الثلاثاء  22 أيلول 2020
LOGO

فقراء في قرية مغربية يقدمون لك منتجات باهظة بأبخس الأسعار

2018-04-01 08:39:43 AM
فقراء في قرية مغربية يقدمون لك منتجات باهظة بأبخس الأسعار
أحد أحجار النيازك في مملكة المغرب (أرشيفية)
 
الحدث لايت 
 

على بعد حوالي 61 كلم شمال مدينة أكادير السياحية جنوب المغرب، وبالضبط في المغارات المحيطة بمنطقة “وادي الجنة” إحدى أجمل المناطق الطبيعية بالمملكة، تنتشر عمليات تنقيب غامضة، بحيث يحلُّ بالمنطقة علماء في ثوب سياح للبحث عن أحجار كريمة وبقايا هياكل الديناصورات.

للقيام بهذه المهمة على أكمل وجه يقوم هؤلاء المنقبون بالاستعانة بخدمات أبناء المنطقة، الذين يعاني أغلبهم من البطالة، ولا يعرفون قيمة الآثار المستخرجة من أراضيهم.

وتتنوع أنشطة الشبكات المتخصصة في سرقة تاريخ المغرب لتصل إلى عظام وأسنان الديناصورات والنيازك الفضائية وغيرها الكثير، وطبعاً كل شيء وثمنه في السوق العالمية.

تجارة من كوكب آخر

يتوفر متحف التاريخ الطبيعي بالعاصمة البريطانية لندن على واحد من أهم النيازك الفضائية التي سقطت بكوكب الأرض خلال القرن الماضي. يحمل هذا الحجر النادر اسم “نيزك تيسينت” وقد كلف، استناداً إلى تقارير صحافية غربية، أضعاف المبلغ الذي تخصصه إدارة المتحف المذكور لهذا النوع من القطع الفضائية.

هذا النيزك الفضائي النادر لم يتم العثور عليه سوى في قرية تيسينت البسيطة جداً، والتي تقع على مقربة من مدينة طاطا جنوب شرق المملكة، حيث تنشط شبكات متخصصة في الاتجار في هذا النوع من الأحجار الفضائية النادرة.

يصل ثمن الغرام الواحد من الذهب بالمغرب إلى حوالي 40 دولاراً، بينما يباع الغرام الواحد من حجر النيزك الفضائي، النشاط المنتشر بكثرة بهذه المنطقة، إلى حوالي 1000 دولار وقد يرتفع الثمن أو ينقص حسب نوعية هذا الأخير.

تبدو هذه التجارة مربحة للغاية من الوهلة الأولى، غير أن المعطيات التي حصلت عليها “عربي بوست” تؤكد أن الأثمنة التي تباع بها أجزاء النيازك تبدو تافهة مقارنة مع الثمن الحقيقي الذي تخصصه المؤسسات العلمية الغربية المهتمة بجمع ودراسة هذه العينات.

ناشط جمعوي معروف بالمنطقة، وله دراية بهذا النشاط يؤكد لـ”عربي بوست” أن السكان المحليين البسطاء يبيعون هذه الأحجار النادرة أحياناً بأثمان زهيدة لكسب لقمة العيش، في الوقت الذي “يكسب منها السماسرة والمختصون في هذا النوع من التجارة أضعاف هذه المبالغ”.

ويشرح مصدرنا، الذي فضل عدم كشف هويته، أن وسطاء مغاربة وأجانب يستغلون ضعف تكوين المنقبين المحليين على النيازك الفضائية، دون أن تنعكس هذه التجارة، التي تدر ملايين الدولارات على الواقفين وراءها، على التنمية المحلية للمنطقة.

وقد يحدث ألا يعثر المنقبون على النيازك على شيء ذي قيمة طيلة شهور من العمل المتواصل، وفي حالة ما إذا نجح أحدهم في إيجاد قطعة تستحق الاهتمام يقوم بربط الاتصال بوسطاء مغاربة يقومون بدورهم بإخطار التجار الغربيين الكبار، لتستمر الحكاية من جديد في ما يشبه شبكة سوداء متشعبة الأطراف.

أحجار كريمة وحياة غير كريمة

جمال وهو واحد من أبناء منطقة “وادي الجنة” السياحية، الذين يرافقون السياح في رحلات ظاهرها اكتشاف المغارات والغطس في مياهها البللورية، وجانبها الخفي: البحث عن الأحجار والآثار وتهريبها خارج المغرب.

يتقن الشاب الثلاثيني أربع لغات أجنبية وبالكاد يعيل أسرته ذات الدخل جد المحدود، في البداية لم أكن أعلم أي شيء سوى أن بعض السياح الأجانب يحتاجون دليلاً سياحياً يعرف جيداً جغرافية المنطقة لمساعدتهم على الوصول إلى المغارات”، غير أن تكرار هذه التجارب جعل الشاب يفطن إلى حقيقة مغايرة.

كان بعض هؤلاء يستعمل معدات بدت للشاب متطورة، ولم يفهم حينها سبب استعمالها في أمكنة كهذة، إلى أن شاهد بأم عينه فرحة هستيرية سادت أعضاء المجموعة التي رافقها في إحدى المرات.

“بعد أن كان متفقاً على أن ثمن الخدمة التي أقدمها هو 50 دولاراً، تم منحي 200 دولار كاملة، فطنت حينها إلى أن هؤلاء لا يستكشفون المنطقة بل ينقبون عن الأحجار الكريمة!، يقول الشاب.

يشترك كل الواقفين وراء تهريب ثروات المغرب الأثرية وغيرها في شيء واحد: البحث عن أكبر قدر من الربح مقابل استغلال جهل وضعف تكوين السكان المحليين وإيهامهم أن الأموال التي يحصلون عليها كبيرة جداً، بهدف الحفاظ على سرية هذه الأنشطة، في حين أن هذه الأموال لا تساوي في حقيقة الأمر أي شيء بالمقارنة مع القيمة الحقيقية لهذه الأحجار.

“ديناصور مغربي” في مزاد علني بالمكيسك!

شهد المغرب، بداية العام الجاري، جدلاً غير مسبوق بسبب تهريب ذيل ديناصور من أضخم الكائنات التي عاشت على سطح الأرض إلى المكسيك، الشيء الذي دفع الحكومة، بعد الانتقادات الواسعة التي طالت السلطات المختصة على منصات التواصل الاجتماعي، لفتح تحقيق في الموضوع مازالت نتائجه لم تخرج لحد الآن.

ويبلغ طول ذيل الديناصور المهرب إلى المكسيك 17 متراً، ويزن 22 طناً، ويعتقد أنه عاش بين جبال الأطلس خلال الفترة الجوراسية الوسطى قبل نحو 165 مليون سنة. وبعد انتشار خبر عرضه في مزاد علني بالمكسيك لإعادة بناء آلاف المدارس التي تعرضت للتدمير بفعل زلزال.

هذه الواقعة ليست إلا الشجرة التي تخفي غابة التنقيب عن عظام الديناصورات ومختلف الكائنات المنقرضة التي عاشت في مختلف مناطق المغرب قبل ملايين السنين، بحيث تتكلف مافيات عابرة للقارات بمهمة التنسيق مع سماسرتها بالمغرب للقدوم بشكل عاجل كلما تم إيجاد صيد ثمين.

التحقيق لا يزال مستمراً بحسب ما أسر به مصدر حكومي رفيع لـ”عربي بوست”، والكرة الآن في ملعب السفارة المغربية بالمكسيك لمعرفة ملابسات هذه الواقعة، بعد أن قدمت وزارة الطاقة والمعادن والبيئة المستدامة رواية شككت في مغربية ذيل الديناصور.

وجاء ضمن رواية الوزارة المذكورة، إذا كانت هذه الحفريات نتيجة بحث العلماء، فإنه كان ينبغي أن يكون موقع البحث معروضاً مع العينة المباعة، مؤكدة أنه لم تكن هناك رسمياً أي حفريات في الأطلس منذ اكتشاف، من قبل الفرق المغربية والدولية، السوروبود العظيم (نوع من الديناصورات) في عام 1979 والمسمى “أطلسوروس العملاق”.

الوزارة المغربية أضافت أن هذه الفقرات العظمية إذا كان مصدرها حقاً من المغرب كما يزعم معرض المبيعات، فإن ذيل هذا السوروبود تم صنعه من مجموعة فقرات عظمية وجدت معزولة، والتي لا تأتي من نفس نوع “سبينوسور” وتم تجميعها من قبل تاجر آثار.

من المسؤول عن تهريب الآثار؟

يرى يوسف خيارة، رئيس قسم المتاحف بوزارة الثقافة، أن مجهودات كبيرة تقوم بها هذه الأخيرة لحماية التراث من أيدي المتاجرين فيه، غير أن هذه المجهودات لا تجد طريقها للرأي العام نظراً لما اعتبره ضعفاً في عملية التواصل.

خيارة في حديث مع “عربي بوست” أكد إن التحف بشكل عام ممنوعة من مغادرة التراب الوطني، غير أن هناك بعض الحالات التي يسمح لها بذلك استناداً إلى النصوص التشريعية والقانونية، وتحدد هذه الحالات “في الترميم أو الدراسة والمشاركة بها بشكل مؤقت في المعارض الثقافية والعلمية”.

استناداً إلى المعطيات التي أفادنا بها المسؤول عن المتاحف بالمغرب، فإن هناك ضعفاً في تكوين أطر الوزارات المعنية بهذا الموضوع في ما يتعلق بالشق القانوني.

وبالنسبة له، هناك توجه لتدارك هذا الإشكال، إذ تعمل وزارة الثقافة منذ 4 سنوات بشراكة مع منظمة اليونسكو على تكوين رجال الشرطة والدرك والجمارك وموظفي وزارة العدل ومحافظي المتاحف وبعض الأساتذة الجامعيين وعدد من فعاليات المجتمع المدني.

هؤلاء الذين خضعوا للتكوين، يقومون بدورهم منذ سنة تقريبًا، بالتجوال في مختلف مناطق المغرب لتكوين المعنيين بهذا الموضوع. وقد تم التركيز على أربع مناطق تتميز بتواجد المستحثات بها، وهي الراشيدية ومراكش وطنجة ثم فاس.

مفهوم التراث في حد ذاته شهد تغيراً، بحسب رأي خيارة، بحيث لم يعد ينحصر فقط في المفهوم الذي شمله قانون حماية التراث المعمول به منذ سنة 1980 قبل أن يتم تعديله سنة 2005.

أكبر مشكل يواجه السلطات المختصة في حماية التراث هو التداخل الحاصل بين مجموعة من الأطراف في نفس الرقعة ما بين الثقافي والأمني، الشيء الذي يخلق بعض الارتباك.

هذه التغيرات التي شهدت مفهوم التراث إلى جانب تداخل الأطراف في تدبيره، يرتقب أن تنقص حدتها عن طريق صدور نص قانوني جديد في الأسابيع المقبلة، يرى المهنيون أنه قادر على ضبط هذه المسائل بشكل أكبر.

وفي انتظار ذلك، لا يزال “ج” يساعد قراصنة التاريخ الذين يصولون ويجولون في المغرب بكل حرية، ناهبين جزءاً كبيراً من تاريخه العائد إلى حقب غابرة، مستغلين حاجة الشاب وحاجة السكان المحليين إلى الخبز وعدم معرفتهم بقيمة الكنوز المستخرجة من باطن أراضيهم.