السبت  11 تموز 2020
LOGO

محاولات المقاومة تصنيع الصواريخ في الضفة.. الانعكاسات والدلالات

2018-09-06 05:47:03 AM
محاولات المقاومة تصنيع الصواريخ في الضفة.. الانعكاسات والدلالات

 

الحدث ــ محمد بدر

بعد قدوم السلطة الفلسطينية في عام 1993 إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، أصبح بالإمكان رؤية مئات وآلاف المسلحين الفلسطينيين في شوارع الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن المرة، لم يكن هذا السلاح أداة من أدوات "توازن الردع"، وتغيرت المهمة التي يحمل على أساسها الفلسطيني السلاح وتغيّر كذلك هدف السلاح ودوره واسمه الحركي.

 في تلك الفترة وتحديدا ما بعد أوسلو وما قبل الانتفاضة الثانية (عام 2000) كثفت المقاومة الفلسطينية من عملياتها الاستشهادية، وتحديدا حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وكان الهدف من هذه العمليات أكثر وضوحا من أي وقت مضى، فقد حاولت "المعارضة الفلسطينية" إفشال المشروع السياسي الجديد من خلال تكثيف العمل بأداة تعتبر ذروة العمل المقاوم، وكذلك التأكيد على حتمية الصراع على كل الأرض الفلسطينية بما في ذلك المحتلة عام 1948.

مع انطلاقة الانتفاضة الثانية ساعدت التجربة التي خاضتها المقاومة الفلسطينية في العمل الاستشهادي في سنوات التسعينات على بناء بنية تحتية قوية لهذا العمل من خلال مجموعات صغيرة يعمل بعضها بشكل منفصل عن الخلايا والمجموعات الأخرى، والبعض الآخر يعمل من خلال تسلسل هرمي، وكانت الضفة الغربية قد ذهبت بهذا الاتجاه بكل قوة، فيما وجدت غزة نفسها عاجزة على دفع العمل الاستشهادي بنفس قوة الضفة الغربية، وذلك لأسباب تتعلق ببعد القطاع عن المدن الإسرائيلية، بالإضافة للسلك الفاصل حول القطاع والذي كان يمنع نسبيا حالات التسلل للداخل المحتل، ومع ذلك فقد نفذت المقاومة الفلسطينية بعض العمليات على حواجز لجيش الاحتلال في داخل غزة، كان أبرزها من ناحية التوقيت عملية نيتساريم التي نفذها الشهيد وليد العرعير وكانت العملية الاستشهادية الأولى في الانتفاضة.

وفي ظل التركيز التشغيلي العالي لأجهزة الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربية، كانت غزة تبحث عن أداة جديدة للمقاومة. إن الجدار والأسلاك تصنع بين يديك التساؤل والحل، إنها تدعوك دائما للتفكير بالقفز أو الاختراق، هذه معادلة بسيطة جدا لا تحتاج للكثير من التعقيد، ولأن المقاومة استطاعت أن تستنتج أن محاولات الاختراق لا يمكن أن تكون سلاحا استراتيجيا في المواجهة خاصة مع تعقيدات العمل العسكري والأمني في مواجهة الأسلاك، فإن مستوطنة غوش قطيف كانت على موعد مع المحاولة الأولى لتجاوز عقدة الأسلاك، وأطلقت حينها المقاومة صاروخها الأول، والذي وبحسب مصادر إسرائيلية كان محاولة بدائية جدا، حتى إن إطلاقه كان من خلال "ساعة توقيت"، في حين وصفه بعض المعلقين الإسرائيليين بأنه عبوة ناسفة موجهة للسماء.

وبعيدا عن السرد التفصيلي لتطور الصواريخ كأداة من أدوات المقاومة في قطاع غزة، إلا أننا يجب أن نذكر أن الصواريخ التي ضربت إسرائيل في 2014 تجاوزت في مداها حاجز 100 كم، بينما لم تتجاوز المحاولة الأولى 10 كم، وكانت 14 عاما من العمل على تطوير هذه الأداة، كافية لتدخلها التاريخ. 4000 صاروخ وقذيفة هو الرقم الأعلى الذي تقصف به إسرائيل في تاريخها، وهو الرقم الذي احتفت واحتفلت به سنة 2014 خلال حرب هذا العام على غزة، وتل أبيب التي كانت محصنة من صواريخ الأنظمة والمنظمات، أصبحت مسرحا لصافرات الإنذار وأزيل فيها الغبار عن أبواب الملاجئ.

بالعودة للضفة الغربية، فإنه من المهم الإيضاح أن العمل الاستشهادي انتهى نسبيا في عام 2004، ورسميا في عام 2005 من خلال اتفاق القاهرة، وأمنيا تراجع بعد "الجدار الفاصل"، وفكريا بعد انخراط المعارضة الفلسطينية في مؤسسات السلطة (ما عدا الجهاد الإسلامي والتي نفذت عمليات ما بين عامي 2005 ــ 2006)، وكان الجدار ملهما للمقاومة لتطوير الأداة الملهمة القادمة من تجارب غزة.

وبعيدا عن حجم هذه المحاولات وعددها؛ خاصة وأن المعايير الكمية في مثل هذه الحالات تخضع للمعلن رسميا، فإنه من المهم التدليل على أهميتها وانعكاستها في الرؤية الأمنية والسياسية الإسرائيلية... تاريخيا، تعرضت مدن ومستوطنات إسرائيلية للقصف من الضفة الغربية، ففي عام 1970 أطلقت مجموعة تابعة للمقاومة الفلسطينية صواريخ كاتيوشا على القدس المحتلة انطلاقا من قرية بتير القريبة من بيت لحم، وفي عام 1971 نفذت مجموعة أخرى للمقاومة الفلسطينية هجوما بالكاتيوشا على مدينة "بيتح تكفا"؛ مما أدى لمقتل اثنين من المستوطنين.

وبالانتقال للانتفاضة الثانية، فقد أعلنت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن ضبط قذيفة صاروخية في مدينة نابلس، وذلك خلال حملة عسكرية نفذها جيش الاحتلال لهدم منازل عوائل الاستشهاديين في المدينة، وفي عام 2005 قالت إسرائيل إنها ضبطت معملا لتصنيع الصواريخ في مدينة نابلس، وصفته بأنه الأخطر منذ سنوات. وفي يونيو 2006 كانت التجربة الأولى العملية لإطلاق الصواريخ خلال الانتفاضة الثانية، فقد أعلنت مجموعة مشتركة من حركة فتح والجهاد الإسلامي في منطقة جنين عن إطلاق صاروخ باتجاه هدف إسرائيلي، تعاملت وسائل الإعلام العبرية مع الإعلان بجدية، ولكن المستوى الأمني الإسرائيلي شكك في الرواية، وفي نوفمبر 2006 أعلنت ألوية الناصر صلاح الدين إطلاق صاروخ من منطقة نابلس باتجاه مستوطنات إسرائيلية قريبة، حينها ردّ مسؤول كبير في جيش الاحتلال "أن لا دلائل على ذلك"، وظلت محاولات المقاومة مستمرة في هذا الإطار وكان أبرزها وآخرها ما أعلنت عنه إسرائيل عام 2014 من اعتقال لمجموعة كبيرة تضم 93 ناشطا من حركة حماس خططت لتصنيع صواريخ ومتفجرات.

ولاستقراء الفشل في تطوير هذه الأداة في الضفة الغربية؛ علينا قراءة أسباب نجاحها في غزة، والتي تتمثل؛ في كون غزة مدينة بحرية ساحلية، وهو الأمر الذي ساهم في تهريب صواريخ ومعدات صواريخ عبر البحر، وهو ما يتضح من خلال ضبط إسرائيل لعدد من السفن في البحرين الأبيض والأحمر. كما أن غزة تقع على حدود دولة عربية (مصر)، وهو أمر يساهم كثيرا في عمليات التهريب سواء بدافع التعاطف أو بدافع المال، مع الإشارة أن الحالة الأمنية والعسكرية في منطقة سيناء ساهمت في عمليات التهريب خاصة من خلال الأنفاق ووصول معدات وصواريخ وخبراء من خلال هذه الأنفاق، وبالإضافة لذلك ساهم الانسحاب الإسرائيلي من القطاع في بناء بنية تحتية للتصنيع العسكري في قطاع غزة، وأخيرا فإن السلك الفاصل كان حافزا لبحث المقاومة عن أدوات قتالية تتجاوزه.

ولذلك علينا أن نتخيل شكل التصور الإسرائيلي لمنع حدوث هذا التطور في أدوات المقاومة في الضفة الغربية، ويمكننا الاعتقاد أن إمكانية أن توافق إسرائيل على حل يضمن وقوف الفلسطيني على حدود الأردن هي إمكانية مستحيلة، لا من خلال الكونفدرالية ولا من خلال حل الدولتين، وهو ما صرّح به نتنياهو بشكل واضح عندما قال إن الحدود مع الأردن لا يمكن أن يقف عليها إلى الجيش الإسرائيلي، كما أن مسألة الانسحاب من الضفة وعزل إسرائيل لنفسها يبدو كذلك مستحيلا، لأن ذلك سيؤدي إلى تمكين المقاومة من تشكيل بنى تحتية عسكرية مستقرة، ويبقى البحر ونحن نفتقده.

في عام 2005 وقبل أن تنسحب إسرائيل من غزة، كتب المفكر الإسرائيلي داني روبنشتاين: " الانتفاضة الثالثة التي شاهدنا بواكيرها في غزة وسدروت ستكون انتفاضة السلاح الصاروخي المقذوف. أي انتفاضة الراجمات والصواريخ بشتى الأصناف. طريقة انتاجها في غزة - التي ستصل الى الضفة دون أدنى شك - بدائية جدا، وهي لا تتسبب بضحايا كثيرين. مستشار رئيس الحكومة، دوف فايسغلاس، أسمى هذه القذائف بـ "الاشياء المتطايرة"، ولكنها تتسبب بحالة من الذعر والقلق، وهي السلاح الأكثر نجاعة الذي سيمتلكه الفلسطينيون عندما يُستكمل فك الارتباط في غزة المغلقة، وعندما تُستكمل الأسوار حول القدس والضفة.. الانتفاضة الثالثة تبدو ضرورة يفرضها الواقع من وجهة نظر الفلسطينيين في ظل الانسحاب الاسرائيلي أحادي الجانب الذي لا يعتبر خطوة على طريق السلام وانما مرحلة في اطار معركة عسكرية"... لا حدود ولا انسحاب حتى لا تقع الانتفاضة الثالثة بصواريخ الضفة.