الأربعاء  27 تشرين الأول 2021
LOGO

المنطقة التجارية الحرة بين مصر وغزة .. قطاع غزة المستفيد الأكبر

2016-12-06 01:49:39 PM
المنطقة التجارية الحرة بين مصر وغزة .. قطاع غزة المستفيد الأكبر
أرشيف

 

محسن أبو رمضان: تدشين المنطقة الصناعية التجارية الحرة بات ممكنًا ويُأمل الوصول إلى عملية المأسسة الرسمية له لجني العوائد والأرباح

عوني الباشا: تحويل الشراكة الاقتصادية للجانب المصري بدلًا من الإسرائيلي ستُنعش القطاعات الصناعية وستعمل على تحريك عجلة التنمية

أسامة كحيل: بدأنا بخطوات عملية على الأرض ونأمل تحسين الواقع الاقتصادي لغزة

 

غزة- محاسن أُصرف

 

منذ عقد مؤتمر العين السخنة 2 بمصر مطلع نوفمبر الماضي لم يكف رجال الأعمال والاقتصاد الذين حضروا المؤتمر عن الحديث عن اقتراب تدشين منطقة صناعة وتجارة حُرة مع قطاع غزة، ولم تخلو أحاديثهم من تكهنات العوائد والأرباح التي سيجنيها الجانبين على صعيد تنمية الاقتصاد وتحريك عجلة الصناعة، وعلى صعيد تهدئة الوضع الأمني واستقراره في سيناء التي حولتها جماعات "داعش" إلى ساحة دم في الآونة الأخيرة، لكن هل بات الحُلم يخطو باتجاه تحقيقه؟ وهل يملك الفلسطينيون والمصريون الإمكانيات اللازمة لإنجاح هذا المشروع الاستراتيجي للبلدين؟ أم أن عقبات وتحديّات الانقسام ستُعيقه من جديد؟ خاصة في ظل العوائد والأرباح التي ستجنيها السلطة الحاكمة في قطاع غزة.

 

تاريخيًا وثقت العلاقات التجارية بين مصر وفلسطين في العام 1998 حين وقعت السلطة الفلسطينية اتفاق التجارة مع مصر، و الذي دخل حيز التنفيذ نهاية 1999 على أمل إحداث حالة من التنمية الاقتصادية للبلدين على أساس التبادل التجاري، لكن ذلك لم يحدث، والأسباب تدور في فلك العلاقات السياسية المتأرجحة بين الانفراج والتأزم وبقي حجم التبادل ضئيلًا، حيث تراوح منذ عام 1995 وحتى 2000 بين (10- 30) مليون دولار فقط.

 

اليوم وبعد المؤتمر خبراء واقتصاديون أكدوا في لقاءات منفصلة مع "الحدث" أن بالإمكان تعزيز الصلات التجارية خاصة وأن مصر تخطو بإيجابية باتجاه تحسين العلاقات التجارية مع قطاع غزة بعد قطيعة طويلة، لافتين إلى أنها أبدت موافقة أولية على إنشاء منطقة تجارية حرة تتزامن مع إعادة تأهيل ميناء العريش ليُصبح رافدًا تجاريًا لغزة، وقبل ذلك منحت أهالي القطاع تسهيلات بشأن فتح معبر رفح الحدودي لأكثر من مرة في فترات متقاربة، بالإضافة إلى تلطيف الخطاب الإعلامي بعد أن كان حادًا صلفًا، ناهيك عن محاولة رفع حصة القطاع من الكهرباء عبر الخطوط المصرية لتصل إلى 45 ميجاواط، ورغم ذلك قلل الخبراء من استمرار فرصة نجاح الخطوات نجاحًا تامًا في ظل عدم وجود حكومة موحدة والتي تُمثل أحد أهم مُتطلبات إنشاء المناطق التجارية بين البلدان.

 

فوائد مرجوة

يرى د. ماهر الطبّاع، الخبير في الشأن الاقتصادي الفلسطيني، أن وجود منطقة تجارة وصناعة حرة بين فلسطين ومصر مهم جدًا على صعيد تحسين واقع التبادل التجاري بين البلدين، والمحكوم باتفاق التجارة الموقع منذ 1998 والمعطل بسبب الأزمات في العلاقات السياسية والتي تفاقمت بعد عام 2007، ويوضح بالأرقام أن حركة التجارة من مصر إلى قطاع غزة رغم ضآلتها إلا أنها في بعض الفترات تنامت بشكل ملحوظ خاصة خلال السنوات العشر الأخيرة، وقال: "إن حجم الصادرات المصرية إلى فلسطين في العام 2005 بلغ حوالى 32,178 مليون دولار، ووصلت خلال العام الماضي إلى حوالى 67,461 مليون دولار"، وبيّن أنه برغم ذلك التنامي إلا أن حجم الصادرات المصرية إلى القطاع لا يُشكل إلا 2.2% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية لفلسطين، فيما بلغت نسبة الصادرات الفلسطينية لمصر حوالي 327 ألف دولار خلال العام الماضي ما يُشير إلى ضعف فرص التصدير من فلسطين إلى مصر.

 

وتابع: "إن هذا الوضع قد يتحول 180 درجة في حال تدشين المنطقة التجارية"، مؤكدًا أنها ستُنهي العوائق والقيود الجمركية التي تفرضها إسرائيل، وستُسهم في تمكين المنتج الفلسطيني من الدخول إلى الأسواق المصرية بكفاءة وجودة عالية.

 

المنطقة التجارية ممكنة ولكن

وفيما يتعلق بقرب تدشين المنطقة التجارية، فأكد مُحسن أبو رمضان المحلل الاقتصادي، أن الخُطى المصرية باتجاه تحسين العلاقات مع القطاع "مُبشرة" وسيترتب عليها بعض المنجزات الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية، ومنها تدشين المنطقة التجارية الحرة بين قطاع غزة وجمهورية مصر العربية، وقال: "إن وجود المنطقة التجارية الحرة سيُساهم في ارتفاع النشاط الاقتصادي وتحسين الأوضاع الاقتصادية في المنطقتين سواء قطاع غزة أو شمال سيناء"، وبين أن المنطقة التجارية ستكون معفية من الجمارك ما يُسهل عملية انسياب البضائع إلى القطاع من مختلف المناطق العربية مؤكدا أنها معفاة من الضرائب، مما يُشجع على التبادل التجاري، وكشف أن ذلك سيترتب عليه وجود بعض السلع وفق المقاييس الدولية التي يمكن تنميتها في قطاع غزة لصالح بعض الشركات المصرية، ناهيك عن إمكانية وجود شركات تصدير مشتركة مصرية فلسطينية لبعض السلع الفلسطينية كالفراولة، والزهور، والخضراوات، والأخشاب، والأثاث، والملابس، لافتًا إلى أن قطاع غزة عبر هذه الشركات سينفذ إلى العالم عبر ميناء أو مطار العريش، وفي حديث الأرقام أكد أن المنفعة المشتركة من المنطقة التجارية لا تقل عن 6 مليار دولار للبلدين في أقل من عام من إنجاز المنطقة.

 

التحدي الأكبر عملية المأسسة الرسمية

وبرأي "أبو رمضان" فإن الفوائد التي يُمكن أن يجنيها القطاع ومصر معًا من المنطقة التجارية تبقى مرهونة بتحد كبير أمامها يكمن في تحقيق الشروط الواجبة لإقامة المناطق التجارية بين الدول وهي "الحكومة المعترف بها"، إذ يقول: "يُشترط أن يكون هناك حكومة وحدة وطنية معترف بشرعيتها على المستوى العربي والدولي"، واستدرك: "إذا استمر الانقسام ربما تكون هناك خطوات لا ترتقي إلى مأسسة منطقة التجارة الحرة"، وأضاف قد تُدشن على المستوى العملي الذي لا يكتمل بدون  المأسسة الرسمية التي تشترط الاعتراف بحكومة وحدة وطنية تتوسع صلاحياتها، وتمتد سلطاتها لتشمل قطاع غزة.

 

وتابع أن ذلك ضروري جدًا على المستوى السياسي وبدونه سيصبح من الصعوبة بمكان وجود المنطقة، إلا إذا كانت العملية فرض أمر واقع على المستوى العملي، لا تكتمل ولا تتوج بدون عملية المأسسة الرسمية من خلال الاعتراف الشرعي، ووجود حكومة تُشرف عليها في قطاع غزة.

 

فرق الأسعار الفائدة المرجوة من التبادل

وفي ذات السياق يُحدثنا "عوني الباشا" وكيل مساعد في وزارة المالية بغزة عن أرقام تربو على ثلاث مليارات دولار، مؤكدًا أن هذا المبلغ هو حجم استيراد قطاع غزة عبر الجانب الإسرائيلي، وأضاف أن الاستيراد عبر مصر من شأنه أن يُحقق عوائد جيدة لخزينة القطاع، عازيًا السبب في ذلك إلى انخفاض أسعار السلع المصرية مُقابل السلع التي تُستورد عبر إسرائيل، ضاربًا لذلك مثلًا عن الإسمنت الذي يُعد السلعة الأكثر أهمية واحتياجًا في القطاع؛ لاستكمال عمليات إعادة الإعمار وقال: "إن فارق السعر لطن الإسمنت بين المصري والإسرائيلي حوالي 75 دولار لصالح الأخير"، مستكملًا: "إن فرق الأسعار يُشكل حجم الفائدة التي ستُحدثها عمليات التبادل التجاري بين مصر وقطاع غزة بدلًا من إسرائيل".

 

ويبلغ سعر طن الإسمنت المصري قرابة الـ 100 دولار، في حين يزيد الإسرائيلي عن ذلك بـ 75 دولار أي أكثر من النصف، وهذا سيُمكن القطاع من استيراد ضعف الكمية بسعر جيد جدًا مما يعود بالربح ويُعجل بإنهاء أزمات القطاع التي عانى منها على مدار سنوات الحصار العشر الماضية.

 

وعلى صعيدٍ آخر شدد على أن الفائدة لن تكون بتحقيق عوائد وأرباح مالية فقط وإنما بتحقيق حالة من التوازن في القطاع على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وبيّن أن الفائدة الأعظم ستكون بإعادة تشغيل المصانع التي حُرمت على مدار سنوات الحصار من المواد الخام تحت ذريعة الاستخدام المزدوج التي ينتهجها الاحتلال، وقال: "إن تحويل الشراكة الاقتصادية للجانب المصري بدلًا من الإسرائيلي ستُنعش القطاعات الصناعية، وستعمل على تحريك عجلة التنمية، وستُسهم في خفض معدلات البطالة، وبالتالي ستُنهي بعض الظواهر السلبية التي انتشرت بين الشباب بسبب البطالة وارتفاع معدلات الفقر لديهم".

 

تحضيرات على الأرض

وبحسب "أسامة كحيل" رئيس اتحاد المقاولين بغزة، فإن أهم توصيات المؤتمر الاقتصادي في العين السخنة بنسخته الثانية كانت إيجاد فريق مشترك فلسطيني – مصري لدراسة مشروع المنطقة التجارية المزمع تدشينها على حدود البلدين، مؤكدًا أن اللجنة ستعمل على دراسة المشروع من كافة الزوايا، وستعمل على تنفيذه بما يتوافق مع الوضع الأمني والسياسي في مصر، وشدد أنه سيُراعى عند إنشاؤها بُعدها عن الاستهداف الإسرائيلي بما يُحقق جذب الاستثمارات إليها في ظل البيئة الآمنة التي سيوفرها الجانبان.

 

ويُشير "كحيل" إلى أن شهر ديسمبر سيشهد إنجاز التصور المبدئي وفق الرؤية الفلسطينية، وستتم بعدها مناقشة المقترح مع الجانب المصري على أن تتم عملية التدشين بخطوات فعلية، وكشف أن الإعفاء الجمركي الذي تتمتع به فلسطين من بعض الدول سيُشكل نقطة قوة لكل القطاعات الاقتصادية التي ستضمها المنطقة التجارية – الصناعية الحُرة، حيث ستوفر السلع بأقل الأسعار وستوفر آلاف فرص العمل التي تُسهم في خفض معدلات البطالة بين الفلسطينيين.

 

السلطة ما زالت تتحفظ

على الرغم من توارد الأنباء بشكل مكثف في الآونة الأخيرة عن تدشين منطقة صناعية – تجارية حرة بين مصر وقطاع غزة، إلا أن السلطة الفلسطينية لم تصرح حول الموضوع، ما يُشير إلى خشيتها من أن تُوظف الإجراءات الجدية في الانفتاح المصري في العلاقات مع قطاع غزة لعقابها ماديًا، الأمر الذي سيزيد من تأزم ميزانيتها التي تواجه عجزًا كبيرًا.

 

وكانت السلطة الفلسطينية في رام الله بفعل الانقسام تحتكر إدخال بعض السلع إلى قطاع غزة وجباية ضرائبها كالوقود الذي يُدر على خزينتها ملايين الدولارات من خلال ضريبة "البلو" التي تفرضها على الوقود المورد إلى محطة توليد الكهرباء في غزة، والمُقدرة بـ 30 مليون دولار شهريًا.

 

ويُشير مراقبون إلى أن فقد السلطة الفلسطينية لتلك الأموال بعد تدشين المنطقة التجارية الحرة من شأنه أن يُعمق أزمتها المالية، وأن يُضعضع التزامها بتوفير فاتورة الرواتب المُقدرة بـ 2 مليار دولار سنويًا، والتي تُشكل قرابة 60% من الموازنة العامة، كما أن استيراد بضائع القطاع من مصر بدلًا من إسرائيل سيزيد من أزمتها المالية، خاصة وأن غزة تُساهم بنسبة 50% من إيرادات المقاصة التي تتقاضاها السلطة عن توريد كافة السلع التي تصل إلى الأراضي الفلسطينية عبر الموانئ والمعابر التي تُسيطر عليها.

 

وبحسب معلومات صادرة عن لجنة الموازنة والشؤون المالية بالمجلس التشريعي فإن إجمالي مبلغ المقاصة الذي يتم تحصيله غزة 965 مليون دولار سنويًا، بواقع 80.42 مليون دولار شهريًا، فيما كشف النائب ابراهيم دحبور، مقرر لجنة الموازنة والشؤون المالية في المجلس التشريعي أن تلك الأموال تجنيها وزارة المالية الفلسطينية في رام الله، وقال إن وجود المنطقة التجارية الحرة سيحرم السلطة من تلك الأموال.