الحدث الإسرائيلي
نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت تقريرا كشفت فيه ملامح الخطة الأمريكية التي يجري العمل عليها في جنوب قطاع غزة، والتي تحمل اسم “غزة الجديدة” New Gaza، وتستند إلى رؤية أمنية وسياسية طرحها دونالد ترامب في “خطة النقاط العشرين”، وتشرف على تنفيذها قيادة أمريكية تعمل من منشأة عسكرية في كريات غات. وبحسب الصحيفة، يتعامل جيش الاحتلال بجدية كاملة مع المشروع، بعد تلقّيه تعليمات سياسية بالمشاركة الفعلية في ترتيباته الميدانية.
وتوضح الصحيفة أن جوهر الخطة يقوم على إعادة تجميع الفلسطينيين النازحين في “أحياء مؤقتة” ستقام شرقي رفح، داخل مناطق يسيطر عليها جيش الاحتلال، بينما تبقى المناطق الغربية الخاضعة لسيطرة حماس خارج أي عمليات إعادة الإعمار أو إدخال المساعدات. وتُقدَّم هذه “الأحياء المؤقتة” بوصفها مرحلة انتقالية يفترض أن تتيح عزل الحركة عن سكان القطاع وإضعاف قدرتها على التأثير في المجال المدني.
وبحسب يديعوت أحرونوت، تخطط القيادة الأمريكية لإقامة هذه الأحياء في مناطق مفتوحة أو في الكثبان الرملية الخالية من الأنقاض والذخائر غير المنفجرة. وسيشرف على إدارتها “قوة استقرار دولية” ISF تعمل تحت غطاء ما يسمى “مجلس السلام”، على أن توفر هذه المناطق بنى تحتية أساسية تشمل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، إضافة إلى مستشفيات ومدارس ومساجد، وكراتين سكنية وكرفانات منظمة ضمن مخطط مدني متكامل.
وترى الجهة الأمريكية، كما تنقل الصحيفة، أن آلاف الفلسطينيين المحاصرين حاليا في المواصي والمناطق الساحلية التي تتواجد فيها حماس سيقبلون الانتقال إلى هذه المناطق الجديدة، نظرا للظروف الإنسانية القاسية التي يعيشونها. وترافق هذا التصور ترتيبات إسرائيلية لمنع انتقال مقاومي حماس إلى المناطق التي ستقام فيها الأحياء المؤقتة، وذلك عبر إقامة حواجز فحص على “الخط الأصفر”، تستخدم فيها وسائل تكنولوجية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وبصمة الوجه وأجهزة فحص مغناطيسية متطورة.
وتذكر يديعوت أحرونوت أن الخطة الأمريكية تعطي أولوية لمراكز توزيع مساعدات صغيرة متعددة قرب نقاط السيطرة الإسرائيلية، بحيث تتمكن قوة الاستقرار الدولية من إدارتها. وفي الوقت نفسه ستشرع شركات مقاولات، تقول الصحيفة إن بعضها مصري، بأعمال إزالة الأنقاض تمهيدا للشروع في إعادة بناء المناطق الجديدة، بينما يتولى جيش الاحتلال إزالة الألغام والمخلفات الحربية في المناطق التي يعمل فيها أصلا.
وإذا نجحت التجربة في رفح، تقول الصحيفة، سيجري تعميمها على خان يونس، ثم وسط القطاع، وأخيرا شمال غزة. والهدف النهائي، وفق الرواية الأمريكية التي تنقلها يديعوت، هو نقل نحو مليوني فلسطيني من مناطق سيطرة حماس نحو مناطق “آمنة” مؤقتة، تمهيدا لإعادتهم لاحقا إلى “تجمعات سكانية دائمة” ستقام بدعم مالي من دول الخليج.
وتشير الصحيفة إلى أن الخطة تفترض إفراغ مناطق وجود حماس من المدنيين خلال أشهر أو سنوات، ما يخلق واقعا تضطر فيه الحركة إلى الاختيار بين الاستسلام أو مغادرة القطاع ضمن تفاهمات إقليمية. وتنقل يديعوت أحرونوت عن ضباط في القيادة المركزية الأمريكية اعتقادهم بأن حماس ستجد نفسها معزولة تماما، محاصرة في “جيب أحمر” ضيق عند الساحل، بلا دعم لوجستي أو بشري، الأمر الذي يدفعها إلى التخلي عن السلاح أو مواجهة “تفكك بطيء”.
لكن الصحيفة تؤكد في المقابل أن عقبات كبيرة تعترض المشروع: قوة الاستقرار الدولية لم تُشكَّل بعد، ولا دول مستعدة للمشاركة فيها، كما أن التمويل المطلوب لتنفيذ “النقاط العشرين” ما يزال غامضا. ومع ذلك، تقول يديعوت إن واشنطن تنظر إلى هذه الخطة بوصفها مشروعًا استراتيجيا قد يتيح للرئيس الأمريكي تحقيق إنجاز سياسي ودبلوماسي واسع النطاق.
أما على المستوى العسكري، فتشير الصحيفة إلى أن جيش الاحتلال يستعد لوجود طويل داخل القطاع، بعدما قسّم غزة إلى منطقتين: الأولى شرقية تحت سيطرته، والثانية غربية تحت سيطرة حماس. وتبدو الترتيبات الميدانية، وفق التقرير، مهيأة للتعايش مع هذا الانقسام لفترة طويلة، ريثما تتحرك “الآلة الأمريكية البطيئة” كما وصفتها يديعوت.
وتختم الصحيفة بأن تنفيذ هذه الخطة لن يكون سريعا، وأن الاحتلال يدرك أنه مقبل على مرحلة طويلة ومعقدة داخل القطاع، بينما تبقى قدرة الولايات المتحدة على تحويل هذا التصور إلى واقع موضع شك، في ظل التحديات السياسية والإنسانية والأمنية التي ترافقه.
