الأحد  17 تشرين الثاني 2019
LOGO

هارب إلى واشنطن/ بقلم: سامي سرحان

2018-03-06 09:51:43 AM
هارب إلى واشنطن/ بقلم: سامي سرحان
رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو

 

قضايا شائكة يحملها بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى واشنطن، ويطرحها أمام مؤتمر إيباك المنعقد حاليًّا؛ لتكون عناوين تحرك اللوبي اليهودي الأمريكي في العام الجاري 2018، وإذا استثنينا قضايا ملاحقته قضائيًّا بالفساد والرشوة، فالقضية الأولى التي لا يكفُّ نتنياهو الحديث عنها هي قضية إيران المتشعبة وكيفية التعامل مع برنامجها النووي وصواريخها البالستية وتمركز قوات إيرانية في سوريا وتعاظم قوة حزب الله الصاروخية وعلاقته بإيران.

وفي هذا الملف استطاعت إسرائيل وجماعات الضغط الصهيونية الأمريكية أن تفرض على أجندة الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب إيران كدولة "فارقة" تهدد أمن إسرائيل ودول الخليج وتقرير مصير العراق وسوريا واليمن والبحرين ولبنان، وبالتالي لا بدّ من ردّعها بتدخل أمريكي مباشر غير أنَّ العسكريين الأمريكيين لم يبدوا حماسًا كافيًا للفكرة يدفع الرئيس الأمريكي ترامب لتبني خيار الحرب والانخراط فيه ضد إيران مباشرة، واكتفى بموقف سلبي من الاتفاق النووي مع إيران وبتحريض دولي وتصعيد لفظي ضد برنامج الصواريخ البالستية، غير أنه يتماهى مع المواقف الإسرائيلي الرافض لتمركز قوات إيرانية في سوريا خاصة جنوب العاصمة دمشق.

لكن توجه نتنياهو لواشنطن وهو ملاحق قضائيًّا في زيارة تمتدّ لخمسة أيام ومخاطبته ممثلي يهود الولايات المتحدة في مؤتمر إيباك وتزامن الزيارة مع مناورات عسكرية إسرائيلية أمريكية مشتركة في أجواء فلسطين التاريخية يشير إلى أنَّ الوظيفة القديمة لإسرائيل كقاعدة متقدمة لأمريكا في الشرق الأوسط  توكل إليها مهمات فرض السياسات الأمريكية على دول المنطقة باتت من الماضي؛ لأنَّ قوة إسرائيل العسكرية الذاتية لم تعد كافية لإنجاز مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يتمحور حول بسط الهيمنة الأمريكية على المنطقة ووضع اليد على ثرواتها ودمج إسرائيل في أحلاف مع دولها.

إنَّ المناورات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المتزامنة مع زيارة نتنياهو وانعقاد مؤتمر إيباك هي الأوسع والأكبر منذ العام 2001، وهي تحاكي حربًا حقيقية، وتدخل أمريكي مساند لإسرائيل في حال تعرضها لهجوم صاروخي مفاجئ وتشمل تدخلات عسكرية خلف خطوط المواجهة.

ولعل إجراء المناورات المشتركة تأتي في إطار طمأنة الحكومة الإسرائيلية والإسرائيليين بأنَّ الولايات المتحدة لن تتخلى عن الحفاظ على أمن إسرائيل وخشيته من أن يقدم نتنياهو على مغامرة عسكرية ضد إيران أو في سوريا أو لبنان بعد أن أعلن في مؤتمر الأمن والتعاون الدولي الذي انعقد الشهر الماضي في ميونخ أنّ إسرائيل ستتحرك ضد إيران منفردة إذا لزم الأمر. غير أنَّ عدم الرد الإسرائيلي على إسقاط طائرة ف-16 الشهر الماضي يظهر أنَّ مقولة " قوة إسرائيل التي لا تقهر" قد تبددت وباتت بحاجة إلى حماية أمريكية عسكرية مباشرة.

وهذا يقودنا إلى تكرار القول إنَّ  إسرائيل لم تعد قوة ضاربة يعتمد عليها في المنطقة، وبالتالي لا تصلح أن  تكون حليفًا يعول عليه عسكريًّا لبعض الدول العربية لمواجهة إيران كعدو مفترض، وأن الولايات المتحدة تضبط حركة إسرائيل خشية توريطها في حرب شرق أوسطية قد تقود إلى احتكاك مع قوات روسية توجد في المنطقة، وباتت لروسيا مصالح استراتيجية لن تتخلى عنها بسهولة.

والقضية الأخرى التي أعلن نتنياهو أنه سيبحثها في واشنطن تتعلق بعملية تسوية في الشرق الأوسط وعلاقة هذه العملية بما يسمى صفقة القرن لتشكيل المنطقة عرقيًّا وطائفيًّا ومذهبيًّا وقوميًّا وفق الرؤية الأمريكية، وبما يخدم مصلحة إسرائيل أن تكون دولة قوية ومهيمنة وجزءًا رئيسيًا في المنطقة.

ولكي تمرر الإدارة الأمريكية صفقة القرن، وينخرط فيها العرب لا بد من إيجاد حلّ نهائي للقضية الفلسطينية ينهي هذه القضية التي شغلت المنطقة لسبعة عقود ولم يجرؤ رئيس أمريكي أو إسرائيلي أو عربي على المس بها، كما تُمسّ الآن من إدارة ترامب، ومنه شخصيًّا ومن نتنياهو، ويجري الحديث اليوم عن قرب إعلان محتوى صفقة قرن ترامب، وما سرب منها لا يلبي شيئًا من حقوق الشعب الفلسطيني وقيادته التي اختزلت في إقامة دولة فلسطين في حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وفق حل الدولتين وحل قضية اللاجئين حلاً عادلاً وفق قرار الأمم المتحدة 194.

وفي الحقيقة، فإنَّ نتنياهو لا يسعى إلى تسوية مع الفلسطينيين مهما كانت المسميات وأمن إسرائيل الذي لا يتخلى عنه نتنياهو لا يتحقق بغير استمرار احتلال كامل للأرض الفلسطينية وتهجير من تبقى من شعبها بل بتحقيق مجال أمن إسرائيل في الجنوب في سيناء، وفي الشمال في منطقة بعمق 40 كم، تصل إلى مشارف العاصمة السورية دمشق والاحتفاظ بالجولان المحتل.

إنّ ما يشجع نتنياهو الملاحق قضائيًّا وإظهار عنجهية ليس الدعم الأمريكي اللامحدود، وليس قوة إسرائيل وإنما تفكك القوة العربية، وتخلي العرب عن قضاياهم في التحرير والحرية والتنمية، فلم تعد القضية الفلسطينية أولوية عربية، وهو ما يجاهر به نتنياهو والمسؤولون الإسرائيليون، ولم تعد إسرائيل عدوًّا للعرب وحريتهم وتنمية أقطارهم، وباتوا يبحثون عن أعداء بين من يشاركهم الجوار والدين والأمل في مستقبل أفضل لشعوبهم حرة ومستقلة.

وهذه الحالة المتردية من الواقع العربي والإسلامي تزيد العبء النضالي على الشعب الفلسطيني وقيادته لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتنكّره للحقوق الفلسطينية التي أقرتها الشرعية الدولية.