الأحد  21 تموز 2024
LOGO
اشترك في خدمة الواتساب

قراءة أولية: الإعلام العسكري في معركة طوفان الأقصى

2023-11-05 11:02:51 AM
قراءة أولية: الإعلام العسكري في معركة طوفان الأقصى
رولا سرحان

منذ بداية معركة طوفان الأقصى، بتنا نتوقف كثيرا أمام تلك المقاطع المصورة التي يبثها الإعلام العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، وبشكل يومي، ولتبدأ وسائل الإعلام كما الإعلام الرقمي بتداولها وتناقلها والتعليق عليها، مثلها كان المتابعون المؤيدين أو المتعاطفين مع مبدأ المقاومة. وهو إعلام وإن كان يختلف عن الإعلام المتعارف عليه، بما فيه إعلام الحركة بمختلف أذرعه الأخرى، إلا أن تميزه يكمن في خصيصة مهمة وهي اتقانه للمبدأ الأساسي في الإعلام الحربي القائم على رفع الروح المعنوية لمقاتليه ومؤيديه، فضلا عن تقويض الروح المعنوية لجنود العدو. ويحتاج أداء الإعلام العسكري لحركة حماس خلال معركة طوفان الأقصى إلى وقفة أكثر تفكرا فيه، وتنطلق من أهميته التوثيقية منذ اللحظة الأولى لبدء المعركة، ودوره منذ ذلك الحين في ترسيخ مفوم الانتصار المتحقق يوم 7 أكتوبر.

أولا: لحظة التدوين الأولى للانتصار

يحتاج خطاب الانتصار دائما إلى لحظة تدوين أولى، تسيطر على السردية التي تسود لاحقا، وذلك وفق مبدأ "الانطباع الأول" الذي يترسخ في الأذهان ويكون أبقى وأدوم. منذ اللحظة الأولى لبدء المعركة قدم الإعلام العسكري لحماس سيلا من مقاطع الفيديو التي توثق اختراق تحصينات العدو ودخول المقاتلين إلى المستوطنات المحاصرة لغزة. وتزامن ذلك مع بث مقاطع فيديو أخرى للصواريخ الفلسطينية محلية الصنع التي تم إطلاقها تجاه "إسرائيل"، كما كانت المفاجأة الكبرى في صور ومقاطع الفيديو للمظلليين، التي تحولت إلى أيقونة ورمز لهذه المعركة ستثبت في الذاكرة الجمعية الفلسطينية والعربية. شكل هذا الطوفان الإعلامي من المقاطع معالم المعركة، مقوضا بسرعة مذهلة رواية العدو عن موضعات حيوية أساسية بالنسبة له: الأمن، والردع، والقوة الاستخباراتية، والتقدم التقني والتكنولوجي. أمام هذا الفيض الإعلامي الذي أغرق به الإعلام العسكري وسائل الإعلام التقليدي والاجتماعي تحول العدو إلى مهزوم والفلسطيني إلى منتصر، فقد حُسمت النتيجة على الانتصار مهما كانت خسائرها اللاحقة.  صاغ الإعلام العسكري، كلمة الانتصار الأولى وحملها بعده مؤيدوه ومناصروه. وسواء عن وعي أو دون وعي تناقلت كل وسائل الإعلام الأخرى، كل بحسب توجهاته (مؤيدا أم مناهضا) تلك المقاطع، فسيطرة غزة على نوع المعلومات كما التخيلات والأفكار، وامتدت محليا وإقليميا ودوليا، وجميعها صبت في إغراق وسائل الإعلام بمبدأ انتصار الفلسطيني، وهو مكمن أهمية تدوين لحظة الانتصار الأولى.

ثانيا: استمرارية الدفقة الإعلامية

في العمل الإعلامي، يتطلب ترسيخ الرواية استمرارية تزويدها بالوقود. وهنالك عبارة شهيرة ما بين الإعلاميين مفادها: if it bleeds, it leads”"، أي إن كانت القصة نازفة فستكون لها الأولوية. وعادة ما يجري استخدام الاصطلاح للإحالة إلى أن المآسي تحتل موضع الأولوية في المتابعة إعلاميا. لكن لهذه العبارة جانب آخر، وهو استمرارية تدفقها أو نزفها، أي استمراريتها في إشعال الاهتمام بها. وقد أتقن الإعلام العسكري لحماس إشعال الفضول لدى المتابعين بطريقتين: الأولى، التزامه بالتواصل اليومي وتقديم المعلومات حول سير المعركة وحول موقف الحركة من تطورات أساسية أولا بأول، وهو ما يحافظ على ديمومة الدفقة الإعلامية التي أطلقها الإعلام العسكري منذ اللحظة الأولى. وثانياً، عبر عنصر التشويق أي الإعلان بشكل مسبق عن موعد المقاطع المقبلة أو موعد كلمات الناطق العسكري للقسام لكن دون تعيين موعد دقيق محدد، ما خلق عند المتابعين عادة الانتظار والمتابعة الدورية المستمرة عبر الاستثمار في إثارة فضولهم. إذ رسخ في الأذهان أن هنالك لحظة زمنية ما في كل يوم، لا يمكن للمتابع أن يشيح عنها، أو يتنقل أثناءها بين القنوات، وهي لحظة بث مقاطع فيديو القسام، ولحظة خطاب أبو عبيدة. خسارة تلك اللحظة، يعني خسارة شيء هام قد يتم الإعلان عنه في تلك اللحظة بالذات أو في اللحظة التالية، أو ربما غدا، ويرتبط هذا الأمر الهام في ذهن المتابع المؤيد والمناصر بالإعلان عن لحظة حسم المعركة، ولحظة الإعلان عن الانتصار، أو لحظة الجديد، والجديد فلسطينيا مختلف عن قديم الهزيمة.

ثالثاً: المقاتل الصحفي

خلال ثورات الربيع العربي، انتشر مصطلح "المواطن الصحفي" أو "صحافة المواطن" في إحالة إلى كل من أخذ ينتج بنفسه المادة الإعلامية عما يحدث متجاوزا حدود الإعلام التقليدي وجودته وأحيانا دقته. في المقابل فإننا عادة ما نسمع بهوية المراسل الحربي، أو صحافيو الحروب، وتكون المهمة الحصرية لهؤلاء الصحفيين هي تغطية المعارك والحروب لصالح جهة إعلامية ما. لكن يمكن القول بأن القسام قدمت واستدخلت بأدائها الإعلامي دمجا بين العملين فدفعت إلى صك مفردة جديدة في عالم الإعلام هو "المقاتل الصحفي"، والذي إلى جانبه مهمته القتالية يتولى مهمة الصحفي في نقل ما يحدث كما حدث. إنه ينتج مادة قريبة إلى برامج "تلفزيون الواقع"، التي يتحدث فيها المشهد دون حاجة إلى نص أو سيناريو أو حوار. لكن على خلاف تلك البرامج التي تقدم مادة واقعية ترفيهية غير جادة ولا تقدم مادة توثيقية، فإن ما يقدمه "المقاتل الصحفي" القسامي هي مادة واقعية توثيقية تبليغية ترفع مستوى التشويق دون ترفيه. ومن سمات "المقاتل الصحفي"، أنه يبدو مجهزا لعملية التوثيق لإنتاج مادة خام تستخدم كما هي كمادة إعلامية لاحقا، طبعا مع بعض الاستدخالات والمعالجات الفنية والبصرية، التي لها تأثيرات نفسية على المشاهد أكثر من كونها تؤثر على واقعية الحدث. ذلك التجهيز التقني المسبق، يعتمد بشكل أساسي على نوع من الكاميرات المثبتة على جبهة المقاتل أو في زاوية تلتقط مشهد المعركة من جهة المقاتل. وهي مسألة هامة، تعمل على تثبيت الانحياز النفسي للمشاهد مع المقاتل، فالتوثيق من جهة المقاتل يحسم هذا الانحياز عبر توحيد عين الرائي مع عين المقاتل. وهو ما يتواءم في نفس الوقت مع فكرة أن مشاهد الحدث الحقيقي أقوى من المشاهد المصطنعة والمعدة للنشر بطريقة أكثر مهنية وأقل واقعية. وهو يتواءم أيضا مع فكرة حصرية المشهد وسبقه، فهو هناك، وهناك فقط يأتي من جهة "المقاتل الصحفي"، ينقل الحدث بدقة وموضوعية.

رابعاً: الرواية بالرواية تجاوزا وتأصيلا

تُقارع الحجة بالحجة، وتقارع الرواية بالرواية، وهذا مبدأ أساسي في عمل الإعلام العسكري خلال معركة طوفان الأقصى، مع فارق أن الرواية والحجة هنا لا تفيد الغلبة فقط، بل تفيد التجاوز التام لها، بل وإعادة تأصيل الرواية الفلسطينية باعتبارها سردية متماسكمة ومتواصلة، مرتبطة بشكل أساسي بسردية المظلمة التاريخية للفلسطينيين التي بدأت قبل 75 عاماً. هذا ما نجح الاعلام العسكري في إعادة طرح التساؤل حوله، أي حول أصل ما حدث، ولماذا حدث ما حدث في 7 أكتوبر. هنا ستصبح الرواية باعثا لسؤال معرفي أكبر يقلق الوعي، ويدحرج معه أسئلة كثيرة عن الفلسطيني، وفلسطين، وحتى عن كل تاريخ المنطقة الاستعماري، متجاوزا الرواية الصهيونية التي سيطرت على المشهد الإعلامي الغربي زمنا بدأ بالإنقضاء.   

خامساً: إعلام موازن للإعلام السائد

تراوح عمل الإعلام السائد والمكرس خلال معركة طوفان الأقصى حتى لحظة كتابة هذا المقال ما بين ثيمتين أساسيتين في تغطيته، الأولى هي ثيمة "الانتصار"، وذلك بالتركيز على عنصر التخطيط المذهل وعنصرالمفاجأة والصدمة، وبدأ تبني هذه الثيمة مع اليوم الأول من المعركة واستمرت حتى بدأ العدوان الانتقامي ضد قطاع غزة يتصاعد صعوبة وويلات. عندها بدأت الثيمة الثانية بالحلول مكان الأولى تقريبا، وهي ثيمة الضحية والمغلوبية، فتم إفراد المساحة الكبرى لها، بحيث طغت هذه الثيمة على الأولى نتيجة حجم العدوان الذي ارتقى إلى حد الإبادة الجماعية. وليس في ذلك لوم، فحجم ما يحدث في غزة من جرائم يحتاج إلى سنوات من التوثيق والنشر كي يكون بالإمكان نقل ما تعرض ويتعرض له كل طفل وامرأة وكل فلسطيني هناك. لكن المعادل لهذا الحجم من الجرائم التي أذهلت المتابعين وتكاد تحبط روح الانتصار تمت موازنتها من خلال استدراج مفاهيم الانتصار في الإعلام العسكري الذي لم يسمح لقيم الهزيمة بأن تمرر نفسها. سيقدم الإعلام العسكري عبر مقاطعه المصورة مشاهد عدة أهمها تلك التي تؤكد على أن غزة ليست سوى ساحة ليس للفلسطيني فيها من دور سوى أن يكون مقتولاً، بل سيقدم الإعلام العسكري أن الفلسطيني في خضم كل التقتيل والإبادة هو أيضا مقاتل. ويعترض هذا الإعلام على تصوير  غزة كساحة برية فارغة ومستباحة، حتى بعد قصفها وإسقاط ما يقارب قنبلتين نوويتين عليها وتسويتها بالأرض. فتصوير المقاتل وهو يقاتل هو تحد للمشهدية التي تملأ الإعلام قصدا أو دون قصد والذي تبدو فيها غزة وكأنها فارغة من المقاتلين مليئة فقط بالشهداء والضحايا، ومليئة بالبكاء والصراخ، فالمقاتل وهو يقاتل سيصبح حاضرا حتى في ذهنية الضحايا، ولكنه حاضرٌ بصيغة الند، الذي يملأ فراغ كل الساحات القريبة والبعيدة من المقاتلين. إنه إعادة ترتيب لكل مشهدية العلاقة ما بين الفلسطيني وعدوه وإعادة تصحيح لها قائمة على علاقة بين طرفين في صراع وجودي، لن يخرج منه الفلسطيني دون الانتصار.