الإثنين  26 آب 2019
LOGO

في العدد 58 | إضراب المعلمين: الطريق إلى نيل الحقوق المشروعة للمعلمين

2016-03-01 05:59:27 AM
في العدد 58 | إضراب المعلمين: الطريق إلى نيل الحقوق المشروعة للمعلمين
من اضراب المعلمين

 

الحدث - بقلم د.عصام عابدين

إضراب المعلمين الفلسطينين:

قدم المعلمون/ات في المدارس الحكومية الفلسطينية، نموذجاً راقياً ومتحضراً في العمل النقابي، من خلال مختلف الأنشطة والفعاليات التي قاموا بها للدفاع عن حقوقهم المشروعة؛ المكفولة في القانون الأساسي الفلسطيني والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي انضمت إليها دولة فلسطين بدون تحفظات.

 

وفي ظني أنهم/ن يدشنون "مرحلة جديدة" في أصول التنظيم والعمل النقابي في فلسطين على الصعيدين المطلبي والوطني العام، بحراك فريد من نوعه، بنيته النقابية (الجسد) قوية ومتماسكة وقيادته التاريخية (العقل) هزيلة ومنفصلة تماماً عن جسم التنظيم وصلت حد تقديم الاستقالة بعيداً عن أطره وأبجديات العمل النقابي.   

 

هذا الحراك، يمتاز بالعزيمة الصلبة في مواجهة التهميش، ويعاني في البحث عن مطالبه وعن قيادة منتخبة، عليه أن يسير في الاتجاهين معاً، فإن نجح في المهمة الشاقة، وهنالك ما يدلل على ذلك، فإن فلسطين على موعد مع ولادة أول تنظيم نقابي قوي البنية والقيادة، يشكل رأس حربة في العمل النقابي المحترف، وسيكون له الفضل يوماً ما في ضخ الدماء في شرايين النقابات والاتحادات بعد سبات عميق.  

 

خلفية الأزمة

 

تعود جذور الأزمة، التي لا زالت مستمرة بين المعلمين والحكومة، إلى تقاعس الأخيرة عن تنفيذ كامل الاتفاق المبرم معها منذ تاريخ 5/9/2013 بشأن حقوق المعلمين لغاية الآن؛ وتتمثل بشكل رئيس في علاوة طبيعة العمل بنسبة 10% وفتح علاوة التدرج الوظيفي (مالياً وإدارياً)  وعلاوة غلاء المعيشة وإلغاء أدنى مربوط الدرجة.

 

وقد انطلقت أولى الفعاليات الاحتجاجية للمعلمين؛ بتعليق الدوام المدرسي بعد الحصة الرابعة من يوم الأربعاء الموافق 10/2/2016، على خلفية الاتفاق الذي جرى بذات اليوم بين رئيس اتحاد المعلمين (السابق) والحكومة، لم يعبر بنظر الشريحة الواسعة من المعلمين عن حقوقهم الوظيفية المتراكمة على الحكومة منذ اتفاق عام 2013. وفي اليوم التالي، دخل الإضراب حيز النفاذ، وعمّ مختلف المدارس الحكومية، ولا زال سارياً لغاية الآن.  

 

أزمة الحكومة

 

افتقرت الحكومة إلى منهجية واضحة المعالم في التعامل مع حقوق المعلمين - التي تقر بعدالتها ومشروعيتها- قائمة بالأساس على احترام كرامة المعلم (بات شعاراً للمعلمين) وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات العامة وإنفاذ الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها، ما أدى إلى الفشل في إدارة الأزمة بما يحفظ كرامة المعلم وحقوقه ويكفل سرعة انتظام المسيرة التعليمية، والنتيجة أن إضراب المعلمين/ات لا زالت مستمراً بأوجه، مع مطالب إضافية تكشف حجم التهميش في الحقوق، بعد اتفاق مضى عليه ما يقارب ثلاث سنوات، وحقوق متراكمة للمعلمين/ات على الحكومة، ومن بين المطالب ما يتعلق بالراتب التقاعدي والتعليم الجامعي لأبناء المعلمين/ات والعلاوات الاجتماعية وغيرها؛ مضافاً إليها تطبيق اتفاقيات اتحاد المعلمين على الإداريين في مديريات التربية والتعليم ووزارة التربية والتعليم العالي، وهناك نشاط ملحوظ للحراك النقابي للمعلمين/ات يسعى لإجراء الانتخابات على مستوى الاتحاد، أمّا مطلب المعلمين/ات بإقالة رئيس الاتحاد الذي أبرم الاتفاق الأخير مع الحكومة، فقد تحقق باستقالته.

 

مراجعة المسار برمته

 

يبدو أن مشهد تعامل الحكومة مع الأنشطة والفعاليات النقابية للمعلمين، التي تقر بمشروعيتها، وبخاصة الاعتصام الذي جرى أمام مقر مجلس الوزراء والمجلس التشريعي يوم الثلاثاء الموافق 23/2/2013 بالتزامن مع الجلسة الأسبوعية للحكومة، قد عكس حجم الفشل في منهجية التفكير في إدارة الأزمة وإنهائها بما يحفظ كرامة المعلم ويصون حقوقه ويؤمن له ولأسرته حياة وعيشاً كريماً وهذا حقٌ أساسيٌ للمعلمين؛ ويكفل سرعة انتظام المسيرة التعليمية وهذا حقٌ أساسيٌ للطلبة والمجتمع أكدته الحكومة مراراً؛ ولم يتحقق لغاية الآن.

 

ولا أدل على الخلل المنهجي في إدارة الأزمة، من أن الأجهزة  الأمنية قد نصبت في ذاك اليوم (اعتصام الثلاثاء الكبير) الحواجز على مداخل المدن والبلدات، في محاولات حثيثة لم تنجح في منع آلاف المعلمين/ات من الوصول إلى مقر مجلس الوزراء، وقامت بتفتيش ومنع وسائل النقل وبخاصة الحافلات العامة من الوصول إلى رام الله عبر احتجاز بطاقات هويات ورخص السائقين، وفحص المركبات وإنزال معلمين/ات منها واحتجاز بطاقات هوياتهم الشخصية والطلب منهم العودة من حيث أتو، علاوة على توجيه "استدعاءات" لعدد من المعلمين ومطالبتهم بمراجعة الأجهزة الأمنية وغيرها من الانتهاكات التي جرى توثيقها وإعلان الموقف بشأنها من قبل مؤسسة الحق ومنظمات حقوقية أخرى تعمل في مجال تعزيز حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.

 

وقد رافق أداء الحكومة، في مسار إدارة الأزمة، وما زال، لجوءٌ إلى المساجد ومكبرات الصوت في مختلف المدن والبلدات وتعميم على المساجد لدعوة المعلمين في خطبة الجمعة للعودة إلى عملهم وإنهاء إضرابهم.  كما ونشرت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية على صفحتها بتاريخ 16/2/2016 تعميماً بالخط العريض حمل عنوان "تعميم هام للإخوة خطباء المساجد" جاء  بالآتي: "وزارة الأوقاف والشؤون الدينية تدعو خطباء المساجد إلى الحديث عن أهمية التعليم وأهمية الالتزام بالعملية التعليمية وأن يحثوا المعلمين على فك الإضراب وعودة انتظام الدوام المدرسي، وعدم تسييس الإضراب وأن يضعوا مصلحة أبنائنا الطلبة أمام أعينهم".   

 

ولم تتردد وزارة الحكم المحلي، في السير على هدي وزارة الأوقاف الشؤون الدينية، فنشرت هي الأخرى على صفحتها "تعميماً" بتاريخ 20/2/2016 جاء بالآتي:  " تم التعميم على كافة الهيئات المحلية من خلال مديريات الحكم المحلي في المحافظات وبالتنسيق الكامل مع خطباء المساجد في كافة الهيئات المحلية بواسطة مديريات الأوقاف بضرورض الإعلان في المساجد عن انتظام دوام المدارس يوم غد الأحد في كافة محافظات الوطن".

 

وقد رافقت لغة التعميمات واللجوء إلى المساجد ومكبرات الصوت في الأداء الحكومي لحل الأزمة،  تحذيرات بين الحين والآخر من تسييس الإضراب، الذي يُنفذ أنشطته وفعالياته آلاف المعلمين/ات، وكتب رسمية عن وزارة التربية والتعليم العالي من قبيل الكتاب الموجه بتاريخ 11/2/2016 من الشؤون الإدارية والمالية إلى مديري ومديرات المدارس لتزويدهم بأسماء كافة الموظفين والمعلمين الممتنعين عن العمل وغير الملتزمين بالدوام الرسمي بالسرعة الممكنة لاتخاذ الإجراءات الإدارية والقانونية بحقهم (كالحسم من الراتب أو النقل بين المحافظات) وغيرها من سلسلة الإجراءات المتخذة والتي  لم تنجح في إنهاء إضراب المعلمين/ات المستمر لغاية الآن.

 

يبدو أن لغة العقل والحكمة والحوار المستند إلى الاحترام المتبادل لم تكن حاضرة بالقدر الكافي في الأداء الحكومي وكيفية معالجة الأزمة المستمرة، علاج الأزمة يحتاج إلى فهم طبيعة المشكلة أولاً وأبعادها وتفاصيلها وإدارك حجم التهميش الذي يعاني منه المعلمون والإداريون أيضاً في المديريات والوزارة، وتأثير هذا التهميش على الحق في الحياة الكريمة لهم ولأسرهم، وتأثيره بالنتيجة على الأداء، وعلى فهم وإدراك الطلبة معنى الحقوق والحريات العامة والكرامة الإنسانية، والمساهمة بالنتيجة في النهوض بالعملية التربوية والتعليمية.

 

هنالك حاجة ماسة لإعادة النظر في منهجية تعاطي الحكومة مع أزمة تتفاقم يوماً بعد يوم بمختلف أبعادها ودلالاتها وآثارها على العملية التربوية والتعليمية، وعلى منظومة الحقوق والحريات العامة، ولا يبدو أن هنالك مؤشرات لغاية الآن تدلل على تغيير ملموس واستعداد من قبل الحكومة  لمراجعة مسار التعاطي مع الأزمة.

 

الانتهاكات والمعايير الدولية

 

إن المنهجية التي اتبعتها الحكومة، والإجراءات التي اتخذت في مسار إضراب المعلمين/ات المستمر، رافقها العديد من الانتهاكات التي طالت الكرامة الإنسانية للمعلم/ة، وثقتها مؤسسة الحق والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" وعدد من المنظمات الأهلية، وأصدرت تحذيرات وبيانات وأوراق موقف بشأنها نشرت في وسائل الإعلام،  وقد جرت تلك الانتهاكات في مرحلة ما بعد انضمام دولة فلسطين للاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان واستحقاقاتها التي تتطلب إنفاذ تلك الاتفاقيات الدولية على مستوى التشريعات الفلسطينية والسياسات العامة وفي التطبيق العملي على الأرض وبدون تحفظات، هذا هو الإلتزام على المستوى الدولي الذي قطعته الحكومة على نفسها بانضمامها للاتفاقيات الدولية، كي نضع الأمور في نصابها.

 

وعليه، وحيث أن دولة فلسطين بصدد إنجاز التقارير الرسمية للاتفاقيات الدولية وإرسال عدد منها خلال هذا العام كما تشير المتابعات، بحيث تبين الحكومة في تلك التقارير الدولية مدى إلتزامها باحترام الحقوق والحريات المكفولة بتلك الاتفاقيات في مستوياتها المذكورة، تمهيداً لإرسالها ومناقشتها أمام اللجان الدولية المعنية في الأمم المتحدة، وحيث المنظمات الأهلية الفلسطينية تعكف على إعداد "التقارير الموازية" للتقارير الرسمية على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي انضمت إليها دولة فلسطين، على قاعدة  المهنية والشفافية الكاملة، وحيث أننا سنلتقي الوفد الحكومي الرسمي في جلسات مناقشة التقارير الدولية في جنيف، في نقاش سيشاهده العالم عبر "البث الشبكي" لأهميته، كون دولة فلسطين لأول مرة تناقش تقاريرها الدولية في الأمم المتحدة في ملف حقوق الإنسان، فمن الضروري أن نشير بداية إلى أن الانتهاكات في مواجهة الأنشطة والفعاليات التي يقوم بها المعلمون/ات خلال مسار الإضراب المستمر، سيتم تضمينها في "التقارير الموازية" على الاتفاقيات الدولية، بكل مهنية وشفافية ووضوح، بما يساهم في تعزيز حالة الحقوق والحريات العامة على الأرض الفلسطينية.    

 

بالعودة إلى الانتهاكات التي وقعت، خلال مسار الإضراب المستمر للمعلمين/ات، فقد رصدت ووثقت مؤسسة الحق والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان وعدد من المنظمات الأهلية الفلسطينية انتهاكات طالت الحق في التنظيم النقابي، والحق في الإضرب، والحق في حرية الرأي والتعبير، والحق في التجمع السلمي، والحق في حرية التنقل والحركة، والحق في الحرية الشخصية ومنع الاحتجاز التعسفي، والحق في التمتع بشروط وظروف عمل عادلة ومنصفة تؤمن مقتضيات الكرامة الإنسانية والعيش الكريم للمعلمين/ات وأسرهم.

 

وتلك الحقوق مكفولة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي انضمت إليهما دولة فلسطين بدون تحفظات، ما يعني أن الالتزام بهما يكون وفقاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان وبدون تحفظات.

 

وحيث أن تحقيق سبل الانتصاف الفعالة، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وتعويض المتضررين ضحايا الانتهاكات، من المسائل بالغة الأهمية، التي يجري التركيز عليها من قبل اللجان الدولية في الأمم المتحدة، في مختلف قضايا حقوق الإنسان، فقد أكد البيان الصادر والمنشور عن مؤسسة الحق بتاريخ 23/2/2016 (اعتصام الثلاثاء الكبير) على ضرورة تشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومهنية بشأن الانتهاكات التي ارتكبت بحق المعلمين/ات على خلفية الأنشطة والفعاليات النقابية المطالبة بحقوقهم، ونشر نتائج التحقيق للرأي العام بما يكفل عرض حيثيات ونتائج وتوصيات لجنة التحقيق على الجهات القضائية المختصة، وضمان محاسبة مرتكبي الانتهاكات، وتحقيق سبل الانتصاف الفعالة وتعويض ضحايا الانتهاكات.

 

وأكد بيان مؤسسة الحق أيضاً على أهمية وضرورة تصويب كامل المسار الذي تتعاطى به الحكومة مع فعاليات الإضراب ومطالب المعلمين/ات بما يكفل احترام الكرامة الإنسانية وحقوقهم العادلة وانتظام المسيرة التعليمية لا سيما في ظل تأكيد الحكومة ممثلة برئيس الوزراء على الحقوق والمطالب المشروعة للمعلمين/ات.

 

وشدد بيان مؤسسة الحق على أهمية ووجوب احترام الالتزامات الدولية التي قطعتها دولة فلسطين على نفسها بانضمامها للاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان بدون تحفظات؛ ولا سيما ما ورد في العهدين الدوليين من حقوق مدنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية؛ وذلك في مختلف الفعاليات التي يقوم بها المعلمون/ات.  

 

وختمت مؤسسة الحق بيانها بالتأكيد على أنها مستمرة في متابعة مختلف حيثيات وتفاصيل الفعاليات النقابية للمعلمين/ات، وكيفية تعاطي الحكومة والأجهزة الأمنية مع مختلف الأنشطة المطالبة بحقوقهم، ومدى احترام السلطة التنفيذية للكرامة الإنسانية للمعلمين/ات وحقوقهم وضمان سبل الانتصاف الفعالة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات بحقهم، وأنها ستحرص على تضمين كافة النتائج في تقريرها الموازي على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

 

الأزمة المالية ومطالب المعلمين

 

أشار رئيس الوزرء د. رامي الحمد الله ووزير التربية والتعليم العالي د. صبري صيدم في تصريحات إعلامية إلى الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة ودورها في عرقلة تحقيق بعض المطالب التي ينادي بها المعلمون/ات، وبخاصة فيما يتعلق بنسبة ال 5% المتبقة من علاوة طبيعة العمل بالأثر الرجعي مع التثبيت وعلاوة غلاء المعيشة بالأثر الرجعي مع التثبيت حسبما جرى الاتفاق عليه في أيلول 2013، علماً أن هنالك مطالب أخرى نادى بها المعلمون/ات خلال مسار أنشطة وفعاليات الإضراب المستمر، على النحو الذي عرضناه سابقاً، تعكس مدى حجم التهميش الواقع على حقوقهم، كما سنبين تباعاً، لذلك نؤكد على مدى الحاجة إلى إجراء لقاءات مباشرة ومفتوحة مع منظمي الأنشطة والفعاليات التي تعكس مطالب المعلمين/ات والإداريين في المديريات ووزارة التربية والتعليم العالي، وصولاً إلى نيل الحقوق وسبل الانصاف، وسرعة انتظام المسيرة التعليمية.

 

لكنّ الأزمة المالية التي تعاني منها الموازنة العامة الفلسطينية، ليست جديدة، وبالتالي فإنه وبالرجوع إلى الموازنات العامة السابقة نجد أن موازنة الأعوام 1999 و2000 هي الوحدة التي سجلت فائضاً مالياً، ومنذ ذلك الوقت ولغاية الآن، أي منذ (16) عاماً فإن الموازنة العامة الفلسطينية تعاني من فجوات تمويلية (عجز مالي) وآخرها الموازنة العامة للسنة المالية 2016 التي جرى المصادقة عليها بقرار بقانون من الرئيس بتاريخ 8/1/2016.

 

ويرجع هذا العجز المالي لأسباب عديدة، أبرزها الاحتلال الجاثم على الأرض، وتحكّمه بمفاتيح ومفاصل الاقتصاد الفلسطيني الريعي، وسيطرته على المعابر وعلى الموارد الطبيعية ومن بينها النفط والغاز الذي أشار إليه دولة رئيس الوزراء في مقابلته مع صحيفة القدس التي نشرت بتاريخ 28/2/2016 بقوله: " فنحن نعتقد بأن التعليم هو الاستثمار الرئيسي للدولة الفلسطينية، ولذلك نعطيه الأولوية ضمن إمكانياتنا المتوفرة ، والعمل على تغيير الثانوية العامة، ولن نبخل على التربية والتعليم إذا ما نجحنا في توفير الأموال واستخرجنا النفط من حقل رنتيس برام الله والغاز من قطاع غزة". 

 

مؤكداً دولته في ذات المقابلة، على أهمية العمل الديمقراطي بقوله:" نحن مع العمل الديمقراطي ولا توجد حدود لديمقراطيتنا بل إن سقفها هو السماء، ولكن يوجد أمور قانونية يجب أن تتبع".    

 

وقبل أن ندخل في الأسباب الأخرى للعجز المالي، الذي يعكس إشكالية بنيوية في الموازنة العامة الفلسطينية، وفي خطة التقشف والترشيد وأهميتها كسبيل متاح للخروج من العجز الجاري بعد التمويل في الموازنة العامة، وطريق واضح المعالم لتغطية الحقوق المالية المشروعة للمعلمين/ت بالكامل، إلى حين استخراج النفط من حقل رنتيس والغاز من قطاع غزة، فإنه من الضروري أن نشير  إلى ما جاء بهذا الخصوص في خطة التنمية الوطنية 2014 – 2016 خاصة وأنها قد شارفت على الانتهاء، بسنواتها الثلاث، حيث ورد في البند الثاني من الخطة تحت عنوان (التحديات والأولويات)  على الصفحة (35)  ما يلي:

 

" تشكل المنطقة المصنفة (ج) والتي تبلغ مساحتها حوالي 61% من الضفة الغربية وخاصة منطقة الأغوار والبحر الميت، المخزون الاقتصادي والتنموي الاستراتيجي للدولة الفلسطينية ولمواطنيها، وقد أكدت ذلك عدة دراسات وتقارير فلسطينية ودولية وكان آخرها التقرير الصادر عن البنك الدولي في مطلع تشرين الأول 2013 بعنوان (الضفة الغربية وقطاع غزة: المنطقة ج ومستقبل الاقتصاد الفلسطيني) حيث أوضح التقرير أن المنطقة (ج) تعد مفتاح التنمية الاقتصادية الفلسطينية مستقبلاً.  وقد ركز التقرير على المنافع الاقتصادية التي قد تنتج عن إلغاء القيود المفروضة من قبل الجانب الإسرائيلي على الحركة والتنقل والوصول إلى الموارد الطبيعية وغيرها من المعوقات الإدارية للاستثمار والنشاط الاقتصادي في المنطقة (ج) وخلص التقرير إلى نتيجة مفادها أن الاقتصاد الفلسطيني يخسر نحو (3.4 مليار دولار سنوياً) جراء منع الفلسطينيين من الوصول إلى هذه المناطق؛ حيث أن هذه المناطق غنية بالموارد الطبيعية المتعذر على الفلسطينيين الوصول إليها أو الاستثمار فيها كالأراضي الزراعية الخصبة والمياه والأملاح المعدنية من البحر الميت والحجر والمواقع الأثرية والجمالية ...".

 

وحيث أن هذه الفقرة المقتبسة عن خطة التنمية الوطنية 2014- 2016 قد أشارت إليها الخطط التنموية الفلسطينية السابقة، فقد بات من الضروري بيان التقدم الحكومي المحرز على هذا الصعيد، وانعكاساته على الوضع المالي والنشاط الاقتصادي، وعلى الإيرادات العامة، على الناتج المحلي الإجمالي، وعلى خفض عجز الموازنة، وبخاصة في ظل ربط دولة رئيس الوزراء حقوق المعلمين/ات باستخراج النفط والغاز، وبذلك تتضح الصورة الكاملة.

 

 هنالك أسباب أخرى للعجز المالي، يطول شرحها، ولطالما ركز عليها الفريق الأهلي الفلسطيني لدعم شفافية الموازنة العامة، في ظل استمرار غياب وزير المالية والحكومة عن جلسات المكاشفة والنقاشات التي يعقدها الفريق، وبمعزل عن التفاصيل؛ فإنها تتلخص في الخلل البنيوي المزمن في توزيع وفي عدالة قطاعات الموازنة العامة، وغياب المنهجية والرؤية الواضحة في آليات وأولويات الصرف والإنفاق، وهي تبدأ في إطارها العام بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية وتنتهي بالموازنة العامة كأدة مالية لترجمة السياسات، وبخطة تقشف وترشيد واضحة الأبعاد والمنطلقات، وإرادة حاسمة في التنفيذ، وجداول زمنية واضحة للتقييم والمتابعة، وعمل تشاركي بين المستوى الحكومي وغير الحكومي على هذا الصعيد وفق ما أكدت عليه مراراً خطة التنمية الوطنية ولم ينفذ لغاية الآن على الأرض الواقع. علماً أن آخر موازنة عامة منشورة على موقع وزارة المالية، بالمعنى القانوني والجداول التفصيلية التي ينص عليها قانون تنظيم الموازنة، هي الموازنة العامة للسنة المالية 2014.  

 

الموازنة العامة وحقوق المعلمين

 

أكد مجلس الوزراء في بيانه الرسمي الصادر عقب جلسته رقم (82) المنعقدة بتاريخ 22/12/2015 أنه قد خصص (خُمس الموازنة العامة) للسنة المالية 2016 لقطاع التعليم والعمل على إحقاق الحقوق العادلة لأسرة التربية والتعليم وتحسين ظروف عملهم وتأهيلهم وتدريبهم؛ حيث وردت تلك الفقرة في بيان مجلس الوزراء حرفياً على النحو التالي: " أكد المجلس أن إصلاح التعليم والارتقاء بواقعه وأدواته يتصدر أولويات عمل الحكومة وأجندتها للعام المقبل، بتخصيص خمس الموازنة العامة لعام 2016 لقطاع التعليم، والعمل على إحقاق الحقوق العادلة لأسرة التربية والتعليم وتحسين ظروف عملهم وتأهيلهم وتدربيهم".

 

علماً أن قيمة الموازنة العامة للسنة المالية 2016، التي جرى تخصيص خمسها لقطاع التعليم وإحقاق الحقوق العادلة للمعلمين والإداريين وتحسين ظروف عملهم، تبلغ (4.25) مليار دولار حسب ما ورد في البيان المذكور، وما ورد في الجلسة رقم (83) بتاريخ 29/12/2015 التي ناقش فيها مجلس الوزراء الموازنة العامة 2016 والجلسة التي تليها رقم (84) بتاريخ 5/1/2015 التي صادق فيها مجلس الوزراء على الموازنة العامة، ومن ثم أقرها الرئيس.

 

وبالتالي، إذا كان هنالك ما يكفي من مخصصات مالية مرصودة في الموازنة العامة للسنة المالية 2016 لقطاع التعليم وأُسرته، أي خمس الموازنة البالغة (4.25) مليار دولار، أي (850) مليون دولار، حسب بيانات ونقاشات وقرارات مجلس الوزراء، فما الذي يمنع من إنفاق الأموال المرصودة لتحقيق الغاية التي رُصدت من أجلها؟

 

الخطة التقشفية وحقوق المعلمين

 

رغم تأكيد الحكومة مراراً، على أهمية التقشف والترشيد في الإنفاق العام، من أجل تغطية الفجوة التمويلية (العجز الجاري)،  إلا أنها لم تقدم لغاية الآن "وثيقة رسمية مكتوبة" تبين منطلقات التقشف والترشيد وأولوياته والقطاعات والمؤسسات الرسمية المستهدفة، والأسس والاعتبارات التي ينبغي أن تحكمها، وانعكاساتها المالية على العجز المالي الجاري بعد التمويل، وقدرتها على تغطية الكلفة المالية للمطالب المشروعة المتراكمة للمعلمين/ات، كما ولم تناقش الحكومة ما  تحمله من أفكار على هذا الصعيد مع المجتمع المدني، ومع الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة العامة الذي قدم للحكومة "خطة مكتوبة للتقشف والترشيد في الإنفاق الحكومي"؛ ولم تشارك وزارة المالية والحكومة رغم الدعوات في نقاش خطة التقشف والترشيد التي رفعها الفريق الأهلي للحكومة ومنطلقاتها والقطاعات المسستهدفة بالخطة .

 

نحن في الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة، وليَسمعنا الجميع، نرى، أنه بالإمكان توفير مبالغ مالية تتراوح على أقل تقدير  بين (300- 350) مليون دولار، من خلال خطة التقشف والترشيد التي قدمناها للحكومة بمنطلقاتها وأبعادها والقطاعات الرسمية الثمانية التي استهدفتها الخطة وهي: وزارة المالية وديوان الموظفين العام بما يشمل فاتورة الرواتب والعلاوات والامتيازات والعقود والمصاريف التشغيلية المتعلقة بشراء المقرات والسيارات والمحروقات والاتصالات وغيرها، ووزارة الداخلية بما يشمل مراجعة في الهيكلية وفاتورة الرواتب والعلاوات والامتيازات ومجالات في الإنفاق تتعلق بالنثريات واستخدام المركبات والمحروقات والاتصالات وغيره.

 

وسلطة الطاقة بما يشمل ترشيد فاتورة الكهرباء (صافي الإقراض) الذي يسجل أرقاماً مالية فلكية في الموازنة، ووزاة الصحة بما يشمل مراجعة قانون التأمين الصحي بهدف إقرار نظام تأمين صحي شامل ومراجعة نظام التحويلات الطبية، ووزارة الشؤون الاجتماعية بما يهدف إلى إعداد نظام ضمان اجتماعي شامل وعادل في الحماية الاجتماعية، ووزارة الخارجية بما يشمل مراجعة فاتورة الرواتب والامتيازات والمصاريف الإدارية  للبعثات والسفارات الفلسطينية والمصاريف التشغيلية للوزارة، ومجلس الوزراء بما يشمل مراجعة رواتب وعلاوات مسؤولي "المؤسسات العامة الرسمية غير الوزارية" والحقوق الامتيازات المالية التي تمنح للمسؤولين من "الفئات العليا" والإنفاق التشغيلي على المركبات والمحروقات والاتصالات والسفريات للمسؤولين وغيره، ومكتب السيد الرئيس بما يشمل مراجعة الهيكل الإداري والامتيازات والنثريات والمركبات والمحروقات وغيره.

 

مع التأكيد، على أن منطلقات خطة الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة في التقشف والترشيد في الإنفاق الحكومي؛ تأخذ بعين الاعتبار ضوابط ومحددات واضحة تتمثل في احترام سيادة القانون، والعدالة الاقتصادية والاجتماعية، وعدم المساس بالحقوق المكتسبة والمشروعة للموظفين/ات، وعدم المساس بجودة الخدمات الأساسية المقدمة للجمهور كالتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية، مع ضرورة مساهمة القطاع الخاص في بعض الأعباء من خلال صندوق المسؤولية المجتمعية.

 

نحن في الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة، نأمل من الحكومة أن تتعاطى بإيجابية مع خطة التقشف والترشيد التي رفعت إليها، ونحن على استعداد لمناقشتها مع الحكومة حال استجابتها لدعوات النقاش في مختلف منطلقات ومجالات التقشف (التخفيض) والترشيد (وضع المليم المناسب في مكانه المناسب) في الإنفاق الحكومي وبالتفاصيل، وبالأرقام المنشورة في بيانات وزارة المالية، التي اعتمدت عليها خطة التقشف والترشيد، مع وضع آليات مناسبة وجداول زمنية للتنفيذ، تأكيداً على أهمية وضرورة "العمل التشاركي" الذي ندعو إليه دوماً.

 

ونؤكد مرة أخرى، على الإمكانية المتاحة لتغطية الكلفة المالية للحقوق المشروعة للمعلمين/ات المتراكمة على الحكومة. ومع الاحترام للمبادرات المطروحة لإنهاء الإضراب، إلاّ أن الجميع متفقٌ على مشروعية مطالب المعلمين/ات وضرورة إنصافهم، وبالتالي، لينصب الجهد في مسار التقشف الترشيد بمنطلقاته المطروحة وإعطاء المعلمين/ات كامل حقوقهم.

 

وسنفرد ورقة أخرى، لضيق الوقت، للتفاصيل المتعلقة بأعداد وفئات ودرجات ورواتب المعلمين/ات  والإداريين، قياساً على باقي الوزارات والمؤسسات الحكومية والعامة، من خلال آخر موازنة عامة متاحة (موازنة 2014)  والبيانات المالية المتوفرة على موقع وزارة المالية،  لبيان حجم التهميش الواقع على المعلمين/ات والإداريين في المديريات والوزارة، ومدى عدالة ومشروعية مطالبهم التي طرحت خلال الحراك. ونأمل من الحكومة تبني سياسة أكثر شفافية وانفتاحاً ونشر كافة الوثائق المتعلقة بالموازنة العامة الفلسطينية.

 

حقوق مشروعة للمعلمين، وليست جرائم

 

قد يستشف من التصريحات الصادرة عن الحكومة، وبخاصة إذا ما استمرت في التعامل مع فعاليات إضراب المعلمين/ات بذات النهج، الذي رفع المعلمون في مقابله شعار "كرامة المعلم"، ولم تقم بمراجعة كاملة في منهجية التعامل مع الحقوق المتراكمة والمشروعة للمعلمين/ات، التي تقر بها، أن الحكومة بصدد اللجوء إلى القضاء في مواجهة المطالب العادلة والمشروعة للمعلمين/ات.

 

وهذا ما قد يستشف من عبارات للحكومة من قبيل "يوجد أمور قانونية يجب أن تتبع" وغيرها، الأمر الذي قد يفهم منه أن الحكومة، بعد سلسلة الإجراءات التي اتخذت خلال مسار أنشطة وفعاليات الإضراب، وما انطوت عليه من انتهاكات لحقوق وكرامة المعلم/ة، ستمضي باتجاه "هدف إنهاء الإضراب" بمعزل عن الحقوق المشروعة للمعلمين، ما يعني باختصار اللجوء إلى مقاضاة المعلمين/ات المضربين.

 

إذا ما صح هذا الأمر، فإن الحكومة ستلجأ إلى القرار بقانون رقم (5) لسنة 2008 بشأن تنظيم ممارسة حق الإضراب في الخدمة المدنية الصادر بتاريخ 5/4/2008، علماً أن هناك التزام دولي بعد الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية يقتضي تعديل هذا القرار بقانون، كونه يفرّغ حق الإضراب من مضمونه، وبالتالي يخالف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي انضمت اليهما دولة فلسطين، بدون تحفظات، وتعهدت دولياً بموجبهما بتعديل تشريعاتها وسياساتها العامة والممارسات على الأرض بشأن الحق في التنظيم النقابي والإضراب وفقاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

 

إذا ما لجأت الحكومة بالفعل، إلى مقاضات المعلمين/ات المضربين، بهدف وقف الإضراب، فإنه سيتم رفع الطلب والحالة تلك إلى محكمة العدل العليا، والارتكاز على المادة (3) من القرار بقانون المذكور التي تجيز لمجلس الوزراء اللجوء إلى محكمة العدل العليا لوقف الإضراب في حال كان مخالفاً لأحكام هذا القرار بقانون أو يلحق ضرراً جسيماً بالمصلحة العامة، وعندئذ تبت المحكمة في الطلب بدعوة الفريقين خلال (48) ساعة من تقديم الطلب وتصدر قرارها في موعد أقصاه ثلاثة أيام من تاريخ تقديم الطلب.

 

وعليه، إذا ما قررت محكمة العدل العليا، وقف الإضراب، واستمر المعلمون/ات في فعاليات الإضراب المنسجمة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، التي التزمت بها دولة فلسطين بدون تحفظات كما سبق القول، فإن هذا يعني وفقاً للتشريعات الفلسطينية السارية أن "جميع المعلمين/ات المضربين" سيكونون أمام "جريمة دستورية" موصوفة واردة في المادة (106) من القانون الأساسي؛ تتمثل في الامتناع عن تنفيذ قرارات قضائية. وأياً كانت المبررات التي ستقدمها الحكومة، والحالة تلك، فلن تغيّر شيئاً من هذا التوصيف القانوني لجميع المعلمين/ات المضربين للوصول إلى مطالبهم المشروعة التي أقرت بها الحكومة وأكدت عليها.

 

وحيث أن الامتناع عن تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية يشكل جريمة في القانون الأساسي الفلسطيني، وفي قانون العقوبات الساري، وفي قانون مكافحة الفساد أيضاً، فإنه والحالة تلك، يكون بإمكان أي مواطن يعلم بوجود معلم/ة مضرب/ة بعد صدور القرار القضائي، إن صدر بوقف الإضراب، واستمر الإضراب، أن يبلغ النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي عن المعلم/ة المضرب/ة من أجل تحريك ومباشرة الدعوى الجزائية في مواجهته وفقاً لما تنص عليه المادة (24) من قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني!

         

 

د. عصام عابدين

د. عصام عابدين اضراب المعلمين خارطة طريق