الإثنين  30 آذار 2020
LOGO

أحلام اليسار المغربي

2014-05-13 00:00:00
أحلام اليسار المغربي
صورة ارشيفية

الحدث - عبد الصمد بن شريف / صحافي وكاتب مغربي

منذ عقود واليسار المغربي يبحث عن بوصلة تدله على الطريق الذي يجب أن يتبعه، فرغم شراسة الواقع وعناد التركيبة الإجتماعية ومقاومتها لتمثل نظريات ومقولات نابعة من الاشتراكية العلمية  والمادية الجدلية، ورغم ثقل الخصوصيات الثقافية والتاريخية وانتصابها سداً منيعاً في وجه مشاريع اجتماعية واقتصادية وسياسية مستوردة، فإن مكونات اليسار المغربي، خاصة تلك التي تعتبر نفسها الأجدر في التحدث باسم ما تصفه في أدبياتها بالجماهير الشعبية،لم تطلق حلمها بصياغة نموذج اجتماعي تسوده العدالة والكرامة والديمقراطية والحداثة والاشتراكية.

في 23 مارس/ آذار الماضي وتحديداً في العاصمة الرباط، التأمت ثلاثة أحزاب هي الاشتراكي الموحد، والطليعة الديمقراطي الاشتراكي، والمؤتمر الاتحادي، وكلها تنتمي إلى عائلة اليسار، لتعلن في مهرجان خطابي عن تأسيس فيدرالية اليسار الديمقراطي، بعد أن سبق للأحزاب نفسها أن شكلت في 2007 ماعرف بتحالف اليسار.

اختيار تاريخ 23 مارس أرادت من خلاله الأحزاب الثلاثة أن تظهر للطبقة الحاكمة والقوى التي تدور في فلكها، أنها تملك شرعية تاريخية ونضالية وتعتبر نفسها استمراراً طبيعياً لنضالات الفئات  الاجتماعية المسحوقة، على اعتبار أن الانتفاضة الأولى التي شهدها المغرب ضد القمع  والاستبداد والاستفراد بالقرار كانت في 23 آذار/ مارس 1965. 

الإعلان عن ميلاد فيدرالية اليسار الديمقراطي حسب المؤسسين، ليس سوى الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل، لأن الهدف الاستراتجي هو تحقيق الاندماج، غير أن الوصول إلى هذا المبتغى يتطلب تمريناً نقدياً قاسياً، وتدريباً على رياضة التنازلات المتبادلة، حيث لوحظ عبر مختلف المحاولات الاندماجية والوحدوية التي جربتها أحزاب اليسار، أن هناك صعوبة كبيرة في التخلي عن الذات الحزبية، فكل تنظيم يتشبث بكيانه وأجهزته وأطروحاته، وبشكل مأساوي تطفو على السطح الحسابات الصغيرة والتأويلات الماكرة، رغم أن جل هذه الأحزاب خرج من رحم واحد ويقتسم نفس الأيدولوجيا ونفس القاموس. واللافت أن هذه الأحزاب كلها تقريباً انشقت عن حزب الاتحاد الاشتراكي، الذي لم يتمكن، خلال أكثر من احتقان داخلي، من تدبير تشنجاته التنظيمية بطريقة ديمقراطية، فكانت النتيجة تناسلات حزبية متتالية، مما أصاب الاتحاد الاشتراكي بالضعف والهشاشة، وحوله إلى مشتل خصب للأزمات والصراعات والحسابات بشكل غير مسبوق، وامتدت تداعيات مأزق الاتحاد إلى المؤسسة التشريعية، عندما ارتبكت أجندتها  واختل إيقاع عملها.

من خلال قراءة العناوين الكبرى لمشروع فيدرالية اليسار الديمقراطي في المغرب، يبدو أنها جاءت لتطالب بملكية برلمانية وبدستور ديمقراطي وبانتخابات حرة ونزيهة وبإصلاحات عميقة في كل القطاعات، كما أنها تسعى إلى تشكيل معارضة حقيقية ضد ما تصفه بالتكتلات الأصولية، سواء المخزنية أو تلك التي تستند إلى مرجعية  دينية، في إشارة إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم.

غير أن هذه المطالب تعكس شكلاً من أشكال الميتافيزيقا السياسية، إذ كيف يمكن إسقاط دستور صوت عليه أكثر من 98 بالمئة من المغاربة عام 2011. واعتبر من طرف معظم الفاعلين والنشطاء طفرة وثورة واستثناء في المنطقة العربية.

هناك من يصف اليساريين بأنهم شعراء السياسة، فهم يهتمون بالإنسان المثال، وبالقيم وبالفكرة وبالمبادئ، وينسون تعلم أصول الحكم وتدبير الملفات وحل المشاكل، وهذا ربما ما ينطبق على أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي في المغرب، علماً أنها مجتمعة لا تتوفر على مقعد واحد في البرلمان، ما يعني أنها تفتقد إلى القواعد التي بمقدورها أن تحملها إلى البرلمان وإلى الحكومة. وبدون شك لها أنصار ومناضلون مازالوا يفتخرون بالعذرية السياسية ولايكفون عن ترديد مقولة التحليل الملموس للواقع الملموس، ولا صوت يعلو فوق صوت الجماهير، ويحلمون بممارسة السياسة بشكل مغاير، من خلال تخليقها وترشيدها وعقلنتها.