لم يفعل فبقي عالقاً في ذهن الناس جملة المذيع "تعهد بأن لا تكذب".

بعض المذيعين الذين كونوا لأنفسهم رصيداً جماهيرياً من خلال "إتقان الاستفزاز" وإيقاع شخصيات هامة في كمائنهم، لا يهمهم حتى لو شُتِموا من قِبل الضيوف المستهدفين فما يتعرض له المذيع يُنسى، وما يتعرض له الضيف الكبير من إهانة يظل مستقراً في الذاكرة.

إن أخطر ما يفعله التلفزيون بالسياسيين، هو كشف مستوى مؤهلاتهم الذهنية والشخصية والمعرفية، التي غالبا ما تكون نقاط الضعف فيها مختبئة وراء هالة الصورة الرسمية، وفي مجال الإعلام السياسي، فإن الذي يتمتع بهالة النجم لكثرة تداول اسمه في وسائل الإعلام من خلال دوره وموقعه، يواجه من خلال كثرة ظهوره في البرامج الحوارية امتحاناً غالبا ما تسجل نتائجه في غير مصلحة صورته المفترضة والمشتقة من هالة الموقع، وهذه ظاهرة ينفرد بها كثير من السياسيين الفلسطينيين وهي الإجابة عن أسئلة حول مواضيع لا يعرفون ما يكفي للإفتاء فيها  كذلك فإنهم ومن أجل إظهار أهميتهم يقدمون مواقفهم الشخصية كما لو أنها المواقف الرسمية، ويتضاعف الأثر السلبي لذلك حين يصدر تكذيب رسمي لما قالوا، وغالبا ما يُشفع التكذيب بعبارة أنه يتحدث عن موقفه الشخصي ولا صلة للمؤسسة الرسمية بما قال.

ومن خلال تكرار ما يماثل هذه الواقعة، يفقد المسؤول السياسي الكثير من صدقيته، وتضرب في عيون الجمهور، صورته المتخيلة كرجل واسع الاطلاع، وقوي النفوذ وشريك في صنع القرار، ليتكرس في الأذهان، بصورة مختلفة بل ومناقضة لما تظهره هالة الموقع المفترضة.

وفي مجال الإعلام السياسي الذي تكرس التلفزيون كأقوى المنابر المعبرة فيه عن المواقف والسياسات، فإن المتحدث خصوصا من صنف البشر الذين يعجبون بأنفسهم، ويصدقون كلمات الإطراء التي يقولها منافقون أو مجاملون أو أصحاب مصلحة، يبدو جاهلا تماما بأهم قواعد الصدقية في مجال التعبير عن الموقف وهي ضرورة أو حتى حتمية معرفة مستوى وعي الجمهور الذي يخاطب.

ذلك أن الدفاعات الساذجة التي يعتمدها المدافعون بركاكة أدائهم، وعن القرارات الإشكالية التي يتخذونها تحقق نتائج عكسية تماماً عند الجمهور الذي اكسبته تعددية المنابر خبرة في التمييز بين الغث والسمين فيما يرى ويسمع.