الحدث – آيات يغمور
أفاد خبراء لـ "الحدث" أن محافظة القدس لا تظهر كبند واضح ومستقل في الموازنة العامة الفلسطينية، وذلك على خلاف ما نص عليه القانون، ولا يزيد حجم الإنفاق الحكومي على القطاعات المختلفة من صحة وتعليم إلى جانب مساعدة العائلات الفقيرة، ما نسبته 1%.
فبعد إعلان الحكومة على لسان رئيس الوزراء د. رامي الحمدالله في أكثر من سياق عن أن موازنة الحكومة الفلسطينية موازنة "تقشفية"، بدأت التساؤلات تطرح وبشكل علني، حول آلية هذه السياسة التقشفية وأماكن تركزها وفيما لو كان توزيعها "عادلاً" منصفاً لجميع القطاعات والشرائح داخل المجتمع الفلسطيني أم لا، دون أن تكون هنالك معلومات واضحة أو كافية بخصوص بنود الصرف والتقشف، التي سيتم العمل عليها من قبل الحكومة بشكل عام، أو من قبل وزارة المالية بشكل خاص.
وحول دقة هذا الرقم الضئيل، أفاد مفوض ائتلاف "أمان" للنزاهة والمساءلة د.عزمي الشعيبي، في حديثه مع "الحدث": هذه النسبة لا تشمل جميع النفقات التي تصرفها الوزارات بقطاعاتها الصحية والتعليمية والأوقاف، مشيراً إلى أن هذه النفقات غير مفصلة أو مجمعة تحت بند واحد، وبالتالي يصعب حصرها وقياسها.
ويؤكد الشعيبي إلى أن النفقات بمجملها المعلن عنها وغير المعلن تجاه القدس وأهلها غير كافٍ على وجه العموم.
التقشف يطال القدس في مخالفة للقانون
وكان المجلس التشريعي قد أصدر قانون "العاصمة" عام 2002، والذي وضع خصيصاً لإقرار حصة سنوية في الموازنة العامة لمدينة القدس، بحيث توضع لها برامج وخطط تعزز من صمود أهلها وتعزز من الاستثمار العام والخاص فيها، وذلك بحسب ما جاء في المادة (3) من القانون.
وبحسب الشعيبي فإن وزارة المالية لا تأخذ هذا الأمر في الحسبان حين تقوم بإعداد موازنتها السنوية، وبالتالي فإن هذا القانون غير معمول به عند النظر في حصة القدس من المساعدات والنفقات التي تنص عليها الموازنة، مطبقة سياسة "التقشف" على القدس، الأمر الذي سينعكس سلباً على أهلها ويضعف صمودهم.
وحول قانون العاصمة الذي يحمل صبغة دستورية، ويتطلب تعديله أو إجراء أي تغيير على مواده، موافقة ثلثي أعضاء المجلس التشريعي، يؤكد الباحث القانوني في مؤسسة الحق، عصام عبدين، أن عدم تخصيص حصة مالية مستقلة خاصة في الموازنة للقدس، تشملها الموازنة المالية العامة، أمرٌ مخالف لمبدأ سيادة القانون، موضحا: "إن عدم ورود القدس كمركز مسؤولية في الموازنة العامة إشارة واضحة على وجود خلل بنيوي في الموازنة العامة، وعدم ارتباطها بالخطة التنموية الوطنية."
ويعتقد رئيس وحدة المناصرة المحلية والإقليمية في مؤسسة الحق، أن السبب وراء تجاهل قانون "العاصمة" جاء نتيجة إقراره بصورة لم تعكس إرادة سياسية جادة، مفسراً ذلك بأن القانون أقر كردة فعل على الانتهاكات السياسية الإسرائيلية تحديداً في تلك الفترة تجاه القدس.
وأبدى عابدين استغرابه من استمرار الحكومة الفلسطينية في نهجها المتحفظ تجاه القدس رغم انتفاء المبررات المنطقية على الصعيد القانوني أو الوطني، موضحاً أن حكومة الاحتلال بادرت في انتهاك اتفاقية "اوسلو" التي أجلت قضية "القدس" للحل النهائي، من خلال سياستها التهويدية وتهجيرها القسري لسكان القدس المحتلة، الأمر الذي يعد مخالفاً للقانون الدولي، وفي هذا إشارة إلى أن إسرائيل غير ملتزمة بهذه الاتفاقية، إلا أن الحكومة الفلسطينية ما زالت متحفظة تجاه القدس، الأمر الذي ينعكس على حجم الموازنة التي تخصصها لها.
ويضيف عابدين، هذا من الناحية القانونية، ناهيك عن التزاماتها الوطنية تجاه شعبها ومواطنيها في القدس، فهناك ذلك أيضا، الجانب الوطني إلى جانب وجود قانون واضح وصريح ينص على خصوصية القدس كـ "عاصمة".
حديث عن "التقشف" دون نتائج ودون تشاركية في الإعداد
من جهتها أوضحت أمان، أن الحديث عن السياسة التقشفية دائرٌ منذ سنوات، دون إحداث فروقات حقيقية تخفف من أعباء الموازنة المالية السنوية، مرجعة السبب في ذلك إلى التركيز على القطاعات الصغيرة ذات التأثير المحدود، والتي لا يحمل تخفيض نفقاتها أهمية مقارنة بتلك التي تمتاز ببنود صرف ضخمة كرواتب القطاع العسكري مثلاً.
وتنطلق تصريحات الشعيبي، من موقف "أمان" من السياسة التقشفية كـ "طريقة إدارية"، تتوجب إشراك المؤسسات الرقابية لإيجاد صيغة مشتركة تحدد مناطقية التقشف من خلال إجراء دراسات منطقية وبنسب منصفة تراعي الفروقات المعيشية والمناطقية، لتكون النتائج المرجوة من التقشف أكثر فاعلية.
وكان الشعيبي قد أشار في وقت سابق، خلال احتفالية للشفافية أقامتها "أمان"، إلى أن الأوضاع المالية الصعبة وزيادة النفقات العامة هي السبب الأساسي الذي دفع أمان لتقديم مبادرة إعداد خطة تقشفية للحكومة الفلسطينية، مُركزا على ضرورة التقشف في فاتورة الرواتب، وحل مشكلة الموظفين الوهمييين، وتنظيم قطاع المحروقات، وحل مشكلة التحويلات الطبية وربطها بنظام صحي شامل، وإعادة هيكلية الاجهزة الامنية، والاقتصاد في مصاريف البعثات والسفارات الفلسطينية، وربط المساعدات الاجتماعية المقدمة بنظام شامل للضمان الاجتماعي، والترشيد في الحقوق المالية والامتيازات لكبار المسؤولين وموظفي العقود، ووقف شراء المباني والسيارات الحكومية.
وبالنظر إلى السياسة التقشفية كحل لمشاكل الموازنة المالية، يرى الشعيبي أن اعتماد سياسة الترشيد وخاصة في تقليص الدوائر الحكومية، سيأتي بنتائج أفضل وأسرع على أرض الواقع.