الأربعاء  07 كانون الأول 2022
LOGO

تخليص القمح من الزوان: تعرية الخطاب الأصولي

2014-03-04 00:00:00
تخليص القمح من الزوان: تعرية الخطاب الأصولي
صورة ارشيفية

 

 

الحدث - جمال أبو الرب- باحث متخصص في الأصوليات

في وقفة، لم تكن بالعابرة بتاتا أمام كتاب وليد الشرفا “الجزيرة والإخوان: من سلطة الخطاب إلى خطاب السلطة” هالني المؤلِّف والمؤلَّف: صدقا وعمقا، فمن يعرف وليد قد يتفق معي على أنه الإنسان المكلوم بالوجع، النابض بالصدق، المتقد ثقافة ووعيا يكشف حسب بيكاسو المكان اللامرئي في اللاوعي، وقد كان فاعلا لذلك في مؤلَّفه الجديد المشار إليه أعلاه، إذ يسلط الضوء على (الزوان) الذي خدع الجائعين فبان قمحا، فغدت أحلام البسطاء الجائعين في رحلة انتظار!

يقدم وليد في كتابه الكثير من التحقيق الذي يكشف عمق التستر والمراوغة في تكون خطاب الأصوليات، وعلى وجه التحديد الإخوان المسلمين ضمن علاقة الشبهة مع فضائية الجزيرة، فيستحضر الخطاب الإخواني من عمق استعصائه على المقاربة إلا وفق قراءة عصية على غير منهج الإخوان، يستدعي الخطاب إلى السطح، فيحقق معه، ويفككه، ويفضحه، فيبان زيفه ومراوغاته وشهوانيته وإغراؤه، ويقدمه عاريا أمام الحقيقة، يقدمه كما بنى الخطاب نفسه تماما قبل أن يمتهن باحترافية فذّة أفعاله التسترية، وإيحاءاته الغرائزية. 

وما يميز الدكتور وليد الشرفا على المستوى البحثي أنه صاحب منهجية علمية بحتة رصينة، تشتغل أدواتها بشكل صارم، وهي أدوات لا ترحم، ومتى تم الإخلاص في التعاطي معها جعلت المسافة قائمة بين الباحث والموضوع المبحوث كفيلة في إنتاج مقاربة علمية، الأمر الذي يترتب عليه تنحية للذات الباحثة عن الانزلاق في إبداء مواقفها الذاتية المشحونة، بدلا من مراجعاتها العلمية والمنهجية، وهذا يحسب له باقتدار.  

ولا أكون متجنيا على الحقائق إذا قلت: إن وليد الشرفا كان من الأوائل الذين أماطوا اللثام قبل اثني عشر عاما عن علاقة ممنوعة من الصرف عقائديا، بين منطق قبلي هيمني استعماري متمثلا بقبيلة آل ثانٍ في قطر، وبين مؤسسة الإخوان المسلمين، فقبيلة آل ثانٍ تقع توصيفا وتشخيصا بالعودة لأدبيات سيد قطب بأنها “دار جاهلية” والعلاقة بينها وبين “دار الإسلام” علاقة إبطال لا احتضان وعناق، وبالتالي فإن موضعتها تكون موضعة مواجهة مع الإسلام شأنها شأن كل دار لا ينار زيتها من شجرة الإخوان المباركة على اعتبارها أداة تقود لتحقق الإسلام التاريخي بعد أن تعطل بانقطاع الوحي. 

وفي كتابه الجديد يقدّم الشرفا قراءة استنطاقية لإنتاج التاريخ المقدس عن الجماعات التي تم تضخيم تاريخها على حساب الدعوة والنص الديني، فغدت بفعل التجاور والالتحام بالمطلق جماعات مقدسة، فالقداسة علاقة ناتجة من فعل التجاور، وأحيانا وفي أعلى تجلياتها عبر فعل الالتحام والتطابق. فالنص وحامله باتا سيّان.

ولكون هذه الفسحة ليست تلك الدراسة النقدية البحثية المعمقة والتي جاءت في عشر صفحات، وإنما هي مجرد إضاءة سريعة على ما شقه الدكتور وليد من طريق للإطلاع على هذا التحالف غير السوي، لابد من الإشارة هنا إلى أن فراسة الكاتب دفعته - وبعد التأسيس النظري الناتج عن فعل الاستنطاق لتاريخ الجماعات في الإسلام الخوارج والسنة والشيعة - للانتقال ليبين أن هذه المحنة لا زالت تتناسل وراثيا وصولا إلى الحركات الإحيائية الأصولية، وبفعل الاستنطاق ذاته وعبر فعلي التحقيق والتثبت يقوم بقراءة ميثاق حركة حماس التي تنتج تاريخا مقدسا لها قائما على علاقة العودة للأصل حتى غدوا هم الأصل في صفرية مزمنة لقراءة الأحداث والتاريخ والنص والتجربة الربانية المتأنسنة، ثم يكشف عن التواطؤ بين فضائية الجزيرة وحركة حماس في تقديس الجماعة “حماس” وشيطنة كل آخر لها.ثم ينتقل لأفعال الاستنطاق والتحقق والتثبت في خطاب الإخوان المسلمين وعلاقته بقناة الجزيرة، حيث يبدأ بتفكيك التاريخ الخاص الذي أنتجته الجماعة، والكيفية التي أسبغت فيها القداسة على نفسها، حيث قدمت الجماعة ذاتها على أنها سياق تجلي المطلق النصي، وبالتالي الحق وأداته، فهم أداة ربانية لتحقق الإسلام، وسياق وجودهم سياق رباني محض، وقد مكنتهم الأدوات البلاغية وعلى وجه الخصوص الكناية والاستعارة من إحداث هذا الوهم وتسويقه في إنتاج الجماعة المقدسة والفرد المقدس تمهيدا لإنتاج المعارضة المقدسة التي تحمل فكر الإبطال المقدس للسلطة، وفي لحظة الوصول للسلطة تنتج السلطة المقدسة بفعلي التجاور والالتحام.

 ويمكن ملاحظة قضيتين مركزيتين ومتداخلتين في الفصل الأخير من دراسة الشرفا، القضية الأولى تتعلق بتغيير واستبدال للمرجعيات في خطاب الإخوان المسلمين الذي تحول في كثير من الأحايين إلى خطاب علماني صرف في الحديث عن الدستور والانتخاب الحر والشرعية والحريات العامة  لتبرير السلطة، وحين يفقدون السلطة يعود الخطاب الإخواني إلى لعبة استبدال المرجعيات فتعود المرجعيات الدينية المرجعيات المنتجة للخطاب، ويتم شتم الآخرين لأنهم باختصار مرجعياتهم ليست مرجعيات ربانية! ومن هذه المفارقات الفجّة، ما رصده الشرفا في إحدى برامج الشريعة والحياة، حيث دافع القرضاوي عن مرسي دفاعا يستند إلى أدبيات علمانية محضة كالرئيس المنتخب انتخابا حرّا وديمقراطيا وثم ينتقل لإفراغ الشبهة على بشار الأسد مستندا إلى أدبيات فقهية في توصيفه بالعلماني والنصيري! أما القضية الثانية فهي تتناول التحالف بين الإخوان والجزيرة الذي أنتج خطابا هجينا يمكن وصفه (تقني إخواني)، حيث التقني أداة صهر وتحول لقبيلة آل ثانٍ والإخوان معا، وبناء عليه كان التبدل في المرجعيات وصولا إلى (التقني إخواني) آلية الإخوان في التحول، وأصبح الإخوان سنا في مسننات الجزيرة وآل ثانٍ، والجزيرة وآل ثانٍ سنا في مسننات الإخوان، وأصبحت شاشة الجزيرة -القائمة على بنية معقدة من أفعال الإنتاج وإعادة الإنتاج القبلية (آل ثانٍ) بكل تفاضلات وتكاملات الرجعية المتمثلة بالقبيلة، وموقعها في الفلك الهيمنة الأمريكية الصرفة- مرجعية التأويل الفقهي والسياسي في تقديس الجماعة وشرعنة هوسها بالسلطة شرعنة مقدّسة ، وتحققا لفعل التحالف إماطة الشبهة عن قطر والإخوان، وبالمقابل وأبلسة كل الآخرين غير المنسجمين مع هذا الخطاب الهجين.

ويمكنني القول بأن هذا التزاوج خارج المؤسسة الشرعية بين قبيلة آل ثانٍ والإخوان تحديدا في عهد القرضاوي أنتج فكرا لقيطا، كانت غايته وفعله وأدواته منسجمة لقائطيا في تدمير كل بنى الوعي الوطنية والقومية في العالم العربي، وهذا يحقق غايتان يبدوان للوهلة الأولى مختلفتين لكنهما عمليا متفقتان في الرؤى والسعي والقصد، الغاية الأولى تحقيق غاية الاستعمار في اغتيال كل لحظ الوعي القابل للتمثل عربيا، فعدو الاستعمار دقائق الوعي التي يمكن أن تنسرب من الشقوق الآذنة بانبلاج فجر متمترس بالوعي والنقد المؤهلان للدخول في دائرة التحديث، واستعادة الدور الحضاري والإنساني، لذلك عمد الاستعمار إلى إشاعة الظلام والتخلف عبر التفتت والشرذمة والتناحر العربي العربي الأمر الذي يبقى العالم العربي تحت مفاعيل الهيمنة الاستعمارية. 

أما الغاية الثانية فتحققها جزء من أدوات الغاية السابقة، فزواج آل ثانٍ- وبالتالي التقاطع مع الاستعمار- من الإخوان زواج متعة، يتحلل الطرفان منه بانقضاء الزواج المرحلي المشرعن لهذه المتعة، فالإخوان يسعون بقضهم وقضيضهم نحو السلطة، وقد مكنتهم قبيلة آل ثانٍ من منبر (فضائية الجزيرة) يتجلون عليه بكل ما لديهم من طاقة نهمة غرائزية، وثمن المتعة من مواقعة المنبر لهم إزالة حالة الشبهة عن قبيلة “آل ثانٍ”، والتورية على تواطئها الاستعماري- انسجاما مع فعل ترتيب الأولويات- أما الفائدة التي يجنيها الإخوان من فعل المواقعة هو احتراف مخاطبة الرأي العام من أجل تسطيح وعي المستهدفين تسطيحا يسمح لهم بالنفاذ والتجييش والاستمالة وصولا للسلطة، والتي بظني لن تكون فاتحة جديدة لإعادة صياغة العلاقة مع قبيلة “آل ثانٍ” ومداخلها الاستعمارية، وإنما ستكون فاتحة لإعادة إنتاج زواج متعة آخر تكون فيه فاتورة المتعة أكبر بكثير من الفاتورة السابقة. فالردة حسب الشاعر مظفر النواب في وترياته الليلية، لا زالت تتجدد: من أين سندري أن الردة تخلع ثوب الأفعى

صيفا شتاء تتجدد!

لكنا وعيا قد يتبلور بهمة وليد وأمثاله النجباء كفيل بإعطاب موكب الردة لتحرير العقل من أسر العطب