الجمعة  07 تشرين الأول 2022
LOGO

رحلتي بين القلم والميكروفون والكاميرا (الحلقة 15)/ بقلم: نبيل عمرو

الإعلام الرسمي العربي وتأثيره السلبي على الرأي العام.. والانقسام الفلسطيني قتل السياسة والإعلام معا

2022-07-31 10:14:04 AM
رحلتي بين القلم والميكروفون والكاميرا (الحلقة 15)/ بقلم: نبيل عمرو
نبيل عمرو

الإعلام الرسمي العربي الذي صار الفلسطيني نسخة طبق الأصل عنه، تمحور حول رئيس النظام ومساعديه، هو أكبر وأعمق مؤثر سلبي على الرأي العام، بل هو ومن خلال ابتعاده عن معالجة قضايا الناس وهمومهم واستغراقه في الترويج الذي غالباً إن لم يكن دائماً ساذجاً وسطحياً يؤدي تلقائياً ليس فقط إلى إدارة الظهر للمنابر الرسمية، بل والبحث عن منابر مختلفة يرى فيها صدقية إخبارية وتحليلية أفضل بكثير مما تعرضه عليه وسائل الإعلام الرسمية.

كذلك فإن الإعلام العربي الرسمي الذي هو حكماً غير " تعددي" ليس مجرد إعلام ترويجي ودعائي لرئيس النظام ومساعديه، بل إنه أخطر وسائل القمع الفكري حين يحجب أصواتاً بفعل معارضتها أو اختلافها عن الخط الرسمي.

فحجب الأصوات وازدياد المدرجين على قائمة الممنوعين من الظهور على منابر الإعلام الرسمي الممول من قبل دافع الضريبة، هو نوع من القتل غير الشرعي وغير الأخلاقي للرأي الآخر، الذي من خلال حجبه وإلغائه يفقد المنبر الإعلامي توازنه وصدقيته وحتى موضوعية معالجاته، فيصبح رديفا لعمل الأجهزة ذات الطابع والوظيفة البوليسية.

ولأن الإعلام هو الإفراز المنطقي للسياسة، فإن تراجع الزخم السياسي لأي قضية ولأي جهة تعبر عنها رسمياً، لا بد وأن تُحدثَ تراجعاً ملموساً في درجة تأثير الإعلام الرسمي على متلقيه، وخشية اتهام الطبقة السياسية الرسمية بالفشل، فإنها تجد نفسها مضطرة لتقديم خطاب تبريري، يفسر الفشل على أنه بفعل تطورات خارجة عن الإرادة، وعندنا في فلسطين فالاحتلال يصلح لأن يكون مشجبا نعلق عليه وقائع التقصير والفشل.

وفي حقبة تراجع الإنجازات السياسية المقنعة ازدادت حاجة الإعلام الرسمي لاختراع إنجازات وتسويقها عبر تضخيمها، حتى لو كانت كلها تقع في دائرة المواقف النظرية والإعلامية، وهنا يكمن سر كثرة استخدام الوقائع البروتوكولية العادية كإنجازات.

كذلك فهنالك محظور يلمسه الفلسطينيون ويتحدثون عنه بلغة انتقادية وكثيرا ما تكون ساخرة، وهي أن الساسة يلوذون بطرح توجهات مستحيلة التحقيق، ويعتبرون مجرد طرحها عملا عظيما يستحق الإشادة وحتى الاعتناق.

الإعلام ليس مسؤولا عن صناعة الظاهرة، لأن المسؤول الفعلي هو صانع السياسة، الذي يفرض على الإعلام أن يروج للأقوال كما لو أنها أفعال، ولكن دور الإعلام فيما هو ليس مسؤولا عن إنتاجه، يكمن في سطحية وسذاجة الأداء والإفراط في ادعاء الاقتناع بما هو غير مقنع.

ظاهرة الأقوال الشعبوية كبديل ربما وحيد عن الأفعال، جذرها يكمن في أن كثيرين من وجهاء الطبقة السياسية، لا يعرفون مستوى وعي الجمهور الذي يخاطبونه، ذلك أن الجمهور الفلسطيني بالذات، جرب حكاية القرارات التي تتخذ ظناً من متخذيها بأنها ترضي الجمهور، وبين القدرات الحقيقية لتطبيق هذه القرارات. والأمثلة على ذلك ليست كثيرة فحسب بل تراها في معظم القرارات التي تعلن للإرضاء ولا يطبق أي منها.

لنأخذ مثلا.. كيف عالجت الطبقة السياسية وفرضت على الاحتلال أن يعالج حكاية التنسيق الأمني، لقد أصدرت كل مستويات العمل الرسمي الفلسطيني في السلطة والمنظمة والقوى قرارات بدت قاطعة بإلغاء التنسيق الأمني.

لم يثق الجمهور بصدقية هذه القرارات، لأنه يرى تواصل التنسيق الأمني بصورة صارخة، فضلا عن أنه صار يأخذ الحقيقة من الإعلام الإسرائيلي الذي بدوره لا يكف عن الإتيان بوقائع تؤكد أن التنسيق الأمني ما يزال يعمل بل وأحيانا يقول إنه يتضاعف.

كذلك فإن طرح الانفكاك عن إسرائيل كما لو أنه مجرد قرار فني أو إداري او كفاحي، والذي جرى تداوله كسياسة حكومية مركزية، إلا أنه فقد صدقيته الموضوعية من خلال رؤية المواطن الفلسطيني إلى واقع السيطرة الإسرائيلية الفعالة إن لم أقل المطلقة على كل مقومات الاستقلال الاقتصادي والمالي، فما دامت المعابر جميعاً تحت السيطرة الإسرائيلية، وما دامت العلاقة الفلسطينية الإسرائيلية التي تأسست في حقبة أوسلو قد انهارت لمصلحة التفوق العسكري والأمني والاقتصادي الإسرائيلي، وما دامت اعتبارات أوسلو وصلت من الهشاشة حد إلغائها أو تطويعها وفق الأجندات الإسرائيلية، فإن شعار الانفكاك وإن بدا حلماً وطنياً إلا أن إمكانيات تحقيقه وفق المعادلات السائدة وهي معادلات قوة لا غير، تجعل من طرحه كسياسة مجرد ذر للرماد في العيون .

الإعلام الحكومي كما يفهمه الرسميون هو المكلف بالترويج لسياسات الحكومة مهما كانت، ولا يمكن توقع أن يقوم إعلام تتحكم السلطة الرسمية بمدخلاته ومخرجاته ونفقاته إلا أن يقدم على الترويج الإيجابي حتى لما لا صدقية له من القرارات والممارسات.

 

 

 

 

الانقسام قتل السياسة والإعلام معاً

انقسم الفلسطينيون سياسياً وعقائدياً وجغرافياً لن أتوسع في الحديث عن القتل السياسي، لأن ما أنا بصدده هو الإعلام كمضمون وخلاصات.

بتبسيط أراه ضرورياً حتى لمن لا يحبون البساطة والمباشرة، فإن امتلاك طرفي الانقسام لسلطة ومؤسسات وإعلام كل في المناطق التي يسيطر عليها، أدخل الفلسطينيين في غياهب مرحلة غير مسبوقة من التشويش، وأوصل الخطاب الفلسطيني إلى حالة من عدم الصدقية وحتى الجدوى في أي اتجاه.

ما تفعله حماس في غزة كله مدان من أهل السلطة في رام الله، وما يفعله أهل السلطة في رام الله مدان في غزة، وما يفعله الاثنان مدان من غالبية الجمهور.

في مجال الإعلام، فإن المنابر المنطلقة من غزة، تعتبر السلطة في رام الله عميلة للاحتلال، ومتواطئة مع مؤامرات تصفية القضية الفلسطينية، وتخدم مصالح إسرائيل الأمنية عبر التنسيق، إذاً ووفق منطق حماس، هي فاقدة للشرعية الوطنية رغم ادعائها التمتع بشرعية قانونية وعلى نحو ما وطنية.

وبالمقابل فإن حماس وفق مضمون وخطاب السلطة في رام الله، هي الأكثر تواطئاً مع الإسرائيليين من خلال سعيها الحثيث للتهدئة على حساب المصالحة، وهي الأكثر عمالة للأمريكيين من خلال تواطؤها مع الحل الاقتصادي الذي يعتبر المدخل العملي لصفقة القرن، وهي من أوصل قطاع غزة إلى أن يرتفع فيه منسوب الدم والدمار الفلسطيني، وإرغام أهل غزة على دفع ثمن أجنداتها الخاصة بما في ذلك انتظار التنقيط القطري في الحلق، وارتفاع مستوى الفقر والحرمان، وانخفاض مستوى العلاج والسفر إلى حد الكارثة ...الخ.

ما هي نتيجة ذلك؟  دون استفاضة في الشرح، فإن محصلة الخطابين تقود إلى تبديد كل ما أنجزه الشعب الفلسطيني في مراحل كفاحه الوطني.

وأخطر ما وصلت إليه خطابات الانقسام أن زحف مرضه الفتاك على الصورة التي تراجعت أمام العالم إلى مستويات دنيا، بعد أن كانت في العصر الذهبي للثورة محل احترام وإعجاب.

 

يتبع... إعلام العيش في قصور الماضي.