السبت  19 أيلول 2020
LOGO

عن صحة الرئيس وما بعدها

2018-05-22 08:56:22 AM
عن صحة الرئيس وما بعدها
رولا سرحان

 

مر أسبوعٌ كاملٌ منذ أن دخل الرئيس محمود عباس إلى المستشفى للخضوع لعملية جراحية في الأذن الوسطى كما قيل وكما نقلت وكالة الأنباء الرسمية.

في بداية الأمر، ظن كثيرون أن المسألة، هي فعلاً مجرد عملية بسيطة، ومن ثم تفاجأنا أن الرئيس اضطر للعودة للمشفى من جديد، ليخرج ومن ثم ليعود للمرة الثالثة في أقل من أسبوع، والأرجح أن يبقى هناك يومين آخرين بحسب تحسن حالته الصحية.

كل اللغط الذي جرى، حمل جبريل الرجوب، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، مسؤوليته للإعلام الإسرائيلي، متناسياً بشكل أساسي، الفجوة الكبيرة في التواصل والثقة ما بين القيادة الفلسطينية وما بين الإعلام الفلسطيني من جهة ثانية، تلك الحالة التي دفعت الصحفيين، إلى متابعة الإعلام الإسرائيلي، والمواطنين للحصول على معلومات كان يغذيها قيادات السلطة الفلسطينية، بإجرائهم المقابلات مع وسائل الإعلام الإسرائيلية، دون أن يكون هنالك وحدة خطاب واضحة محددة، فتارة يقال إن الرئيس كان يجري عملية في الأذن الوسطى، وتارة يُشاع أنه يجري فحوصات ما بعد العملية، وتارة ثالثة يقال إنه أصيب بالتهاب رئوي، وتارة رابعة أصيب بحمى، إلى ما لذلك من تكهنات لم تصمت، ولن تصمت حتى يخرج الرئيس من المشفى.

وإن كانت قيادات السلطة الفلسطينية قد استمرأت الحديث إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية، لعله لأسباب سيكولوجية تتعلق بدونية الضحية أمام جلادها المتمثل في وسيلة إعلام الاحتلال، فعلى الأقل على كل من انبرى وتسابق للحديث إليها أن يتعلم شيئا عن كيفية تعامل قيادة دولة الاحتلال مع الإعلام.

ونستذكر هنا، حالة قريبة مشابهة عندما أدخل نتنياهو للعلاج بسبب إصابته بأنفلونزا حادة، ومن ثم أدخل مرة ثانية للعلاج بسبب ارتفاع درجة حرارته، حين قام "ديوان رئيس الوزراء" بإصدار تعميم لكل وسائل الإعلام يتحدث فيه عن حالته الصحية ويوضحها، ولم ينتظر أن يتم تسريب المعلومات من طرف ثالث، علما بأن لدى الصحافة الإسرائيلية مصادرها، التي تمكنها معرفة تفاصيل الأمور بل أدقها، لكن الذكاء الإعلامي هو موهبة يتقنها من يتقن فن مخاطبة الجمهور، لا استهبالهم أو استغباءهم.

على أية حال، فقدنا نحن جمهور الصحفيين، أي أمل في أنه بالإمكان أن تقدم القيادة الحالية على أي تغيير أو تعديل في سلوكياتها، ليس لأنها لا تريد، ولكن لأنها عجوز فلا تستطيع أن تفعل ذلك بسبب كبر سن طاقمها القيادي غير القادر على مواكبة الإعلام بالطريقة الصحيحة، والتفاعل مع وسائل التواصل الجديدة التي شكلت منفذا خارج التقليد والقديم في تناول الأخبار، فهنالك مثل إنجليزي يقول: "you cannot teach an old dog new tricks" أي "لا يمكنك أن تعلم كلبا عجوزاً حيلاً جديدة." وهو مثل يشبه قول الإمام الشافعي :"من فاته التعليم وقت شبابه فكبّر عليه أربعاً لوفاته." وهو مثل أيضاً يوصلنا إلى خلاصة السلوك على لسان ابن الهطيم في قوله: "إذا المرء أعيا رهطه في شبابه... فلا ترج منه الخير عند مشيب".

لذلك، عليهم أن يتحملوا نتائج عدم مقدرتهم على إدارة عملياتهم الإعلامية، ولن يكون الأمر أسهل أبداً، بعد رحيل الرئيس عباس، وإنما سيكون أصعب، لأن دورنا كإعلاميين فيها سيتعاظم، نظراً لاتساع خطوط المناورات بين المتصارعين على السلطة، ونظراً لانقسام مراكز القوى، وتقاسم الصلاحيات، فكل طامح لخلافة الرئيس سيسعى جاهدا ومحاولا تكثيف وجوده وظهوره ومخاطبته للناس وللجمهور، في محاولة للترويج بأن هو الخليفة القادر-المستطيع، والمرغوب- المطلوب، وأنه يأتي من الشعب للشعب، وستكون وسيلة المخاطبة حينها، من خلال وسائل الإعلام، فالذكي منكم من يُحسن اليوم التعامل معنا كي نُحسن التعامل معكم حينئذ.